الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الثقافة"

مارى باشكيرستف

Share

كانت حياتها على هذه الأرض قصيرة ، مثل أعذب أحلام الحياة ، فقد انقضي عمرها كما ينقضي عمر الورود . ولدت في أكتور سنة ١٨٦٠ ، وتوفيت في الحادي والثلاثين من أكتوبر سنة ١٨٨٤ .

وكانت بيضاء اللون ، شقراء الشعر ، مرتفعة عظام الخدين ، فارغة الوجنتين ، قصيرة الأنف ، رقيقة الشفتين ، عميقة النظرات ، لها عينان تسطعان كعبي المحموم .

وهي حقيقة الجنرال غريغور يفنش باشكيرستف ، وكانت من جلسة أبطال سباستويول . قرأت أرسطو ، وأفلاطون ، رداني ، وشكسبير ، وهي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها ، وحفظت " هوراس ، وقرأته من

ظهر قلبها . وكان إعجابها لا ينقضي بشعر " هومير " ، وقد قالت فيه : " لا يستطيع أحد أن ينفلت من عبادة الأقدمين ، فلم تترك لي مأساة مدينة ، ولا قصة طريقة مما كتبه دوماس ، أودبجه براع جورح ساند العزيزة ، مثل الأثر العميق الذي تركه في نفسى وصف الاستيلاء على طروادة ؛ حتى كان يخيل إلي أنى أشهد الفظائع ، وأسمع العويل والصياح ، وأري النار تلتهم تلك البلاد " .

وكانت ذاكرتها مستودع الكتب والروايات على اختلاف أنواعها ، ولذلك كانت هي واسعة الاطلاع ، غزيرة المادة ، ينتقش في صفحة ذهنها ما استفرغته من أوعية شتى ، ويرتسم على لوح حافظنها ما وعته من مختلف الكتب والروايات ، وقد شغفت بالسياحة والتنقل ، فكانت تطوي المراحل وتجوب الأمتار ، وتنظم حاشيني البر والبحر ،

في رومه ، وباريس ، وفينه ، وبرلين ، وبرج( إذ ذاك ) دون أن تستطيع التملص من الضجر الذي برمت به ، واستحوذ على حياتها الفنية ، وجعلها مريرة المذاق خاوية الوفاض ؛ ومما يؤثر عنها قولها : كل ما ليس ألما  في هذا الوجود فهو مخيف ، وكل ما ليس سخيفا فهو اليم " !! ومع ذلك فقد كانت شديدة التعلق بالحياة ، وتقول : " إنى أحب الحياة وأستسيغ كل شئ فيها حتى الدموع وحتي الألم " !

وقد قصرت نفسها علي التصوير ، واستنزفت أيامها في معاناته ، وأخلت له ذرعها منذ ستة ١٨٧٧ ، فجعلته مراد أمانيها وحديث أحلامها ، وسلكت كل سبيل إلي مبلغات النجح فيه ؛ وقد خلفت طائفة من الرسوم والنقوش وكأنها قطع من جمال الطبيعة وجلال الحياة ، تريد أن ينفذا إلي حياة الناس ليزدادوا بالحياة إحساسا وبالطبيعة استفادة ، وإذا المعاني العليا والفضائل السامية في صورها تجملها وحيا إليها ، وإن كان قد وقع من قبل لجميع الرسامين . وقد أصببت بالصمم في تلك الأثناء ، واشتد عليها مرض السل الذي أودي بحياتها في النهاية ، وقد كتبت تقول : " لم يخلفنا لنتألم ، وإذا كان هو الذي خلقنا ، فلم خلق معنا المكاره والأفات والبلايا ؟ إني لن إبرأ من دائى العضال ، وسيبقى بينى وبين العالم حجاب دائم ، فلا أسمع حفيف الريح ، ولا تساقط المياه الصافية ، ولا خرير الغدران العذبة ، ولا قطرات المطر على الزجاج ، ولا رنين العبارات التي يذيعها الهمس " !

ثم شعرت بأن الداء يتأكل رئتيها ، فصاحت وهي تتحرق  قائلة : " حبذا لو أمكن أن أعيش عشر سنوات أخري ، لأنه إذا أتيح لي أن أحيا إلي الثلاثين من عمري ، فإني أكون قد حييت إلي الأبد " .

وإذا كانت الحياة تفر منها كان ولعها بها يعظم ويريو ،

فالفنون والموسيقي ، والتصوير ، والكتب ، والناس ، والترف ، والنعمة ، والصمت ، والحزن ، والأسي ، والحب ، والشمس ، وفصول السنة الأربعة ، وسهول روسيا ، وجبال نايلي ، والثلوج ، والمطر ، والنجوم كل ذلك كانت تحبه غاية الحب ، وتعجب به ، حتى الموت عينه كانت تهواه ، مع أنها قد تهيبئه .....

ولما عارض المرض أطماعها باليأس ، وكشف لها برق مناها عن سحاب خلب ، وشؤ إليها وجوه أمالها ، وعاينت الحقيقة وجها لوجه ، قالت : " سأدخل غدا ، وأغيب في جوف الثري ، وتغيب معي كل آمالي وأماني وأنا لا أعدو الرابعة والعشرين من عمري " !!

وفي يوم ملأ الضباب جوه ، لفظت أنفاسها الاخيرة ، وكان موتها أشبه شيء بآخر ما جرت به ريشتها قبل وفاتها بقليل .

وكانت لها يوميات رائعة ، قال الكاتب الفرنسي أناتول فرانس في وصفها : " إن الذي يقرأ يوميات ماري باشكير ستف ، يخيل إليه أن نفسها الكبيرة لا تزال حية ، وأن طيفها يسير متنقلا بين شعورها وهو ينوء بأفدح الامال " : ولاعجب أن كانت قدرت رزحت تحت أعباء الأماني المحطمة ، وأتقال الأحلام غير المحققة ، لأن الأماني الضائعة والأحلام الزائلة لا تموت ، ولكنها تكمن في قرارة النفس ، ولا يستطيع صاحبها أن يتخلى عنها أو يجحدها ، بل يستبقيها ويتألم في سبيلها . . وكانت في ألمها مستبسلة ، ولأمانيها وفية ، لأنها كانت تبغي القيام بجلائل الأعمال في عالم الله الوسيع ، عالمة أنه كلما اشتغل العقل ، ولهج القلب بما في هذا الكون من الأمور النبيلة الجليلة ، قلت أثرة الإنسان ، وعظمت غبطته ، مهما يعرض لنا من المتاعب والهموم ، والنوائب والسقام ، في هذه الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية