في هذا الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن السودان بمناسبة المفاوضات التى تجري الآن بين مصر وبريطانيا ، يجدر أن نتناول الأحداث السياسية التي مر بها السودان منذ أن أبرمت المعاهدة المصرية البريطانية في أغسطس سنة ١٩٣٦ ، والتي تمخضت عن الحالة الراهنة فيه .
مضي على السودان حين من الدهر لم تسمح إدارة السودان لأهله وذوي الرأي منهم بممارسة السياسة واقتفاء آثار العالم الخارجي فيما يأخذ من ألوان الحضارة والمدنية . ولقد ضرب حول السودان بسور من حديد حتى لا يحدق عينه إلى ما يهدد نفوذ هذه الإدارة وسلطاتها ، وظلت الحال على هذا النحو إلى أن أبرمت المعاهدة المصرية الإنجليزية في ٢٦ أغسطس سنة ١٩٣٦ ؛ فأخذ السودانيون يقلبون بنودها وينقبون في نصوصها ويتناولون ما جاء فيها عن السودان بالبحث الدقيق والدرس العميق ، حتى إذا كانت ندوة ذات مساء بنادي الخريجين بأم درمان انتظم فيها كبار الخريجين في كلية غردون ومفكريهم تبنت فكرة
تكوين مؤتمر يضم هؤلاء الخريجين ويعبر عن آرائهم وأفكارهم في كل ما يتصل بشئون البلاد سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ، فنم ذلك في سنة ١٩٣٧ .
منذ ذلك التاريخ والوعي السياسي ينمو ويزدهر حتى أصبح المؤتمر معقد آمال السودانيين قاطبة ، وقد بدأ حياته الأولى بالاهتمام بالشئون العامة ، كالعمل على نشر التعليم والدعاية الصحية وكل ما يتصل بالمرافق العامة . ولقد أبلي المؤتمر بلاء حسنا في نشر التعليم وإنشاء المدارس ؛ فأوجد يوم التعليم الذي انهالت عليه فيه التبرعات من كل حدب وصوب من السودانيين والمصريين على السواء ، وبذلك تمكن من أن يخطو بالعلم والتعليم خطوات واسعة ضاقت عنها إدارة السودان من قبل .
ما كاد المؤتمر يستوي على سوقه حتى أخذ يفكر فيما حوله من الأحداث ، وما قدم السودان من تضحيات في الحرب الأخيرة التى اشترك في ميادينها المختلفة ، وما ساهمت به قوة
دفاع السودان من مجهود حربي انتهى بهزيمة الإيطاليين في أريتريا - كان كل ذلك حافزا للمؤتمر أن يتقدم بمذكرة إلى الحاكم العام سنة ١٩٤٢ تضمنت عدة مطالب منها ما يتناول الإصلاح الداخلي ، ومنها ما يتناول نظام الحكم الثنائي الذي ترزح تحت أعبائه البلاد منذ زمن بعيد .
لقد كان أهم ما جاء في هذه المذكرة ؛ هو مطالبة الحاكم العام بالاتصال بدولتي الحكم الثناني للاعتراف للسودانيين بحق تقرير المصير .
وفي الحق أن إدارة السودان تطلعت إلي المؤتمر كى يعينها على تدعيم سياستها وتحقيق مآربها ، إلا أنها لم تجد فيه ضالتها المنشودة ، فلما استونفت من ذلك ، عمدت إلي إنشاء المجلس الاستشاري في سنة ١٩٤٣ وعينت أعضاءه من أنصارها والداعين لسياستها ، وجعلت رياسته للحاكم العام على أن يحل محله السكرتير الإداري عند غيبته .
ومما يثير العجب أن إدارة السودان كانت تدعي أن هذا المجلس يمثل سكان البلاد جميعا تمثيلا صحيحا ، مع أنها حرصت على ألا يضم أحدا من أهل الجنوب . ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرين من قادة السودانيين أحجموا عن الاشتراك في المجلس الاستشاري مما أوحي إلى إدارة السودان أنها لن تستطيع أن تحقق أهدافها عن طريقه ؛ وفي الوقت نفسه شعر السودانيون بما يراد بهم فبدأوا يفكرون في توحيد صفوفهم والعمل على تكوين جهة قوية تقف في وجه هذا المجلس ، فتكون حزب الاشقاء الذي ينادي بوحدة الوادي تحت التاج المصري مع الاستقلال الداخلي ؛ ثم أعقب ذلك قيام أحزاب أخري أهمها حزب وحدة وادي النيل الذي يمتاز بمبادئه ويهدف إلى تحقيق الوحدة دون قيد أو شرط ، ولعل الظروف تعمل على أن يمد حزب الأشقاء بدء إلي حزب وحدة وادي النيل كي
يتعاونا جنبا إلى جنب لتحقيق الوحدة الصحيحة البعيدة عن كل زيف أو تضليل .
وفي السودان الآن أحزاب كثيرة ذات أغراض متباينة ! وأهمها حزب الاستقلال وحزب الاتحاد وحزب الأمة وغيرها ، وتظاهر إدارة السودان حزب الأمة وتقدم له العون ، ذلك لأنها تتخذ منه عضدا في تنفيذ سياستها المرسومة في تحقيق ما نسميه بالاستقلال الذاتي .
ولقد توالت على السودان أحداث داخلية جعلت إدارته تتبين أن المجلس الاستشاري لا يسعفها في تحقيق أغراضها فعمدت إلى إنشاء الجمعية التشريعية ، وقد تم إنشاؤها في سنة ١٩٤٨ .
يعتبر إنشاء الجمعية التشريعية بدء مرحلة جديدة في تاريخ السودان ، إذ أصبح فيه نوع من الحكم في ظاهره النظم الدستورية المعروفة ؛ ولكنه في الواقع يسير على السياسة التى يتعهدها الحاكم العام ، ولذلك لم يكن غريبا أن يقاطعها أصحاب الرأي من السودانيين ، وأن يعلنوا سخطهم عليها ، ومحاربتهم لها ، حتى إنها افتتحت في يوم أعدت له إدارة السودان عدتها من الحديد والنار ، ولكن ذلك لم يئن السودانين عن إظهار ما تكنه نفوسهم نحوها ، الأمر الذي أدى إلى سفك دم الكثيرين منهم وزج البعض في السجون وتشريد البعض الآخر .
ولقد تمخضت الجمعية التشريعية عن تعيين وزراء من السودانيين . وإذا عرفنا أن الحاكم العام يعاونه ثلاثة من السكرتارين الإنجليز ، هم السكرتير الإداري ، والسكرتير القضائي ، والسكرتير المالي ، الذين لهم سلطة تفوق ما للوزراء في البلاد الأخرى ، لتبين لنا الغرض الذي من أجله أنشئت مناصب الوزراء في السودان ، أهو مصلحة البلاد ، أم أن ذلك تنفيذ للبرنامج الذي تسير عليه الإدارة هناك .

