الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 114الرجوع إلى "الثقافة"

ماساة ...!

Share

قال لي صاحبي وهو في بعض حديثه : " . . ولم يكن سيد عشيرته فحسب ؛ بل لقد كان زعيم الأقليم كله ، وكان رحمه الله المعيا شديد الفطنة ، بعيد النظر ، صادق الحكم . يظل القوم في مجلسه يتحاورون ويتناقشون ويتنازعون ، حتى إذا فرغوا من شأنهم جلا موضع النزاع في يسر ، وحكم فيه اعدل حكم .

على أنه كان عصبيا شديد العصبية ، إلا أنه كان قادرا على ان يأخذ نفسه بالحلم فلا يستفزه شئ . بل لقد كان يضحك أو يتضاحك مما يغيظ أحلم الحلماء ، ولعل ذهنه كان يزخر بالمعاني ، فإذا أراد الحديث تزاحمت على لسانه ، فجعل يضطرب بينها ويتردد حتى ما يكاد يبين !

وداره واسعة متعددة الابنية ، وهي تقع في حديقة واسعة جدا ، وهذه الدار لا يخلو مطلقا من عشرات الناس في ليل أو في نهار . فمن طالب رفد ، ومن صاحب

حاجة تدعو إلي قوة السعي . ومن متنازعين على مال أو على منصب يختصمان إليه . وجميعهم يأكل احسن الطعام إذا جاء وقت الطعام . ومن طلب منهم المنام فله ذلك فالدار كما قلت ، واسعة ، والفرش فيها كثيرة . وهي ، على الجملة ، كرحبة مالك بن طوق التي ظلت مضرب الامثال من قديم الزمان . وما طالعت هذه الدار ، إلا حضرني قول مسلم بن الوليد في بعض ممدوحيه : لا يرحل الناس إلا نحو حجرته

كالبيت يفضي إليه ملتقي السبل وأما حكمه بين الخصوم فهو امضي من أي حكم نهائي تصدره أية محكمة . لأن الخصوم في ذلك قد يعوفون التنفيذ بشتي الحيل . أما حكمه هو فلا تعويق فيه ولا احتيال ، لأن أحدا في الاقليم لا يجرؤ على أن يسر لهذا الرجل عداوة ، فضلا عن ان يصارح بها ؛ بل إن احدا

لا يرض لنفسه أن ييسوء رأي هذا الرجل العظيم فيه . وكان يؤثرني ويحبني ويعطف على عطفا عزائي عن فقد الأب احسن العزاء . ولا يرضي فراقي له إلا مكرها ولو لا انني رجل موظف في الحكومة يؤذيني في رزق انقطاعي عن عملي لأمسكني ، على الدهر ، ولم يرسلني أبدا ، فإذا طال إبطائي عنه في القاهرة بعث من يستدرجني إليه بشتى الوسائل .

وقد بدا لي انه لابد كان يلاحظني وأنا على طعامه ، لأنني رأيت أنه كلما استعليت لونا من ألوان الطعام فأكثرت الإصابة منه ، قرب إلي في اليوم الثاني هذا اللون نفسه ، فإذا هو اطيب واجود . وهكذا حتى يلاحظ إعراضي عنه وإقبالي على غيره .

أحببته اكثر مما أحبني أو مثل ما أحبني ، فإنني أشك في أن حبه لي وعطفه على مما يحتمل المزيد !...

وفي يوم اسود رجعت من عملي بعد الظهر . وما إن بلغت الدار حتى تقدمت بإعداد غدائي . وكنت جائعا متعبا . وفيما أنا في الانتظار إذ رن جرس التليفون ، وإذا الأذان بأن الحديث من بلدة كذا ، وإذا المتحدث أكبر أولاده . قال في سرعة : احضر يافلان حالا ، فوالدي في حال شديدة جدا ، بحيث لا يجرؤ أحد على كلامه أو الدنو منه . فلعلك انت ، لموضعك منه ، الذي يستطيع أن يستدرجه لحديث . وارجو ان تفرج عنه بعض الفرج . فقلت له : ما الخبر ويحك ؟ فقال : إن فلانة ، يعني صغرى إخوته جميعا ، قد غابت وانقطع الخبر عنها من ثلاثة أيام ولم يجد البحث والتفتيش وقلب البلاد ظهرا لبطن في طلبها فتيلا . فهتفت من فوري بأهل الدار أن يمسكوا عن إعداد الطعام ، وبعدوا حالا جعبة السفر . وأرسلت في طلب سيارة أبلغتني المحطة في آخر لحظة ، وتدليت هناك

فإذا سيارة الباشا في انتظاري ، وبلغت الدار . وما كدت أطلع على الحديقة حتى تعاظمني منظر هذه الجماهير من الناس ، شغلت كل رقعة ، واحتلت ظل كل شجرة وجزت إلي فناء الدار فاذا خلق كثير جدا ، وكلهم جالس مطرق لا ينبس احد منهم بكلمة ، وقد اغبرت الوجوه جميعا ، والباشا جالس على طرف دكة لا يشغلها معه أحد . فلما طلعت على المجلس اومأ إلى ان اجلس بجانبه ، فجلست ، وما سلمت عليه ولا هو حياتي ، وأطرقت كما أطرق سائر الناس .

