الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 410الرجوع إلى "الثقافة"

ماذا أريد من الصديق, من رسالتين لچان چاك روسو, وصديقته مدام ديبناى

Share

كان جان جاك روسو ألد أعداء الارستقراطية والملكية المطلقة . ولكنه كان في بعض الأوقات يجد فيهما نفعا كثيرا ، وقلما كان بعدم من الآثرياء من يأخذ بيده ؛ على أنه لم يكن يحتفظ بأنصاره منهم زمنا طويلا . وإذا كانت الحياة الهمجية هي خير أنواع الحياة كما يقول ، وإذا كان المجتمع يفقد الإنسان كل ما وهبته الطبيعة من صفات طيبة ، فقد كان روسو نفسه خير شاهد على صدق قوله . ولكن العبقرية تغتفر لها أخطاؤها ، وبخاصة إذا باعدت بيننا ،وبينها الأيام . ولقد كان روسو عبقريا ما في ذلك شك كشف عن عبقريته فيما كتبه من المسرحيات الغنائية    "القليلة ، وفيما وضعه من مبادئ للثورة الفرنسية في "إميل وفى "العقد الاجتماعى" وفيما كان له من الأثر في أسلوب الكتاب الفرنسيين وغير الفرنسيين ومنهم جوته وشتو بريان . وجميع الكتاب الروائيين الذين جاءوا بعده

اما مدام دبيناي فكانت هي الأخرى من أذكى نساء عصرها - كانت دمئة الاخلاق، حاضرة البديهة، عظيمة

المواهب ، محافظ في المجتمعات على الآداب الرعية ، وإن كانت هي نفسها لا خلاق لها .

ونشأت بين روسو ومدام دبيناي صداقة لم تدم طويلا تبادلا فيها الرسائل ، ومنها رسالتان تحدثا فيها عما يبغيان من الصديق .

قال جان جاك روسو في رسالته إلى مدام ديناي وقد كتبها في عام ١٧٥٦

وما دمت قد طرقت هذا الموضوع ) موضوع الصداقة ( فاني احب أن أحدثك عما اطلبه من الصديق وما ارضي ان اعطيه إياه . ولا تظني أن في وسمك ان تجدي أخطاء فيما سوف أضعه من قواعد الصداقة أو تعتقدي أن من السهل عليك أن تحوليني عنها ، لأن هذه القواعد وليدة مزاجي واخلاي ، وهما اللدان لا استطيع قط أن أتحول عنهما .

أول ما أريده من الأصدقاء أن يكونوا لي أصدقاء لا أسيادا ، وان يشيروا على ولا يحكموني ، وان يكون لهم ما يريدون من الحقوق على قلبي ، والا يكون لهم شئ من الحقوق على حريتي . وأشد ما اعجب له من الناس تدرعهم بالصداقة للتدخل في شئوني من غير ان بطلعوني على شئوسهم .

٠٠٣ وأحب أن يصارحنى اصدقاني بآرائهم في وإلا يخفوا منها شيئا عني ، وان يقولوا لي كل ما يشاءون . وأنا أجيز لهم كل شئ إلا أن يحتقروني . ذلك أنني لا أبالي بالاحتقار يأتيني من شخص لا أعبا به ، أما إذا وجه إلى من صديق فمن عليه ان يتحقق أولا أني خليق به . وإذا كان من سوء حظه أن يحتقرني فليمتنع على الأقل عن ان يجهر لي باحتقاره ، بل عليه ان يقطع حبل صداقتي ، فذلك حق لنفسه عليه . وفيما عدا الاحتقار وحده أرى أن من حق صديقي على ان يعاتبني ، وان يستخدم في عتابي

اية لهجة يشاء ، ومن حقى أنا بعد أن استمع لكل ما يريد ان يقوله ان اقبل عتابه او ارفضه ؛ على اني لا احب ان ألام لوما دائما على شيء مضي وانقضي .

ومما يضايقني من الأصدقاء حرصهم الشديد على أن يصنعوا مع المعروف الاف المرات . ذلك ان في صنع المعروف شيئا من مظاهر الولاية علي لا أطيقه ، وان في وسع غير الأصدقا ، ان يصنعوا معى هذا المعروف نفسه ؛ وحسي من الأصدقاء ان احبهم ويحبوني ، والحب هو كل ما يراد من الصديق

وأشد ما أغضب له من الأصدقاء أن يستطيع كل زميل جديد أن يحل في قلبهم محلي ، مع انهم هم وحدهم الذين أطيق صحبتهم في العالم كله . وما من شيء بجعلني أطيق معروف الأصدقاء إلا حبهم لي ، فإذا ما ارغمت نفسي علي قبول معروفهم فاني احب منهم ان يكون صنيعهم ملائما لذوقى أنا لا لاذوا قهم ، لان أفكارنا لا تتفق في كل شئ . وكثيرا ما يكون ما هو حسن في رأيهم قبيحا في رأي .

وإذا حدث بين الصديقين ما يخشى منه على صداقتهما وجب على المخطئ إن يسعي هو إلي مصالحة صديقه . على اني اعترف ان هذا القول لا معنى له ، إذ ليس في الناس من لا يعتقد أنه على حق ، ولهذا يجب على من بدأ النزاع أن يبدأ هو يحسمه ، محقا كان أو غير محق . وإذا ثرت بغير حق أو غضبت لغير سبب معقول ، فليس له أن يحذو حذوي ويجاريني في فعلي . فإن فعل كان ذلك منه دليلا على أنه لا يحبني . إني أريد منه غير هذا ، أريد منه أن يشعرني بحبه ، وان يعانقني ، وان يظهر في عناقه هذا عطفه وحنوه . هذا ما أريده ياسيد تى وجملة القول انى أحب أن يبدأ هو بإطفاء نار غضبي ، ولست أشك في أن هذا لن يحتاج منه إلى وقت طويل ، فلم تكن في قلبي قط نار لا تطفئها دمعة . وإذا ما هدأت أعصابي ، وخجلت من نفسي ، وأسفت على فعلتي ، وتحيرت في امري ،

*  فليعاتبني أشد العتاب ، وليصارحني بما أخطأت فيه ، وما من شك في أنه سيجد مني ما يرضيه . وإذا كان منشأ الغضب أمرا تافها لا يستحق البحث والجدل ، فلتعلو صفحته ، وليسكن المعتدي أول من يمسك لسانه عن الجدل ، وعليه ألا يتشبت بأن يكون هو آخر المتكلمين ، ظنا منه أن هذا مما يقتضيه الشرف . ذلك ما احب أن يفعله صديقي معي ، وما لا اتردد في ان افعله معه في مثل هذه الحال .

ولاتعجبي إذا قلت إني اطلب إلي الصديق اكثر مما ذكرته في هذه الرسالة ، بل أكثر مما يطلبه هو إلى لو أنه كان في مكاني وكنت أنا في مكانه ذلك اني أعيش في عزلة ، ولهذا تجدينني مرهف الحس  اكثر من سائر الناس ، فإذا تنازعت مع إنسان يعيش بين الناس ويختلط بهم ، فإن ذلك لا يكلفه أكثر من أن يفكر في الأمر ساعة ، ثم تصادفه مئات من الأمور التي تشغل باله فينسي من فوره نزاعه

أما أنا فأظل طول ليلي أرقا أفكر فيه ، ولا يذهب من عقلي وانا اسير بمفردي من شروق الشمس إلى غروبها ، لا يستريح منه فلبي لحظة واحدة . ولذلك كان ما أعانيه من قسوة الصديق في يوم واحد بمعدل ما يعانيه غيري في عدة سنين وأنا كما تعدين رجل مريض ، ومن حق المريض على بني الإنسان أن يتغاضوا عما في خلقه وطبعه من هنات ؛ وأي صديق - بل وأي إنسان مهذب - تطاوعه نفسه على أن يؤلم مخلوقا تمسا مصابا بداء عضال انهكه وهد قوا ه؟ إني رجل فقير ، وإن فقرى او مايبدو لي أنه فقر ( ليجعلني خليقا بشيء من الرعاية ولقد أجبتني أنت إلي كل ما أريده من الإغضاء عن عيوبي الصغيرة دون ان أطلب ذلك إليك ، لأن الصديق الوفي لا ينتظر حتى يطلب إليه صديقه ما يريده منه . ولكنى أسألك أيتها الصديقة العزيزة - وأسألك بصراحة - هل تعرفين أن لى أصدقاء ؟ أقسم لك أن من حسن حظي أني قد عرفت كيف

ستغني عنهم ، وإني لاعرف الكثيرين ممن لا ياسفون إذا استطاعوا أن تكون لهم على بد ، بل إني لأعرف الكثيرين ممن لهم على بد . اما القلوب الخليقة بأن تستجيب إلي داء فلبى ، فحسبى انى لم اعرف منها غير قلب واحد فقط .

فلا تعجبي إذا إن رايت أن كرهي باريس يزداد يوما بعد يوم ، وما من شئ بأنبي منها - غير رسائلك - إلا وهو يزيد في فضى . ومن أجل هذا لن ادخلها ابدا . وإذا رايت أن تفصحى عن رأيك فى هذا الموضوع  تفصحى  عنه  بأعظم ما تشائين من القوة والصراحة ، فإن ذلك من حقك ؛ وثفي بأني سأتقبله بقبول حسن ، وانه سيكون عديم النفع ، وما من شك في انك بعدئذ أن تحاولي مرة اخرى . . روسر

وقد ردت مدام ديبناي علي هذه الرسالة برسالة من نوعها جاء فيها :

