الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 56الرجوع إلى "الثقافة"

ماساة العقل، فى قصة ( يوليوس قيصر )

Share

-٢-

يبدأ الجزء الثاني من قصة " يوليوس قيصر " بمنظر فيه مناقشة عميقة ، تدل على ذلك الاتجاه الذي ذكرناه في حديثنا عن الجزء الاول من القصة ، ذلك الإتجاه الواضح إلي التحليل والتعمق ، وإلى إبراز قوة العقل وتحليل أحكامه ، وإلى إظهار سلطان العقل واثره في مأسي الحياة .

وأما المنظر فهو : تم الاتفاق بين كاسيوس وبروتس على الاشتراك في مؤامرة واسعة للقضاء على قيصر قبل أن يتمكن من إحداث الانقلاب في الحكم والانفراد بالسيادة في رومة .

وذهب كاسيوس في جماعة من صحبه وشركاته في المؤامرة إلي بيت بروتس فلقيهم مرحبا ، وأعلن لهم أنه قد صار منهم ، وانه قد رضي بقتل قيصر معهم ، مضحيا في سبيل ذلك بصديقه العزيز الذي طالما أكرمه وأحسن إليه . وانه يقبل هذه التضحية في سبيل إنقاذ الوطن من طغيانه .

وسأله المتآمرون عند ذلك أن يقسم لهم قسما يجعلونه موثقا لهم ؛ ولكن بروتس الحكيم الواثق بشرف نفسه أجابهم قائلا : إن التثبت بالأيمان غير جدير بالشجعان والأشراف ، وفيه إهانة لأولي العقول الحكيمة الذين يهتدون بهديها ويسيرون على أحكامها .

فقبل الشركاء أن يعفوه من القسم ، وأخذوا في رسم تفاصيل المؤامرة والاتفاق على من بنوون قتله مع قيصر فاقترح احدهم ان يقتل انطون معه ، فقال بروتس : " سوف نغدو بقاة قتل وسفك إن قتلنا في يومنا غير قيصر ، سوف نغدو كمن أطاح برأس ثم قد الأعضاء عضوا فعضوا ، إنما نحن تأثرون حفاظا ، لم يكن كرهنا لقيصر حقدا ، إن انطون لم يكن غير عضو من شوي قيصر ، فلا تلمسوه فنحن قوم لا نطلب القتل بغيا ، بل نؤدي في قتلنا قربانا ، انما قصدنا نضال لمعنى وقتال لروح طغيان قيصر ؛ فدعوا القتل والدماء ، فلمسنا في نضال الأرواح نبغي دماء . ليت روح الجبار قيصر كانت دون أعضائه ، وكنا استطعنا نزعها عنه لم نصب منه عضوا " الخ الخ .

ويمضي بروتس في قوله بورد المعاني الدقيقة ، ويتعمق في تحليل الدوافع التي تسوقه إلي عداوة قيصر ، ويميط لأصحابه قناعا بعد قناع عن فلسفته العالية ، حتى قرع حجتهم وصرفهم عن التفكير في قتل احد غير الرجل الذي يقصدونه وحد ، لتخليص الجمهورية من طغيانه ؛ ففي هذا المنظر استطاع شكسبير مرة اخري أن يظهر سلطان العقل وتغلبه على قوة الإلهام ، كما انه في تحليله الدقيق بين كيف تنطوي الحجة العقلية القوية في كثير من الأحيان على مغالطات وسفسطة منشؤها المبالغة في الاعتداد بقوة العقل وجعله الأساس الأول في السلوك في الحياة .

وأصبح الصباح بعد تلك الليلة وكان ميعادا لاجتماع عظيم في دار مجلس الشيوخ في الكابتول. وبكر الشعب فازدحم في الطريق المؤذية إلى الساحة الفسيحة المقابلة لتلك الدار ؛ واتفق بروتس وأصحابه على أن يذهبوا إلي الاجتماع ويجتمعوا جميعا حول قيصر إذا اتى ليبدأوا إنقاذ خطتهم عند إشارة اتفقوا عليها .

وكان قيصر في ذلك الصباح يحس شيئا من الاضطراب ، وكانت الليلة الغابرة ليلة عاصفة ذات رعد وبرق . وكانت زوجته ) كالبورنيا ( اشد منه اضطرابا وقلقا ، فقد قضت تلك الليلة بين أحلام مزعجة ، وزادها خوفا ما سمعت من حوادث تلك الليلة ، إذ قبل إنه قد رؤيت لبؤة يدركها المخاض في الطريق ، وإنه قد انشقت القبور وأخرجت موتاها ، وإنه قد شوهدت فوق السحب جنود تتحارب وتسيل الدماء فوق الكابتول ، وإنه قد سمع صهيل أفراسها وانين قتلاها ، كما سمع صراخ من الجان والأشباح في طرقات المدينة .

