( رسول الحرية إلى قومه ، المجاهد الذى أبلى فى جهاده مثل بلاء الأنبياء)
عول مازينى على استغلال هذا الحادث ليلفت الأنظار إلى حركته وأخذ ينشر الأحاديث عما يجب أن تسلكه الحكومة البريطانية تجاه الحركات القومية فى القارة ؛ وتزايد
عدد محبيه فى العاصمة الإنجليزية ، وسعى كثير من ذوى المكانة والرأى إلى رؤيته ؛ وكان الإنجليز يعجبون بمرأى هذا الزعيم الغريب فى ملابسه السوداء ويرونه بمظهره وبما يرتسم على وجهه من سمات الصبر والعزيمة ، ومن أمارات التعب وأثر الفاقة أقرب إلى القديسين منه إلى رجال السياسة .
وكان مازينى فضلا عن اهتمامه بمسألة إيطاليا لا يفتأ يتصل بكثير من ذوى الافكار الحرة فى أنحاء القارة ، يريد بذلك أن يزيد شعور القومية والحرية فى أوربا نماء وانتشارا ، ليكون من حياته حربا متصلة على الرجعية والاستبداد الغاشم ؛ ولذلك يعد مازينى إلى جانب كونه زعيم إيطاليا من أكبر المؤثرين فى نمو الحركات القومية فى القرن التاسع عشر . وظل مازينى يشكو العسر وما يجره العسر من إبطاء فى السير نحو هدفه ، وكان يفكر فى بعث حركة ثورية جديدة فى إيطاليا يقودها بنفسه . فأوحى إلى بعض صديقاته من الإنجليز أن يقمن سوقا إيطالية خيرية بدعوى جمع المال لمدرسته وكان يريد من وراء ذلك جمع مبلغ أهلى يسعى به إلى الوصول إلى عرضه وافتتحت تلك السوق عام 1847 ، ولكن ما جمعه من المال
من ذلك المبلغ الأهلى الذى منى به نفسه لم يزد على مائة من الجنيهات !
وكانت الأنباء التى تأتيه من إيطاليا فى ذلك العام تزيده غضبا ونكدا ؛ فلقد اشتدت فيها دعوة المعتدلين ، وكان هؤلاء المعتدلون فريقين : فريق الملكيين الداعين إلى الالتفاف حول شارل ألبرت ملك بيدمنت ، وانتظار ما عسى ان تأتى به الأيام ؛ وفريق الاتحاديين المنادين ببقاء إيطاليا وحدات مستقلة بعضها عن بعض في شؤونها الداخلية مع ارتباطها في شؤونها القومية بإقامة اتحاد عام من ممثلين للولايات ؛ وكان هؤلاء الاتحاديون يدعون إلى الالتفاف حول البابا ليكون زعيم الأتحاد المطلوب ، وكان زعيمهم فى ذلك جيوبرتي .
وكان مازينى ينكر دعوة هؤلاء وهؤلاء ، فلم يكن يرضى إلا بان تتحد إيطاليا جميعا فتصبح شعبا واحدا وقطرا واحدا يخضع لحكومة واحدة جمهورية لا ملكية ، حكومة مستقلة عن نير الأجنبى ونفوذه ، تستمد سلطانها من الشعب ، وتعمل لصالح الشعب ؛ على أنه فى سبيل الحرص على مبدأ الوحدة قد صرح ذات يوم أنه يقبل أى شكل من أشكال الحكومة ما دامت تقوم على أساس وحدة البلاد ، وكان قد استوى على كرسى البابوية عام ١٨٤٦ بيوس التاسع ، وكان معروفا بعدائه للنمسا وبآرائه الحرة ورغبته فى الإصلاح ، فسرعان ما اتجهت الانظار إليه فى إيطاليا حتى خيل إلى الناس ان دعوة جيبوبورتي وأشياعه هى الفائزة بين الدعوات ؛ وخطا البابا بعض خطوات حرة كاصدار العفو العام عن جميع المجرمين السياسيين مما انزعج له كبير الرجعيين مترنخ أشد انزعاج قائلا " : لقد كنا على أهبة للقاء أى نبأ إلا أن نعلم نبأ ظهور بابا حر ، أما وقد ظهر هذا البابا ، فلا حد لما سنراه فى المستقبل " .
