الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640الرجوع إلى "الثقافة"

ماذا نعرف عن السودان

Share

" إن التأمل في خريطة وادي النيل يأخذه العجب للشبه القائم بينه وبين شجرة النخيل الباسقة ؛ فأرض الدلتا بخصبها وخضرتها تنتشر عند قمة الوادي كما ينتشر جريد النخل وسعه في رشاقة نادرة ، وقد ينطوي الجذع إذ ينحني النيل أنحناءه واسعة حينما يجري في أرض السودان ، ولكن الشبه يعود دقيقا كاملا جنوب الخرطوم ، ثم تبدأ جذور الشجرة تتوغل في عمق . وليس هناك صورة أصدق من هذه الصورة لذلك الرباط الوثيق ، رباط التعاطف بين مصر والمديريات الجنوبية ، فالماء وهو حياة الدلتا يهبط متدفقا في مجري النيل كما تتدفق العصارة في ساقي الشجرة لتؤتى ثمرها رطبا جنيا - وإذا كانت منفعة مصر واضحة جلية فهي ليست وقفا عليها وحدها - ذلك لأن الرابط بين مصر والسودان مزايا متبادلة ، فالسودان بحكم الطبيعة والعوامل الجغرافية جزء من مصر ، وليس حاجة السودان لمصر أقل شأنا من هذا كي يتسني له التقدم والنهوض ، إذ لا خير في الجذور الطيبة إذا فصلت الساق التي لا يتهيأ مظهر الحياة إلا بها " .

ذلكم ما قاله ونستون شرشل السياسي الهرم في كتابه حرب النهر .

والسودان يشغل نحوا من مليون ميل مربع من الأراضي الشاسعة تقع بين خطي العرض ٥ و ٢٢ وهذه المساحة التي تنعم وادي النيل بوجد بها من السكان ما يقرب من عشرة ملايين نسمة أو يزيد ، ويجب أن نذكر أنه لم يعمل إحصاء رسمي في السودان حتى الآن على غرار الإحصاءات الدقيقة التي تجري في البلاد الأخرى مما كان سببا في اختلاف الآراء في حقيقة عدد سكان هذا الجزء من وادى النيل . ولقد كانت الطبيعة خيرة منذ القدم على السودان إذ حيته بعوامل لم تجد مثلها على كثير من البلدان الآخري، فالأرض خصبة خصبا فريدا في نوعه ، والنيل يجري في أرجائها ، والأمطار تهطل مدرارا في كثير من أناحئها وعلى اختلاف فصول السنة ؛ لذلك كانت الزراعة العنصر الأول الذي تقوم

عليه ثروة البلاد .

وأهم ما تجدر الإشارة إليه مشروع الجزيرة بين النيل الأزرق والنيل الابيض وتبلغ مساحته خمسة ملايين فدان تقريبا يزرع منها حاليا ما يقرب من الـ ٨٠٠,٠٠٠ فدان تمتد محاذية للنيل الأزرق ، ويستغل منها في زراعة القطن ٣٠٠,٠٠٠ فدان سنويا تقريبا . وعلى ذكر مشروع الجزيرة الذي يمتد على هيئة مثلث من الأراضي الخصبة رأسه عند الخرطوم وضلعاه النيل الأزرق في والنيل الأبيض ، وقاعدته تمتد بين كوستي وسنار - يجب ألا ننسي أن النقابة الزراعية السودانية  PLantation Syndicate  SUDUN هي التي قامت باستغلاله وزراعته منذ زمن بعيد ، وليس أدل علي اهتمام الإنجليز بهذا المشروع نظرا لما يدره عليهم من خير ، من أنه في سنة ١٩٣٠ انتاب هذه النقابة إعصار مالي كاد يودي بها لولا أن قام رجال من الإنجليز للعمل على توفير المال اللازم لها ؟ ومما يؤسف له أن مصر لم تفطن إلي أهمية هذا المشروع فتبادر إلي المساهمة فيه برءوس أموالها ، وكان من جراء ذلك أن استعادت هذه النقابة نشاطها مرة اخري وعملت على تدعيم الاستعمار الاقتصادي في السودان برءوس أموال انكليزية بحتة ؛ وقد تقرر في سنة ١٩٤٤ أن تصفي هذه النقابة أعمالها على أن يتم ذلك نهائيا في سنة ١٩٥٠ ، وذلك بعد أن أظهر السودانيون تذمرهم من هذه النقابة وقيام حركة فكرية حديثة ترمي إلي مهاجمة هذه النقابة . وستعود لمشروع الجزيرة ببحث خاص نظرا لأهميته.