أظن ياصديقي أن من أصعب الأمور أن يضع الإنسان قواعد ثابتة للصداقة . ذلك أن من الطبيعي أن يضع كل إنسان من القواعد ما يلائم تفكيره الخاص . فأنت مثلا تذ كر لي ما نطلبه إلي أصدقائك ، ثم يأتيني من فوري صديق غيرك ويطلب إلي ما لا يتفق قط مع ما تطلبه أنت ، ونتيجة ذلك ان اجد مزاجي يخالف مزاجه فأقضى يومي  احاول فعل ما ينفر مني هذا الصديق او ذاك ، واتمني لهم كل سوء بطبيعة الحال ؛ غير ان هناك قاعدتين اساسيتين لاغنى عنهما في الصداقة ، ويجب ان يستمسك بهما كل إنسان ، وهما التسامح والحرية . وكل صداقة لا تشتمل على هاتين الحالتين لا تلبث عراها ان تنقصم . وإليك بالاختصار الاساس الذي أقيم عليه صرح صداقتي . إني لا أطلب إلى الصديق ان يحبني حبا دافعا عارما سريع التأثر ، أو حبا أقدم عليه بعد تفكير وتدبير ، بل إلى لأرتضي

منه أن يحبني على قدر ما يستطيعه من الحب وما يسمح به مزاجه ؛ وذلك لان رغباتي مهما تسكن قوية لا تستطيع ان تبدل مزاجه ، سواء كان متحفظا في حبه او متقلبا فيه أو رزينا أو مرحا ، وما إلي ذلك . وإذا ما طلب المرء في الصديق صفة تنقصه ، وظل بذكر هذا ويلح فيه ، ادي ذلك إلي كره صديقه ونفوره منه . والواجب علينا أن نحب أصداقاءنا كما يجب الفنانون الصور ، فهؤلاء تقع عيونهم على ما فيها من جمال ولا يبصرون ما عدا ذلك .

لذلك ؟ وتقول : إذا ما شجر النزاع ، وإذا ما أساء صديني معاملاتي ، وما إلى ذلك . إني لا أفهم قولك أساء صديقي معاملتي ، ولا أعرف أن في الصداقة معاملة سيئة إلا معاملة واحدة هي عدم الثقة . أما إذا قلت : رأيت صديقي يوما من الأيام يخفي عني أشياء ، وفي يوم آخر يفضل هذا الشئ وذاك عن صحبتى والإهتمام بأمري ، أو أنه كان يجب عليه أن يتخلي عن ذلك الشئ لي ، فإن ذلك كله يؤدي حتما إلي السخط . دع إذا هذه الشكابات الصغيرة إلي ذوي القلوب الخاوية والرؤوس الفارغة . إنها خليقة بصغار المحبين السخفاء الأدنياء ، فهؤلاء ديدتهم النازعات الدنيئة الحقيرة التي تجعلهم ضيقي العقول مشاكسين تكدين خيثاء أو أراذل . وكان خليقا بهم أن يسكنوا إلى أصدقائهم ويعلموا إليهم ، وان تطفح وجوههم بالبشر ، وتفيض قلوبهم بالمحبة ، وأن يزدادوا كل يوم حبا لأصدقائهم لما يتصفون به من استقامة في الأخلاق وطيبة في القلوب ، وما أوتوا من نظرة فلسفية إلي الأمور . وهل يليق بالفيلسوف محب الحكمة أن يفعل ما يفعله المزمون ضعاف القلوب ضيقو العقول الذين يعمدون إلي الخرافات الباطلة الحقيرة يستبدلونها بحب الله ؟ ثق ياصديقي أن الذي يفهم الطبيعة البشرية على حقيقتها لن يصعب عليه أن يصفح عن هنات الناس وأن يحبهم لما يفعلون من خير ، لأنه يعرف أن فعل الخير من أشق الأمور .

أما أنا ياصد يقي فإني حين قلت لك في بدء رسالتي إن الحرية والتسامح هما أساس الصداقة الحقة ، ثم أكن اظن اني سأسمح لنفسي مثل ما سمحت لها به من الحرية أو أطلب لها ما طلبت من التسامح . وارجو ان تصفح هما في هذه الرسالة من سوء أدب يغفره لي وفائي وإخلاصي أي إلهي ماأكثر الحقائق التى استطيع ان اضمها هذه الرسالة ، ولكني لا استطيع تسطيرها فيها ، لأني اضطر إلى قطع سلسلة أفكاري مرة كل دقيقتين . إنى لا أجد من الوقت ما يسمح لي بأن أسر إليك أني أتحداك أن تغضب مني

بالرغم من اني تعمدت في هذه الرسالة أن استثير غضبك ؛ ذلك أني مهما كثرت أخطائي أحبك من كل قلبي .

ومع ذلك فلم ينقض إلا القليل من الزمن حتى كتب روسو إلي مدام ديناي يقول : " إن الصداقة التي كانت بيننا قد انفصمت عراها " . وكان سبب ذلك ان الدسائس حيكت شبا كها من حولها حتى لم يستعليما الإفلات منها وكانت هذه الدسائس من الغموض والتعقيد بحيث لا تستطيع أن نعرفها على حقيقتها

اشترك في نشرتنا البريدية