كان جان جاك روسو ألد أعداء الارستقراطية والملكية المطلقة . ولكنه كان في بعض الأوقات يجد فيهما نفعا كثيرا ، وقلما كان بعدم من الآثرياء من يأخذ بيده ؛ على أنه لم يكن يحتفظ بأنصاره منهم زمنا طويلا . وإذا كانت الحياة الهمجية هي خير أنواع الحياة كما يقول ، وإذا كان المجتمع يفقد الإنسان كل ما وهبته الطبيعة من صفات طيبة ، فقد كان روسو نفسه خير شاهد على صدق قوله . ولكن العبقرية تغتفر لها أخطاؤها ، وبخاصة إذا باعدت بيننا ،وبينها الأيام . ولقد كان روسو عبقريا ما في ذلك شك كشف عن عبقريته فيما كتبه من المسرحيات الغنائية "القليلة ، وفيما وضعه من مبادئ للثورة الفرنسية في "إميل وفى "العقد الاجتماعى" وفيما كان له من الأثر في أسلوب الكتاب الفرنسيين وغير الفرنسيين ومنهم جوته وشتو بريان . وجميع الكتاب الروائيين الذين جاءوا بعده
اما مدام دبيناي فكانت هي الأخرى من أذكى نساء عصرها - كانت دمئة الاخلاق، حاضرة البديهة، عظيمة
المواهب ، محافظ في المجتمعات على الآداب الرعية ، وإن كانت هي نفسها لا خلاق لها .
ونشأت بين روسو ومدام دبيناي صداقة لم تدم طويلا تبادلا فيها الرسائل ، ومنها رسالتان تحدثا فيها عما يبغيان من الصديق .
قال جان جاك روسو في رسالته إلى مدام ديناي وقد كتبها في عام ١٧٥٦
وما دمت قد طرقت هذا الموضوع ) موضوع الصداقة ( فاني احب أن أحدثك عما اطلبه من الصديق وما ارضي ان اعطيه إياه . ولا تظني أن في وسمك ان تجدي أخطاء فيما سوف أضعه من قواعد الصداقة أو تعتقدي أن من السهل عليك أن تحوليني عنها ، لأن هذه القواعد وليدة مزاجي واخلاي ، وهما اللدان لا استطيع قط أن أتحول عنهما .
أول ما أريده من الأصدقاء أن يكونوا لي أصدقاء لا أسيادا ، وان يشيروا على ولا يحكموني ، وان يكون لهم ما يريدون من الحقوق على قلبي ، والا يكون لهم شئ من الحقوق على حريتي . وأشد ما اعجب له من الناس تدرعهم بالصداقة للتدخل في شئوني من غير ان بطلعوني على شئوسهم .
٠٠٣ وأحب أن يصارحنى اصدقاني بآرائهم في وإلا يخفوا منها شيئا عني ، وان يقولوا لي كل ما يشاءون . وأنا أجيز لهم كل شئ إلا أن يحتقروني . ذلك أنني لا أبالي بالاحتقار يأتيني من شخص لا أعبا به ، أما إذا وجه إلى من صديق فمن عليه ان يتحقق أولا أني خليق به . وإذا كان من سوء حظه أن يحتقرني فليمتنع على الأقل عن ان يجهر لي باحتقاره ، بل عليه ان يقطع حبل صداقتي ، فذلك حق لنفسه عليه . وفيما عدا الاحتقار وحده أرى أن من حق صديقي على ان يعاتبني ، وان يستخدم في عتابي
اية لهجة يشاء ، ومن حقى أنا بعد أن استمع لكل ما يريد ان يقوله ان اقبل عتابه او ارفضه ؛ على اني لا احب ان ألام لوما دائما على شيء مضي وانقضي .
ومما يضايقني من الأصدقاء حرصهم الشديد على أن يصنعوا مع المعروف الاف المرات . ذلك ان في صنع المعروف شيئا من مظاهر الولاية علي لا أطيقه ، وان في وسع غير الأصدقا ، ان يصنعوا معى هذا المعروف نفسه ؛ وحسي من الأصدقاء ان احبهم ويحبوني ، والحب هو كل ما يراد من الصديق
وأشد ما أغضب له من الأصدقاء أن يستطيع كل زميل جديد أن يحل في قلبهم محلي ، مع انهم هم وحدهم الذين أطيق صحبتهم في العالم كله . وما من شيء بجعلني أطيق معروف الأصدقاء إلا حبهم لي ، فإذا ما ارغمت نفسي علي قبول معروفهم فاني احب منهم ان يكون صنيعهم ملائما لذوقى أنا لا لاذوا قهم ، لان أفكارنا لا تتفق في كل شئ . وكثيرا ما يكون ما هو حسن في رأيهم قبيحا في رأي .