وسرعان ما تحركت الولايات تطلب الإصلاح على نحو ما يصلح البابا فى ولايته ، ففى الصقليتين أرغم هياج الشعب الملك على إعلان الدستور ، وفى نابلي عجل الملك فأعلنه قبل الهياج ، وسرت العدوى إلى ولايات البابا فأعلن فيها كذلك ، وكذلك أعلن فى تسكانيا ؛ ومالبث ان خطأ شارل ألبرت هذه الخطوة فى بيدمنت ، فأعلن الحكم الدستورى على نحو ما حدث فى تلك الولايات ، وهكذا تشيع المبادئ الدستورية فى طول إيطاليا وعرضها .
وانبعثت الثورة فى فرنسا فطاحت بالملكية هناك وأعلن الأحرار فيها قيام حكومة جمهورية ؛ ولم يقف الأمر عند فرنسا ،
بل لقد امتدت العاصفة إلى النمسا نفسها فزلزلت الحكومة فيها زلزالا شديدا وأخذت مترنخ أخذا أليما فأسقطته من مركزه العتيد بعد طول تربعه فيه وانبعاث سلطانه منه . وهب الناس على أثر ذلك فى لمبارديا يضعون عن أعناقهم نير النمسا ، فلم يمض أسبوع حتى طردت الحاميات النمساوية هناك ، ثم بادر ملك بيدمنت شارل ألبرت فأعلن الحرب على النمسا وتبعه أمير تسكانيا وسرعان ما أتى الناس من كل حدب ينسلون ، كأنهم شعب السيل وساروا أنماطا من كل طبقة ومن كل حرفة عالمهم بين جاهلهم وشيخهم بين فتيانهم إلى حيث يلتقون تحت راية بيدمنت ، ولم يبق فى إيطاليا ولاية لم تأخذ بقسط فى هذه الحرب حتى لقد خيل إلى الناس أن حلم مازينى قد تحقق ، فها هو ذا علم إيطاليا يخفق على رؤوس الإيطاليين من كل حزب ومن كل ولاية
وكان الزعيم المجاهد يومئذ فى باريس يؤلف قلوب المنفيين من بنى قومه هناك على مبادئه ، فما أن جاءه نبأ ما حدث فى إيطاليا حتى هرع إليها وإنه ليكاد من فرط فرحه أن يطير ومن فرط ماسته أن يشتعل ؛ ونزل الزعيم فى ميلان إذ لم يكن يستطيع بناء على حكم الإعدام الذى حكم به عليه عام 1933 أن يذهب إلى بيدمنت أو إلى جنوة ؛ وعرفه رجال الجمارك من صوره التي رأوها من قبل فكانوا يحيونه فى حماسة بالغة ويسمعونه من عبارات الوطنية ، واستقبله أهل ميلان استقبالا رائعا ومشى والزحام من حوله إلى الفندق الذى اختاره لإقامته
وراح الزعيم القائد يعقد الآمال على فوز هذه الحركة ، وكأنما حل اليوم الموعود فتمت رسالته بعد جهاد طويل لاقى فيه مالاقى من أنواع العذاب وصنوف البؤس والشقاء ... ووقف مازينى أول الامر من الحرب موقف السياسى الرشيد ، فوجه همه إلى نصرة بنى قومه وترك الخلاف على الجمهورية والملكية جانبا فإن هذا أمر يمكن النظر فيه بعد النصر ، وأخذ الزعيم يحث الرجال إلى التطوع لنصرة قضيتهم المشتركة لا يتوانى عن ذلك ولا يكل
ولكنه ما لبث أن حاد عن هذا الطريق الخليق به وأخذ يذيع مبادئه الجمهورية على أساس الوحدة رادا بذلك على الملكيين ودعاة الاتحاد ؛ وكان عمله هذا وا أسفاه مما يعرقل سير الحرب فإن من شأن هذا الخلاف أن يشيع فى الجند وأن يتسرب إلى المتطوعين ؛ وكان الزعيم يعتذر عن فعلته بأن مخالفيه فى الرأى هم الذين بدأوا بإثارة الخلاف ، ولكن عذره هذا سقيم لا يقبل عمن كانت له مثل
مكانته ومثل ماضيه فى الجهاد ... ولعل مسلك مازينى يومئذ كان أكبر أخطاء حياته جميعا
وكتب إليه شارل ألبرت يدعوه أن يحث أتباعه الجمهوريين فى شمال إيطاليا على الانضمام إلى القائلين هناك بالاندماج فى بيدمنت وكانت قد بدأت تظهر لهؤلاء حركة قوية نحو هذا الغرض ؛ وذكر الملك فى خطابه إلى الزعيم الكبير أنه مستعد للقائه إذا قبل ذلك وعرض عليه أن يكون وزيره الاول وأن يكون له ما شاء من الرأى فى وضع دستور تحكم به المملكة على أساس ديمقراطى
ورد مازينى بأنه لن يرضى بغير الوحدة للايطاليين جميعا وما به حاجة إلى السلطة ولا نزوع إلى الجاه ونعيم الحياة لأن هذه أمور تصغر امام غرضه الاسمى الذى يحمل فى سبيله ما سلف من مصائب الحياة ... ولم يرد الملك على الزعيم بعد ذلك فقد يئس من ضمه إليه
ولا ريب أن إصرار مازينى على مبادئه وعدم التساهل فيها خلة من أبرز خلال الزعماء ، بل هى عندى أكبر هاتيك الخلال وأهمها ، وماذا يبقى للزعيم من زعامته إذا هو تهاون فيما يرى أنه الحق وفيما جاهد فيه جهاده ؟
وما لبثت أن تجمعت عوامل الهزيمة فاحاطت بجيش الإيطاليين فإن البابيوس التاسع ما لبث أن أعلن استنكاره رفع الحسام فى وجه النمسا وهى من أكبر الدول الكاثوليكية ؛ وقد أدى هذا إلى أن يسحب ملك بيدمنت جنوده من الميدان ؛ كما أن الخلاف بين الزعماء قد فت فى عضد التطوعين فتخاذلوا ثم قعدوا وتركت بيدمنت وحدها تحارب جيوش النمسا . وما لبت شارل ان انهزم في كستوزا ، فتراجع إلى ميلان وتبعته جنود النمسا إليها فسقطت في أيديهم بعد قتال شديد وانسحب منها شارل وجنوده
وخرج مازينى من ميلان قبل أن يصل إليها جيش النمسا ؛ وذهب يبحث عن المتطوعين من رجال غاريبلدي ، وكان هذا المجاهد البطل قد أخذ بقسط من هذا الجهاد القائم ، ولكن حماسة المتطوعين لم تغن عنهم شيئا أمام تفوق النمسا فى العدة والعدد فتفرقوا كما تفرق الجيش الرسمى ، وتم للنمسا النصر على شمالى إيطاليا ، ولحقت بالمجاهدين خيبة أخرى وكانوا من النصر على قلب قوسين . وحار مازينى ماذا يفعل وقد هده الإعياء وأحزنته الخيبة ؛ ولكنه فكر فى الذهاب إلى الولايات الوسطى ليدعو هناك إلى مبادئه الجمهورية على أساس الوحدة عسى ان يجد فى القلوب بقية من العزم أو أثرا من الرجاء ، وندم مازينى أشد الندم على أن لم
يذهب إلى تلك الولايات الوسطى منذ قيام الحرب ليدعو أهلها إلى الجهاد القومي فتكون سهم قوة إلى جانب قوة الحرب الرسمية
وكان البابا قد فر من أملاكه واعتصم بملك نابلى ، فأمل مازينى أن ينشئ من أملاك البابا ومن ولاية تسكانيا وحدة على أساس جمهورى ، وقد كاتب مازينى بعض الأحرار منذ أن فر البابا يدعوهم إلى ذلك ، وبعد ذلك بنحو شهرين اتخذ طريقه إلى روما فبلغها فى شهر مارس عام ١٨٤٩ وكان ذوو الرأى من أهلها قد اجتمعوا فى مجلس وأعلنوا أن مازينى من مواطنى روما كما نادوا بالحكم الجمهورى وطلبوا من الزعيم أن يحضر إليهم
وقد استقبل مازينى استقبالا عظيما فى لجهورن وهو فى طريقه إلى روما ، ولاقى فى روما من روعة الحفاوة به والتحمس لمبادئه ما أنساه مرارة العيش فيما مر به من الأيام
واختاره أهل روما ومعه سافى وأرمللينى نوابا عن الجمهورية فتكونت منهم حكومة ثلاثية ، وجمعت أزمة الحكم فى الحقيقة فى يد مازينى فأخذ يتأهب لتحقيق مبادئه وسرعان ما أعد للجهاد عشرة آلاف من المجاهدين
وعاش الرئيس الجديد عيشة فى غاية البساطة ؛ فكان يخفض جناحه للناس جميعا ، وكان لا يضع بينه وبين أحد حجابا فبابه مفتوح لجميع من يريدون مقابلته لا فرق بين كبير وصغير ؛ وهو فى الحكم كما هو فى حياته الشخصية مثال للنبل والنزاهة واللطف ، أكبر همه أن يعتنق الناس مبادئه فيجعلوا وحدة إيطاليا قبلتهم التى لا يرضون غيرها
وكان يحرص مازينى أشد الحرص أن تكون جمهوريته مثالا يحتذى ، وأن تكون فى أسلوبها وروحها خير داعية إلى مبادئه ، لذلك ضرب للناس أحسن الأمثلة فى التسامح والعدالة وحب الخير للأهلين جميعا ؛ وكذلك رأى الناس من نشاطه وإقباله على عمله ما زادهم تعلقا بشخصه وإيمانا بمبادئه .