يخطئ من يظن أن أرض الجزيرة لا يماثلها في الخصب أراض أخرى في السودان ، فهنالك مناطق كثيرة تشابهها في الخصب وجودة التربة كالمنطقة الواقعة بين النيل الأزرق ونهر عطبرة وغيرها من المناطق المبعثرة في أرجاء البلاد . ومما هو جدير بالذكر أن تلك المنطقة الواقعة بين النيل الأزرق ونهر عطبرة لم تولها الإدارة هناك اهتماما كي تستغل استغلالا زراعيا بالمعني الصحيح ؛ ولعل العامل الأول في ذلك هو

حرص إدارة السودان على أن تترك الأمور تجري على ما هي عليه الآن دون أن تلفت الأنظار إلي أهمية المناطق من الناحية الزراعية والاقتصادية إلى أن يتقرر نهائيا الوضع السياسي للسودان .

من كل ذلك يتبين أن الزراعة هي عماد الثروة ؛ وأهم الحاصلات الزراعية هو القطن الذي يزرع في مناطق أخرى غير الجزيرة بمنطقة خور الجاش وخور بركة وطوكر ، كما أن من أهم الحاصلات الصمغ العربي والسمسم والأذرة والفاصوليا واللوبيا . ويصدر السودان الجزء الاكبر من القطن إلي انجلترا ، أما الحاصلات الاخري فإن السودانيين يولون بها وجوههم شطر مصر وغيرها من البلاد العربية الآخري . أما الثروة الحيوانية فيصدر جزء كبير منها إلى مصر .

والسودان صناعات بدائية كصناعة الدمورية واللحوم المجففة وبعض المصنوعات الجلدية وسن الفيل وريش النعام .

أما من الناحية الاجتماعية فقد حكم الإنجليز السودان أكثر من ٥٠ عاما ومع ذلك لا يزال الحياة بدائية في كثير من الأرجاء والمناطق . مما جعل البلاد متأخرة عن السير في

ركب الحضارة . ولقد عملت إدارة السودان على شطر البلاد شطرين : السودان الشمالي والسودان الجنوبي ؛ بل أكثر من هذا فانها عملت على وجود مناطق في الجنوب حرام على السودانيين من أهل الشمال زيارتها أو الدخول فيها ، وما أكثر التعلات والأسباب التي يبررون بها تصرفهم هذا ؟ فهم يقولون إن أهل الجنوب لا يزالون على الفطرة وليس من الصواب أو الرأي أن يتصلوا بأهليهم وذويهم في الشمال . وفي الحقيقة أن أهل الجنوب لم يرضوا بما وصفتهم به هذه الإدارة وأظهروا كما أظهر أهل الشمال سواء بسواء امتعاضهم من ذلك وعملوا جاهدين على أن يحطموا هذه الأغلال التى تلتف حول أعناقهم . ومنذ عهد قريب اشترك أهل الجنوب فيما يسعي بالجمعية التشريعية بالخرطوم وأصبح لهم صوت فيها يعبرون به عن ارائهم ويدافعون عن مصالحهم . وهم يبدون آراءهم في حرية وصراحة ، لا ينافقون ولا يداهنون ولا يتأثرون في ذلك برهبة سلطان أو حسب أو جاه .

اشترك في نشرتنا البريدية