لا نجد ناحية من نواحى النشاط العام تشغل أذهان الملايين وتثير اهتمامهم كما تثيره شئون التعليم . فهو لدى الآباء مسألة المسائل ، يعلقون عليه أكبر الآمال مذ كان وسيلة إعداد أبنائهم للحياة المستقبلة ، حظهم فيها مرعون إلي حد كبير يحظهم منه . وهو لدى المصلحين الاجتماعيين أنجح الوسائل لعلاج أدوائنا الاجتماعية وأخطر الطرق الخلق جبل جديد تموده الروح العامة ويدرك قيمة التعاون وتنسيق الجهود الفردية لما فيه الخير العام . وهو لدى المصلحين الاقتصاديين الكفيل بتوفير الكفايات الغنية التى تستطيع النهوض بالمشروعات العظيمة التى يرجى قيامها لزيادة ثروة البلاد ورفع مستوى المعيشة فيها . وهو لدى رجال السياسة أقوى السبل لغرس الوطنية وبث روح الديقراطية الصحيحة وتربية النشء ، على حب بلاده والاعتزاز بها والاستعداد لبذل كل من تخص وتمال في
سبيل المذود عن حياضها وإعزاز مكانتها . وهو لدي رجال التربية مرحلة اساسية في حياة كل فرد تدرس فيها طبيعته ويكشف عن مكنوناتها وتتعهد بما يهذيها ويقويها ويتفتق فيها ذهنه ، ونهيأ الفرصة لقواء العقلية والخلفية النمو والنرعرع ، وتروض فيها طبيعته على ممارسة الأساليب الصالحة لحياته الفردية والاجتماعية .
ومن الطبيعى وهذا شأن التعليم ومبلغ ما يعقده به الأفراد والجماعات من الآمال ، أن يكون كل تقصير فيه أو بعد به عن تحقيق الأهداف العامة مبعث شكوى . وترديد هذه الشكليات جدير بأن يقابل بالعناية من اولى الأمر ، خليق بأن يحملهم على درسها وتبين مبلغ مما فيها من صحة وإزالة اسبابه بقدر ما تسمح به ظروفهم . وإنما محاولون إبراز ما يشكوه الناس من أمور التعليم ، مبينون ما نعلم من جهود وزارة المعارف في تخفيف أسباب الشكوى في كل حالة .
فأما الآباء فيشكون ما يلاقونه من عناء ومشقة فى إلحاق أبنائهم بالدارس على اختلاف أنواعها لقلة عدد هذه المدارس ومجزها عن ان تتسع لهم جميعا ، وهذا العناء
بصدمهم من أول مراحل التعليم وبلاحقهم في كل أدواره ، حتى لقد اصبح الظافر بمكان في رياض الأطفال أو المدارس الابتدائية او الثانوية أو المالية او بكلية من كليات الجامعة مطلبا عزيزا لا يناله إلا السعداء المحظوظون . بل إن المدارس الإلزامية في المدن قد غلبت عليها نفس الظاهرة واصبحت ترفض كثيرا مما يقدم لها من طلبات .
ويشكو الآباء - ولا سيما الفقراء منهم ومتوسطو الإيراد - أن الوزارة قد قيدت التعليم الابتدائى المجانى هذا العام بنفقات برهقهم سدادها ، فحملت التلاميذ دفع أجور الكتب والأدوات المدرسية وهي جزء أساسي من مستلزمات التعليم ، وكان الواجب أن ينسحب عليه حق المجانية المقرر لتلك المدارس ، وحملتهم نفقات الغذاء والغذاء الصحى أمر رأت الوزارة ضرورته لكل ناشئ فقير فكان من الخير الا تتقاضى عليه أجرا . ولن تتحمل الخزينة كثيرا إذا أعفت تلاميذ هذه المدارس من تلك النفقات جميعا وعادت لسنتها السابقة . وليس الأغنياء القادرون على دفع تلك النفقات إلا قلة في تلك الدارس . وقد فتحت لهم مدارس خاصة بهم تستطيع أن تنقل إليها منهم من ترى أنه لا يصح تمتمه بحق الإعفاء منهما.