ولكن هذه الجمهروية لم يقدر لها أن تعيش إذ ما لبثت أن جاءتها الضربة القاضية على يد دولة ما كانت ترجو منها الجمهورية الوليدة إلا العون ، دولة طالما ترنم أهلها بالحرية وأشعلوا نيران الثورات فى سبيل الحرية والديمقراطية ، وأعلنوا أنهم أبدا على
أهبة لتعضيد كل شعب يعمل على نيل حريته ، وما كانت تلك الدولة إلا فرنسا التى قضت فى امسها الغريب على الملكية ، وأحلت محلها الجمهورية !
لم تتورع فرنسا عن توجيه حملة حربية لإسقاط الجمهورية فى روما وهي بذلك ترتكب إثما من أكبر آثام السياسة الدولية فى العصور الحديثة ، وكان ذلك الإثم مضاعفا لصدوره عن فرنسا ذاتها ، وإنما تكون الجريمة من أهل الشر جريمة فحسب ، أما مجيئها على أيدى من يدعون أنهم أنصار الفضيلة ففيه معنى الجريمة ومعنى الفجور وخيبة الآمال جميعا
وأحاط جيش فرنسا بأسوار روما وحاول مازينى وغاريببلدى ومن انضم إليهما من الأحرار الدفاع عن المدينة ، وكان مازينى يشخص بنفسه إلى مركز الدفاع ، يأكل أكل الجند وينام نومهم ويبث فيهم روح الفداء ؛ وجاء كثير من الناس من أنحاء إيطاليا للدفاع عن الجمهورية ، ومنهم الملكيون ومنهم الأدباء والكتاب ، ولكن المدينة لم تقو على الحصار ، ولما رأى مازينى أنها واقعة فى أيدى الأعداء لا محالة استقال من منصبه
وصمم غاريبلدي ومعه ثلاثة آلاف من رجاله على المقاومة إلى النهاية ، ودعا مازينى إلى ذلك ، ولكن الزعيم رأى مالا يراه ذلك الجندى المتحمس فذهب إلى مرسيليا ؛ ثم لم يلبث أن انتقل إلى سويسرا ، ولكن الحكومة السويسرية ضاقت بوجوده فى بلادها كما فعلت من قبل وهو فى أولى سنى جهاده ، ولذلك اتخذ مازينى سبيله إلى انجلترا وراح يستأنف العيش فيها من جديد . وعاد إلى القلم والفرطاس يكتب ليعيش مما يكسب ولينشر مبادئه مجاهدا بالقلم بعد أن فشل جهاده بالسيف ، وكأنما صارت انجلترة موطنه الثانى ، فلقد استراح إلى العيش فيها وأحبها هذه المرة أكثر مما أحبها من قيل ، وكثر فى المدينة العظيمة أصدقاؤه من الإنجليز ومن الفرنسيين والإيطاليين ، فكانت تخفف صداقة هؤلاء عنه آلام الغربة ومصائب الزمن ، تلك المصائب التى ذاق كبراها عام 1852 بموت أمه التى ظلت حتى وفاتها تعطف أشد العطف على حركاته ، وتتألم أشد الألم لما يلاقى فى سبيل بلاده ( البقية في العدد القادم )