وإذا حدث بين الصديقين ما يخشى منه على صداقتهما وجب على المخطئ إن يسعي هو إلي مصالحة صديقه . على اني اعترف ان هذا القول لا معنى له ، إذ ليس في الناس من لا يعتقد أنه على حق ، ولهذا يجب على من بدأ النزاع أن يبدأ هو يحسمه ، محقا كان أو غير محق . وإذا ثرت بغير حق أو غضبت لغير سبب معقول ، فليس له أن يحذو حذوي ويجاريني في فعلي . فإن فعل كان ذلك منه دليلا على أنه لا يحبني . إني أريد منه غير هذا ، أريد منه أن يشعرني بحبه ، وان يعانقني ، وان يظهر في عناقه هذا عطفه وحنوه . هذا ما أريده ياسيد تى وجملة القول انى أحب أن يبدأ هو بإطفاء نار غضبي ، ولست أشك في أن هذا لن يحتاج منه إلى وقت طويل ، فلم تكن في قلبي قط نار لا تطفئها دمعة . وإذا ما هدأت أعصابي ، وخجلت من نفسي ، وأسفت على فعلتي ، وتحيرت في امري ،
* فليعاتبني أشد العتاب ، وليصارحني بما أخطأت فيه ، وما من شك في أنه سيجد مني ما يرضيه . وإذا كان منشأ الغضب أمرا تافها لا يستحق البحث والجدل ، فلتعلو صفحته ، وليسكن المعتدي أول من يمسك لسانه عن الجدل ، وعليه ألا يتشبت بأن يكون هو آخر المتكلمين ، ظنا منه أن هذا مما يقتضيه الشرف . ذلك ما احب أن يفعله صديقي معي ، وما لا اتردد في ان افعله معه في مثل هذه الحال .
ولاتعجبي إذا قلت إني اطلب إلي الصديق اكثر مما ذكرته في هذه الرسالة ، بل أكثر مما يطلبه هو إلى لو أنه كان في مكاني وكنت أنا في مكانه ذلك اني أعيش في عزلة ، ولهذا تجدينني مرهف الحس اكثر من سائر الناس ، فإذا تنازعت مع إنسان يعيش بين الناس ويختلط بهم ، فإن ذلك لا يكلفه أكثر من أن يفكر في الأمر ساعة ، ثم تصادفه مئات من الأمور التي تشغل باله فينسي من فوره نزاعه
أما أنا فأظل طول ليلي أرقا أفكر فيه ، ولا يذهب من عقلي وانا اسير بمفردي من شروق الشمس إلى غروبها ، لا يستريح منه فلبي لحظة واحدة . ولذلك كان ما أعانيه من قسوة الصديق في يوم واحد بمعدل ما يعانيه غيري في عدة سنين وأنا كما تعدين رجل مريض ، ومن حق المريض على بني الإنسان أن يتغاضوا عما في خلقه وطبعه من هنات ؛ وأي صديق - بل وأي إنسان مهذب - تطاوعه نفسه على أن يؤلم مخلوقا تمسا مصابا بداء عضال انهكه وهد قوا ه؟ إني رجل فقير ، وإن فقرى او مايبدو لي أنه فقر ( ليجعلني خليقا بشيء من الرعاية ولقد أجبتني أنت إلي كل ما أريده من الإغضاء عن عيوبي الصغيرة دون ان أطلب ذلك إليك ، لأن الصديق الوفي لا ينتظر حتى يطلب إليه صديقه ما يريده منه . ولكنى أسألك أيتها الصديقة العزيزة - وأسألك بصراحة - هل تعرفين أن لى أصدقاء ؟ أقسم لك أن من حسن حظي أني قد عرفت كيف
ستغني عنهم ، وإني لاعرف الكثيرين ممن لا ياسفون إذا استطاعوا أن تكون لهم على بد ، بل إني لأعرف الكثيرين ممن لهم على بد . اما القلوب الخليقة بأن تستجيب إلي داء فلبى ، فحسبى انى لم اعرف منها غير قلب واحد فقط .