ويشكو الآباء جميعا أن الوزارة والجامعتين قدتهاونت فيما مضى من الأعوام في تحصيل الأقساط المدرسية من طلبة المدارس الثانوية وطلبة كليات الجامعتين ، وأن سياسة بعض الوزارات السابقة كانت تتعمد الإغناء من المطالبة بها ، فتراكم على التلاميذ مبالغ كثيرة أعفوا منها ، ثم رأت الوزارة والجامعتان التشدد في المطالبة وتعليق إظهار النتائج ودخول الطلبة بالمدارس والكليات إلا إذا سددوا المطلوب منهم فى العام الماضي . ويرى الآباء أن من الإرهاق لهم دفع المتراكم عن العام الماضى وتسديد المطلوب هذا العام ، ويرجون أن يعفوا من الماضى وان يقتصر التشدد على دفع مصاريف العام الحاضر ، فليس كل الآباء من أثرياء الحرب ، وأوساط
الناس لم تدع حالة الغلاء الحاضرة لديهم مدخرا ، ولا تسمح مواردهم بتدبير مال لسداد القديم والجديد .
ويشكو الآباء شدة الامتحانات وصرامة أنظمتها. بحيث أصبحت كل خطوة في التعليم بعد مرحلة التعليم الابتدائى عقبة كأداء يتعثر عندها كثرة التلاميذ ، وبحيث اصبحت نسبة النجاح في الانتقال من فرقة لأخرى فى التعليم الثانوى ونسبة النجاح في الامتحانات العامة ونسب النجاح في امتحانات النقل والامتحانات العامة في كليات الجامعة نسبا ضعيفة . وهم يرون ان كثرة فشل ابنائهم تكشف عن خلل ما فى التعليم وأساليبه أو في كفاية هيئة التدريس أو في أسئلة الامتحانات وتصحيحها أو فيها جميعا. ويرون ان هذه السنوات الضائعة من اعمار أبنائهم وما يصحب ذلك من انهيار في حالتهم المعنوية وما يستتيمه ذلك من اتجاهات ضارة في سلوكهم وأخلاقهم - كل ذلك خليق بأن يدرس دراسة عاجلة دقيقة ويبحث عن حقيقة العلة فيه ويعالج العلاج الحاسم .
ويشكو الصلحون الاجتماعيون انصراف إهتمام المدارس والكليات إلي ناحية التحصيل العلمي وإعمال الجانب الاجتماعي في حياة الطلبة ، ويرون ضرورة العناية الكبرى بتنظيم اوقات الفراغ للشباب واستغلالها فيما بفيدهم ويوسع آفاقهم ، وجعل المجتمع المدرسي مجتمعا حيا تمارس فيه ضروب النشاط الاجتماعي ، ويدرب فيه الطلبة على احتمال المسئوليات وممارسة الحقوق الاجتماعية ، ويعودون فيه التعاون والتسامح والاحترام المتبادل ؛ وهم يودون أن تكون الحياة المدرسية متصلة بالحياة العامة تقبض بآمال المجتمع وآلامه وتسعى في محيطها للاستعداد للعمل والإسهام في خدمته .
وبشكو رجال الإصلاح الاقتصادى عزلة المدرسة وبعدها عن التجاوب مع مطالب الحياة الحديثة وحاجاتها ، ويرون تنمية الروح العملى في الشباب وربط التعليم ربطا
وثيقا بالحياة العملية والإفادة من المؤسسات القائمة في فهم ما يتعلمونه في صورته التي يظهر بها في الحياة ، ويطالبون بترقية التعليم الفنى وتوسعته وزيادة العناية بالجانب التطبيقى وتعويد الطلبة على الظروف التي سيعملون بها في المستقبل ، وتحببهم في العمل الحر حتى لا تنتصرف هممهم إلى طلب الوظائف الحكومية والقنوع بمجالها الضيق المحدود .
ورجال الإصلاح السياسى يشكون حرص المدارس على إبعاد تلاميذهم عن الاشتغال بالمشاكل التى نواجه بلادهم وتحرجها من الخوض في الموضوعات السياسية ، مما جعل طلبتها يتلقفون معلوماتهم فيها من طرق خاطئة وينتحون في تفكيرهم السياسى ناحية حزبية متعصبة . وهم يودون ان تكون المدرسة دار حرية وسلام تناقش فيها المسائل العامة مناقشة موضوعية هادئة ، توسع معلومات التلاميذ وتوجههم توجيها قوميا ، ويربى فيها الطلبة تربية وطنية ديمقراطية . وتنظم لهم جماعات يمارسون فيها الانتخابات ويضطلعون فيها بالمسئوليات ويدربون فيها على تبادل الآراء واحترام الحريات ، ويعود فيها الفرد تقبل رأي الجماعة ولو خالف رأيه ؛ وبذلك تكون الحياة المدرسية تمهيدا صحيحا لحياة ديمقراطية سليمة تؤدى فيها الواجبات وتمارس فيها الحقوق ونحترم فيها الحريات على أكل صورة .