ولقد قلت لك إنه ساكت لا يتكلم ، ولكنه كان في كل فترة يزفر زفرة حري ، لقد كانت ولاشك بخارا من لهيب يتسعر في الاحشاء . وجلسنا على هذا يومين ، وفي الصباح الباكر لليوم الثالث اومأ إلي بأن أسافر فنزلت على إشارته ، ورجعت إلي القاهرة لالى عملي فيها ، ولم اتردد لحظة واحدة في الفكرة التى اعترتني من اللحظة الأولى ، هذه الفكرة التى يوحى بها أبسط واجبات الحب والولاء وعرفان الجميل لهذا الرجل العظيم : وتلك ان اطلب إجازة طويلة افضيها في التقلب في البلاد باحثا مفتشا منقبا عن بنته العزيزة . ولو دعا الأمر إلى التنكر والاضطراب في مختلف الأزياء ولقد اشتد بي الوجد مما دعى صديقي العزيز ؛ وقد علت به السن . وتشرف على نهاية العمر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !

وقبل ان استرسل إلي غاية هذا الحديث أصف لك وصفا موجزا هذه البنت المختفية من بضعة أيام :

لقد كانت سنها بين الرابعة والخامسة حلوة جميلة جدا ، بيضاء الجسم ذهبية الشعر ، بالغة غاية الأثاقة في ثوبها الغالي الثمين . تراها فتخالها دمية فرت من معرض

نماذج (فترينة) لغالي الثياب . خفيفة الروح . حلوة الحديث ، وخاصة إذا اعادت ما يلقي عليها من كلام خيالي يراد به الاطراف والإضحاك . ولي معها في هذا مواقف كلها ضحك وإغراب ! وكانت لذلك تتعليق بي كلما هبطت إلي دارهم . وكنت احبها لحب ولدي الاعز بن . وكانت قرة عين لأبيها ، وناهيك بأصغر الأولاد ، وخاصة إذا كانت مثل هذه الدرة في الحلاوة والنقاء ؟

هبطت القاهرة ، وقد جمعت النية الصادقة الماضية على ما أسلفت عليك ، وسألت الاجازة لشهر ونصف الشهر . ومضى وانا في انتظار الاذن لي فيها ، على أنني أوالي السؤال (بالتليفون) كل ساعة ، فإذا مصير البنية ما يزال في الغيب المحجوب . وإذا والدها المسكين على حاله ، ولم يزل يعاني ذلك العذاب المضني الآليم .

وانقلبت إلي الدار في اليوم الثالث قافلا من عملي وتقدمت باعداد غدائي ، فإذا جرس (التليفون) يرن وإذا ولد صاحبي يدعوني ، في فرح ظاهر ، ان احضر لأهنئ أباء الشيخ ، فلقد عثر على أخته فلانة ، والحمد لله . فقلت مسرعا : وكيف عثر عليها ، واني كان ذلك ؟ قال : لقد أمر وزير الأشغال ، حين انتهى إليه احتم غرقها ، بتجفيف بحر (كذا) وكذلك ألفينا جثها في الموضع الغلاني (وهو يقع على بعضة أميال من الدار). وقد أكرمها الله تعالى ، فلم ينل من جثمانها السمك كثيرا ولا قليلا .

وأسرعت باعداد جمعية السفر ، وخففت إلي لقاء صاحبى ، فإذا جموع كثيرة ، تلغو وتتقاول ، في مرح واغتباط ، وإذا صاحبى يظهر عليه طيب النفس وانبساط أسارير الوجه ولم يكد يراني حتى حف للقاني في بعض طريقي إليه . وما إن توافقنا حتى عانقني وجعل يقبلني

وجعلت اقبله وانا اشعر ان الدنيا لا تكاد تسعه من سرور ومراح ! .

ثم جعل يحدثني ، كعادته ، أحاديث هذه الدنيا حتى انصرف الناس عن مجلسه ، قافلين إلى ديارهم ، او ناوين ، في داره ، إلى فرشهم ؛ وحينئذ جديني إلى حجرة جلوسه الخاصة ، ودعا بالنرد ، ورحنا نتلاعب إلى ما بعد انتصاف الليل ، وهو كلما انتهي دست يقبل علي بحديث طريف .على أنه لا يلم بشيء من حديث بنته الغرق ، لا من قريب ولا من بعيد ! .

الله أكبر ! الله أكبر ! إذا لم يكن هذا الوجد كله ، ولا هذا الوله المرعب المهول من أن البنت قد ادركها الغرق أو أنها ماتت على أي شكل من الأشكال ، وإنما الجزع كله من ان تعيش في ولاية خاطف مجرم من النساء أو الرجال!.

ترى ماذا عسى أن يكون مصير الفتاة ؟ . هنا تتطاير أشأم الظنون كل مطار . وهنا يغلي صدر هذا الطود غليان القدر ، حتى لتكاد تتصدع الاضلاع ، لولا ما كان يروح عنها من ذلك الزفير ، تتنفس به نار السعير!

لقد أصابها ميتة . وإذا لقد سلم الشرف . وحسبه ، فالشرف هو كل شئ في هذه الحياة . أكرمك الله ، يا حبيبي ، ميتا ، كما أكرمك حيا . وأمتعك بملاعبة ابنتك الحلوة في دار النعيم" .

وهنا جعل صاحبي يبكي وينشج حتى لم يعد يقوى على كلام . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وانا لله وإنا إليه راجعون !!!

اشترك في نشرتنا البريدية