إن حظ المصاب بالسرطان مرعون باللحظة التي يتخير فيها أن يعالج . فكم منهم من كتب له الشفاء منه لأنه وفق لان يجري عملية او يعالج بالإشعاع في الوقت المناسب . ولكن أكثرهم يدركهم الموت لأنهم تباطئوا في علاجه ، وبدءوا به في وقت متأخر . فالمسألة العملية في كفاح هذا الداء الذي عم انتشاره ، هو التشخيص المبكر والعلاج المبكر
وحسبك لتقدير خطر هذا المرض المستعصى أن تعلم أن ضحاياه في العالم يبلغون نحو مليونين نصف مليون سنويا ، وهو في البلاد المتمدينة أشد فتكا من السل والأمراض المعدية معا ، والصابون بالسرطان الذين يعيشون ، ويبطي بهم الأجل ، أكثر مما يمكن استخلاصه من الاحصاءات . ودل الارقام الاخيرة على ان سكان بريطانيا العظمي في الوقت الحاضر من بينهم ستة ملايين ونصف مليون قضي عليهم أن يموتوا بالسرطان .
وقد وفق البحث التجريبي والكلينيكي الحديث لتبين بعض العوامل التي تسبب كثيرا من أنواع السرطان . وبذلك مهد السبيل للوقاية منه . فمثلا السرطان المهني الناشئ عن ممارسة مهنة أو حرفة خاصة ! اكبر اسبابه حدوث التهابات خفيفة تتوالي وتزمن وتستحيل على مر الأيام سرطانا ؛ ولا شك ان مثل هذه الحالات من الممكن تداركها واتخاذ إجراءآت للوقاية منها . ومن امثلة النمو البطئ السرطان " سرطان الهباب " الذي وصفه برسيفال بوت سنة ١٧٧٥ . ففي ذلك الوقت كان الاطفال في سن الخامسة يستخدمون في تنظيف المداخن ، وقد كانوا يشكون من التهابات جلدية حادة تكمن في اجسامهم ما بين العشرين عاما والثلاثين عاما ، ثم تصير أوراما خبيثة سرطانية لاشك فيها وقد أمكن بقانون حماية الأطفال أن يؤخر
بدء استخدام الأطفال في تنظيف الداخل وغيره من الأعمال إلي ما بعد سن السادسة عشرة ، وبذلك تأخر موعد ظهور سرطان الهباب في منقافى المداخن إلي ما بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين ؛ ثم ابتكر المبتكرون نماذج جديدة من المداخن ووسائل جديدة لتنظيفها وفطن الناس إلي قيمة النظافة الشخصية ، وبذلك كاد هذا النوع من السرطان أن يختفي نهائيا .
ويشبه هذا " سرطان الرونتجن " الذي كان يصاب به كثير من الأطباء والعلماء والمساعدين الذين كانوا يشتغلون بالتجربة بتلك الأشعة في أول ! اكتشافها قبل ان تعرف خصائصها البيولوجية ، ويعرضون انفسهم لها سنين طويلة من غير وسائل وقائية فعالة ، فقد كانت تبدو عليهم بعد فترة كون تتراوح بين اربع سنوات وعشرين سنة التهابات وتورمات تستحيل إلي اورام جلدية سرطانية . وقد قتلت هذه الأورام اكثر من مائتي شخص بين سن الخامسة والثلاثين والخمسين ، ولكن الابتكارات الوقائية المتنوعة كفلت الاحتياط ضد نشوء هذا النوع من السرطان .
ومن هذا يبين ان السرطان المهني ينشأ نشاة عادية في ظروف طبيعية ، ثم يتطور علي الأيام حتى ينقلب سرطانا عصي العلاج ، ويتميز الطور الأول من أطوار نشأته بحدوث تهيج او التهاب خفيف مؤلم ، يتكرر يوما بعد يوم ويهمل امره ويطول إهماله سنين طويلة فيحدث اضرارا ثابتة في أنسجة الجسم .