فلا تعجبي إذا إن رايت أن كرهي باريس يزداد يوما بعد يوم ، وما من شئ بأنبي منها - غير رسائلك - إلا وهو يزيد في فضى . ومن أجل هذا لن ادخلها ابدا . وإذا رايت أن تفصحى عن رأيك فى هذا الموضوع تفصحى عنه بأعظم ما تشائين من القوة والصراحة ، فإن ذلك من حقك ؛ وثفي بأني سأتقبله بقبول حسن ، وانه سيكون عديم النفع ، وما من شك في انك بعدئذ أن تحاولي مرة اخرى . . روسر
وقد ردت مدام ديبناي علي هذه الرسالة برسالة من نوعها جاء فيها :
أظن ياصديقي أن من أصعب الأمور أن يضع الإنسان قواعد ثابتة للصداقة . ذلك أن من الطبيعي أن يضع كل إنسان من القواعد ما يلائم تفكيره الخاص . فأنت مثلا تذ كر لي ما نطلبه إلي أصدقائك ، ثم يأتيني من فوري صديق غيرك ويطلب إلي ما لا يتفق قط مع ما تطلبه أنت ، ونتيجة ذلك ان اجد مزاجي يخالف مزاجه فأقضى يومي احاول فعل ما ينفر مني هذا الصديق او ذاك ، واتمني لهم كل سوء بطبيعة الحال ؛ غير ان هناك قاعدتين اساسيتين لاغنى عنهما في الصداقة ، ويجب ان يستمسك بهما كل إنسان ، وهما التسامح والحرية . وكل صداقة لا تشتمل على هاتين الحالتين لا تلبث عراها ان تنقصم . وإليك بالاختصار الاساس الذي أقيم عليه صرح صداقتي . إني لا أطلب إلى الصديق ان يحبني حبا دافعا عارما سريع التأثر ، أو حبا أقدم عليه بعد تفكير وتدبير ، بل إلى لأرتضي
منه أن يحبني على قدر ما يستطيعه من الحب وما يسمح به مزاجه ؛ وذلك لان رغباتي مهما تسكن قوية لا تستطيع ان تبدل مزاجه ، سواء كان متحفظا في حبه او متقلبا فيه أو رزينا أو مرحا ، وما إلي ذلك . وإذا ما طلب المرء في الصديق صفة تنقصه ، وظل بذكر هذا ويلح فيه ، ادي ذلك إلي كره صديقه ونفوره منه . والواجب علينا أن نحب أصداقاءنا كما يجب الفنانون الصور ، فهؤلاء تقع عيونهم على ما فيها من جمال ولا يبصرون ما عدا ذلك .
لذلك ؟ وتقول : إذا ما شجر النزاع ، وإذا ما أساء صديني معاملاتي ، وما إلى ذلك . إني لا أفهم قولك أساء صديقي معاملتي ، ولا أعرف أن في الصداقة معاملة سيئة إلا معاملة واحدة هي عدم الثقة . أما إذا قلت : رأيت صديقي يوما من الأيام يخفي عني أشياء ، وفي يوم آخر يفضل هذا الشئ وذاك عن صحبتى والإهتمام بأمري ، أو أنه كان يجب عليه أن يتخلي عن ذلك الشئ لي ، فإن ذلك كله يؤدي حتما إلي السخط . دع إذا هذه الشكابات الصغيرة إلي ذوي القلوب الخاوية والرؤوس الفارغة . إنها خليقة بصغار المحبين السخفاء الأدنياء ، فهؤلاء ديدتهم النازعات الدنيئة الحقيرة التي تجعلهم ضيقي العقول مشاكسين تكدين خيثاء أو أراذل . وكان خليقا بهم أن يسكنوا إلى أصدقائهم ويعلموا إليهم ، وان تطفح وجوههم بالبشر ، وتفيض قلوبهم بالمحبة ، وأن يزدادوا كل يوم حبا لأصدقائهم لما يتصفون به من استقامة في الأخلاق وطيبة في القلوب ، وما أوتوا من نظرة فلسفية إلي الأمور . وهل يليق بالفيلسوف محب الحكمة أن يفعل ما يفعله المزمون ضعاف القلوب ضيقو العقول الذين يعمدون إلي الخرافات الباطلة الحقيرة يستبدلونها بحب الله ؟ ثق ياصديقي أن الذي يفهم الطبيعة البشرية على حقيقتها لن يصعب عليه أن يصفح عن هنات الناس وأن يحبهم لما يفعلون من خير ، لأنه يعرف أن فعل الخير من أشق الأمور .
أما أنا ياصد يقي فإني حين قلت لك في بدء رسالتي إن الحرية والتسامح هما أساس الصداقة الحقة ، ثم أكن اظن اني سأسمح لنفسي مثل ما سمحت لها به من الحرية أو أطلب لها ما طلبت من التسامح . وارجو ان تصفح هما في هذه الرسالة من سوء أدب يغفره لي وفائي وإخلاصي أي إلهي ماأكثر الحقائق التى استطيع ان اضمها هذه الرسالة ، ولكني لا استطيع تسطيرها فيها ، لأني اضطر إلى قطع سلسلة أفكاري مرة كل دقيقتين . إنى لا أجد من الوقت ما يسمح لي بأن أسر إليك أني أتحداك أن تغضب مني
بالرغم من اني تعمدت في هذه الرسالة أن استثير غضبك ؛ ذلك أني مهما كثرت أخطائي أحبك من كل قلبي .
ومع ذلك فلم ينقض إلا القليل من الزمن حتى كتب روسو إلي مدام ديناي يقول : " إن الصداقة التي كانت بيننا قد انفصمت عراها " . وكان سبب ذلك ان الدسائس حيكت شبا كها من حولها حتى لم يستعليما الإفلات منها وكانت هذه الدسائس من الغموض والتعقيد بحيث لا تستطيع أن نعرفها على حقيقتها