ورجال التعليم يشكون اضطراب الإدارة التعليمية وسرعة التغيير والتبديل في أنظمتها ، بحيث أصبح كل عهد جديد نذيرا بتشكيل جديد تتغير فيه أقسام الوزارة وتتعدل الاختصاصات ويتبدل فيه الاشخاص . وهم لا ينفرون من التجديد ، ولكنهم يرجون ألا يلجأ إليه إلا لضرورة واضحة ، ويتمنون ان تستقر الأمور في وزارة المعارف علي وضع واحد فترة كافية من الزمن يمكن القائمين على الأهمال من مواصلة سياستهم فيها بلا تغافل . ويشكون انسياق الحكومات وراء الرغبة العامة في التوسع قبل ان تبدله العدة اللازمة من المدرسين والأما كر والأثاث والأدوات .
ويرون أن الجرى على هذه الخطة قد أضعف التعليم وصعب على القائمين عليه أداء مهمتهم . ويرون أن الأمر قد أصبح يتطلب وضع سياسة بعيدة المدى للتوسع تنفذ بدقة بحيث يسبق إنشاء المدارس إنشاء مدارس لتخريج المعلمين اللازمين لها وبناء الآما كن التى ستشغلها وإعداد الأثاث والأدوات اللازمة لها ، ويشكون الإقدام على مشروعات تعليمية واسعة قبل ان تدرس الدراسة الفنية الواقية ونوضع موضع التجربة على نطاق ضيق قبل تعميمها ، ويطالبون بإنشاء مراكز تجريبية متعددة بعهد في الإشراف عليها لرجال واسعى الخبرة والإدراك ، ونترك لهم الحرية الكاملة فى القيام بتجاربهم ، وتدرس مراحل التجربة ونتائجها بعناية ويستفاد منها بتعميم ما ثبت نجاحه.
هذه مواضع الشكوى نستطيع إجمالها في نقط محدودة ، هي : قلة عدد المدارس وعجزها عن الاتساع لقبول طلاب للتعليم ، سوء نتائج الامتحانات ، ضعف الناحية الاجتماعية في الدارس : عليه الأتجاه النظري وضعف الروح العملي في التعليم . إهمال التربية الوطنية والتوجيه القوي في المدارس . اضطراب الإدارة التعليمية وسرعة التغيير في انظمتها الجري على سياسة التوسع قبل توفير مقتضياته التعليمية والبدء بمشروعات تعليمية واسعة قبل وضعها موضع التجربة . ومن الإنصاف لوزارة المعارف أن نوضح موقفها من كل مسألة من هذه المسائل.
فأما قلة عدد المدارس فالحق أنها مشكلة معقدة نشأت عن إهمال وضع سياسة ثابتة للتوسع في السنوات الماضية ، وزاد في تعقيدها ان الرغبة العامة في التعلم قد استيقظت في السنوات الأخيرة ، وهي حنو الحرب ، بصورة واضحة ، ومن المعلوم أن سنى الحرب كانت فترة وقف فيها البناء والتعمير وتعطل فيها إرسال المبعوثين للخارج ، وهم الذين يقولون التعليم في الجامعتين وفي معاهد التعليم ، فقل بذلك تخريج المسلمين .
على أن وزارة العارف فى عهودها المختلفة بذلت كل ما يستطاع لمواجهة هذه المشكلة ؛ فهى قد استخدمت أماكن مدارسها لأقصى ما تستطيع احتماله ، على الرغم مما أحسته من مخالفة ذلك للتربية الصحيحة ، ولكنها الضرورة الجأنها لاحتمال هذا الإجراء توسعة على التلاميذ وتمكينا لهم من التعلم . واستولت على مبان خاصة لاستعمالها فى أغراض التعليم ، وتوسعت في ذلك فى السنتين الأخيرتين توسعا كبيرا على الرغم من عدم ملاءمة تلك الأماكن لحاجات للتعليم ، ولكنها أقدمت على ذلك مؤقتا سدا لحاجة ملحة . واستطاعت بذلك ، ومما بذلته للتعليم الحر إعانات سخية ليتوسع في قبول التلاميذ بمعاهده ، أن تحقق رغبات الكثيرين وألا نقف مجلة التقدم والتوسع في التعليم بسبب نقص أماكنه ومعداته . والمفهوم أنها بسبيل الشروع في بناء أماكن كثيرة لتكون مدارس بمختلف جهات النظر ، وكل ما نرجوه أن تضع لذلك خطة تنفذ كل عام بدقة وأن تعهد في عملية البناء للهيئات المحلية وأن تحرر هذه الحركة من قيود " الروتين " الحكومى المليئ المعقد.