والكفاح ضد السرطان يجب أن يوجه أولا ضد العوامل التي من شأنها إضعاف قوة المقاومة في الجسم ، كالتسمم الحاد بالخمر والدخان والزرنيخ ، ويجب ان يوجه بخاصة ضد الزهري الذي لوحظ وجوده في عشرة في المائة من حالات الإصابة بالسرطان . وفي سرطان الفم ثبت وجود إصابة بالزهري في نحو ٦٠ إلي ٨٠ في المائة من الحالات ، ولا سيما لدى مدمنى التدخين . وهكذا دل البحث
في أسباب سرطان الفم على بعض الوسائل التي يمكن اتخاذها للوقاية منه ، وهي مكافحة الامراض الزهرية وعدم الأفراط في التدخين ، والاعتدال في شرب الخمر يلاحظ كثرة حالات سرطان الشفة بين مدخني قصبة التبغ أو البيبة .
وهذه العوامل الثلاثة ؛ الزهري والدخان والخمر تفسر شيوع السرطان في اجزاء معينة في الجسم في حالات المصابين به من الرجال ففيما بين سنة ١٩١١ وسنة ١٩٢٠ مات من سرطان الشفة ٢٣٦١ رجلا مقابل ١٨٠ امرأة ، ومن سرطان اللسان ١٠١١٤ رجلا مقابل ١٠١٩ امراه في إنجلترا وحدها ؛ وسرطان المثانة والرئة يبلغ في الرجال نحو ثلاثة امثاله في النساء وعلي عكس ذلك نجد سرطان الصدر يكاد يكون خاصا بالنساء وحدهن . وهنا ايضا لا نعسر مقاومة العوامل الأولية التي تسببه ؛ فكم حدث ان مجرد طفح جلدي في حلمة الثدي او تورم او التهاب في الثدي ، كما يحدث لكثير من غير المتزوجات ، يتطور بالأهمال إلي سرطان ؛ ولو بادر المصابون في أول ظهور تلك الحالات لعلاجها لقل سرطان الثدي قلة واضحة
ويتضح من الإحصات الانجليزية ان الوفيات بالسرطان تختلف بإختلاف المهن ، ففيما بين سنة ١٩٢١ و ١٩٢٣ بلغت نسبة الوفيات به ٦٨ للنفس مقابل ١٠٢ للأطباء و ١٥٩ لعمال الدخان و ١٧٩ لمعدني الصفيح والنحاس و ١٨٠ للمشتغلين بالتخمير و ٢١٢ لغزالي القطن و ٢٣٠ لخدم المطاعم و ٢٣١ لخدم البارات ؛ ويتعرض ارباب كل مهنة لان يصابوا بالسرطان في اجزاء خاصة من الجسم تبعا للعوامل التي يتعرضون لها .
فالمشتغلون بالصناعات الآتية معرضون لسرطان الجلد : الفحم وغاز الاستصباح وزيوت التلميع والزفت والقطران والأفران وغزل القطن ومصانع الزرنيخ ومصانع النحاس والصفيح وكذلك الفلاحون والسماكون ولا سيما في الجهات الحارة كوادي النيل
وسرطان الرئة آخذ بلا شك في الازدياد ؛ ففي الأعوام
الخمسة والعشرين الأخيرة زاد من ٤,٣٤ في المائة من كل حالات السرطان إلي ١٣ في المائة ؛ ويظن أن هذه الزيادة ناشئة من الاشتغال في غبار الطرق القطرية ، وفي " جاراجات " السيارات وفي الغبار المتصاعد من طحن المعادن ، وفي المصانع الممتلئة بالدخان والمصانع المشتغلة بتجهيز الغازات للأغراض الحربية ، وتنظيف الهواء إذا لا يقل أهمية عن العناية بتنظيف الماء .
وقد ينشأ سرطان المعدة من حدوث حروق فيها بسبب أكل بطعام أو شرب شراب وهو مرتفع الحرارة كثيرا ؛ فسرطان الطباخين اكثر ما يكون من تذوقهم ألوان الطعام وهي ساخنة ؛ ويكثر في الصين مثل هذا السرطان بسبب ابتلاعهم الارز الملتهب . والمعدة شديدة الحساسية لكل تهييج ميكانيكي أو حراري أو كيمياوي . ومن الملاحظ أنه في الأوقات التي تسوء فيها التغذية كما في أيام الحروب تقل كثيرا حالات سرطان المعدة .
إن السر في التغلب على السرطان هو في تناول المرض قبل أن يثبت قدمه في الجسم ؛ ولهذا السبب كان من الواجب على كل إنسان - وخاصة من تعرضهم مهنتهم أو سنهم للأصابة به - ان يفحصوا انفسهم من ان لأن . إن الشأن في السرطان - فوق كل الأمراض المنتشرة هو ان الفحص الوقائي خير من كل محاولة للعلاج