لقد نجحت مجالس الديريات في إنشاء كثير من المدارس بالأقاليم ، وهذه المدارس التي تديرها الوزارة الآن قد تكون افضل مباني معاهدها وأرقاها بأغراض التعليم والمعروف أنها بنيت بنفقات اقل مما تبنى به الحكومة مؤسساتها وفي زمن أسرع مما تتم فيه الحكومة أمثالها ، فلم لا يعهد لتلك المجالس وإلى المجالس البلدية والمحلية بتلك المهمة تستخدم فيها وسائلها المحلية الرخيصة السريعة ؟ وقد توفق لإنجاز بعض أعمالها عن طريق التبرع .
أما توفير المعلمين فقد خطت الوزارة خطوات موفقة في سبيله ، فأنشأت معاهد كثيرة لمعلمى التعليم الابتدائى ، وزادت مدارس المعلمين الأولية ومدارس المعلمات ، وأنشأت هذا العام مدرسة المعملين العليا ، ولكننا كلما تصورنا الملايين الباقية من ابنائنا بغير تعلم أحسسنا أن هذه
الخطوات النافعة غير كافية لسد حاجاتنا الكثيرة ، ولهذا نرجو التوسع فى إنشاء معاهد المعلمين والمعلمات ولاسيما المدارس التى تكفل تخريج نوع محتمل الآجر في أقصر وقت .
أما سوء نتأئج الامتحانات فقد يكون اكتظاظ المدارس والفصول بالتلاميذ وما تبع التوسع فى التعليم من هبوط فى مستوى كفايات المعلمين الذين اقتضت الضرورة تعيينهم ، من أهم العوامل فيه ولكن الأمر مع هذا من الخطر بحيث ألفت الوزارة هيئة ناطت بها دراسة الامتحانات وأسباب سوء النتائج ، ونرجو ان تسخر أبحاثها عن توصيات مفيدة في ذلك . ونعتقد أن المشكلة لا تتأثر بعامل واحد ، بل هى نتيجة لتفاعل كثير من الاعتبارات نتناول النامية والمعلم والمنهج والنظام المدرسى ، ونظام الامتحانات وأسئلتها وطريقة تصحيحها.
أما ضعف الروح الاجتماعى والتربية الوطنية فإن الوزارة تحاول علاجه عن طريق التأمين الاجتماعى وتنظيم أوقات فراغ الشباب وتكميل الجهود المدرسية بجهود تثقيفية خارجية عن طريق السينما والإذاعة والرحلات ، وهى جادة في العناية بهذا الجانب من حياة الطلبة ، ونرجو أن تكون لجهودها ثمرة ظاهرة قريبة.
وتحاول الوزارة تحقيق العناية بالجانب العملى من طريق التعديلات التى أدخلتها في مراحل التعليم ، بمزج التعليم المهنى بالتعليم النظرى وبترقية المدارس الفنية وتوسيعها ؛ ومشروعاتها في صنع التعليم في كل أدواره بالصيغة العملية قد تكون أظهر مميزات اتجاهها الجديد في السياسة التعليمية .
أما اضطراب الإدارة التعليمية وسرعة التغير والتبدل في الأنظمة فيعزى إلي أن المرحلة الحاضرة في التعليم مرحلة انتقال لم تتبلور فيها السياسة التعليمية الجديدة التى وضع المجلس الأعلى للتعليم أسسها . ومن الطبيعي في مثل هذا الدور الذى تواجه فيه الوزارة بتبعات واسعة جديدة ان تثير وتبدل في ترتيب ينها بما يتلاءم مع هذه المسئوليات . على أنها لا يد متنهية إلي وضع تستقر عنده .