وحاولت ( كاليورنيا ) أن تمنع قيصر من الخروج في ذلك الصباح لشهود الاحتفال ؛ فمانع ودافع وقال في رده على مخاوفها : " ويك إن الجبان يلقي حتوفا ، ويذوق الشجاع موتا وحيدا ، إن من اعجب العجائب عندي أن يخاف الرجال ،

فالموت حق سوف يلقاه كل حي إذا ما جاءه يومه ، الخ .

وألحت كاليورنيا مع ذلك عليه ، وعادت تسأله ألا يبرح ، وجثت على ركبتيها تتوسل إليه في ذلك حتى مال إلي طاعتها وعول على البقاء في منزله . وكان المتآمرون يخشون أن يتخلف قيصر عن الحضور فيفسد ما دبروه ، فبعثوا أحدهم رسولا إليه ليحمله على الخروج إذا رأي منه ترددا أو امتناعا ، وذهب ذلك الرسول إلي قيصر ، فعلم أنه يريد الامتناع عن شهود الاجتماع ، ودارت بينهما مناقشة طويلة حاول فيها جهده ان يحمله على الخروج بكل ما استطاع من حجة ومن حيلة ، ثم جاءت جماعة اخرى من المتآمرين إلى قيصر عندما رأوا ان رسولهم قد أطال المكث عنده ، فرحب بهم قيصر وسقاهم من الخمر ، واضطر إلي أن يقاوم رغبة زوجته ويخرج معهم.

ثم بدأ الاحتفال ، وقد تعمد المتآمرون أن يحبطوا بقيصر ، وان يبعدوا عنه صديقه الشجاع انطون ؛ فتقدم أحدهم يطلب من قيصر أن يتفضل عليه بإرجاع أخيه من المنفي ، فأجابه قيصر رافضا في شيء من الجفاء ، فتقدم بروتس ليشفع للرجل في اخيه ، فلم تجد شفاعته ، وتبعه كاسيوس راجيا ، فلم يلن قيصر ، بل رد عليه ردا شديدا بنم عن الكراهة التي كانت في قلبه نحوه ، قال :

" دع رجائي فلست مثلك نفسا . أنا لو كنت أستطيع رجاء وخشوعا لكنت أقبل ممن جاءني خاشعا يلين فؤادي . لست هذا فان قلبي ثبت ، مثل نجم الشمال ، يبقي مقرا مستقرا بين النجوم فريدا ، لابدانيه في السماء قرين الخ

فتقدم آخرون يشفعون ، وقيصر يردهم واحدا بعد واحد ، وفيما هو كذلك وثب كاسكا أحدهم ، فطعنه في رقبته . فحاول أن يدافع عن نفسه ، فأسرع الشركاء ، إليه فأخذوه بسلاحهم ، وأقبل عليه برونس فطمنه . وما كاد قيصر يري بروتس صديقه العزيز يرفع يده إليه بالسيف ،

حتى وضع ثوبه على رأسه ، واستسلم قائلا : " وانت أيضا يا بروتس ؟ إذا فمت يا قيصر ووقع على الأرض صريعا .

ذعر الناس عندما رأوا قتل قيصر أو سمعوا به ، وهربوا سرافا كأنهم حيال نكبة من نكبات الطبيعة ، وانتهز المتامرون هذه الفرصة ليقبضوا علي زمام الأمور ، وكان أكبر من يخافون من أصدقاء ، قيصر هو أنطون ، غير أنه تظاهر بالاذعان وأرسل إليهم يطلب منهم ان يبنيوا له الذنب الذي قتلوا من أجله قيصر ، فإذا هم أقنعوه به نضم إليهم وأقر عملهم . فأرسل بروتس إليه طالبا أن يلقاه ليتحدث معه في الأمر فجاه أنطون يسعى إليه وأوهمه بعد حديث قصير أنه قد اقتنع بما ظهر له من الحجة ، وانه اقتنع بأن قتل قيصر إنما كان قصاصا عادلا على طموحة إلي الملك والطغيان . ثم استأذنه في أن يشترك في جنازة قيصر وأن يسمح له بأن يقول كلة رثاء ، ليؤدي بذلك حقا من حقوق الصداقة نحو صديقه الحميم . فسمح له بروتس بذلك على شرط ألا يتكلم إلا بعد أن يهدأ روع الناس ، وأن يقول في أول حديثه قولا صريحا يدل على أنه انما يتكلم باذن من بروتس وأصحابه

وأسرع بروتس إلي الساحة الكبرى مع صاحبه كاسيوس ليخطبا في الناس ويبينا لهم المقصد الشريف الذي من أجله أقدما هما وأصحابهما على قتل قيصر ، وانهم لم يرتكبوا جناية شخصية ، بل ضحوا بصديق عزيز حرصا على حرية رومة . وما أسرع ما اثر قولهم في عقول العامة وجعل الشعب يهتف لبروتس وبحمد ما أتاه هو وأصحابه فلما اطمأن بروتس إلي ذلك ، طلب من الجموع المحتشدة أن تبقي حيث هي لتسمع ما يريد أنطون أن يقوله في رثاء صديقه القتيل ، مظهرا بذلك أنه رجل على النفس لا يحمل حقدا للقيصر ، وإن كان قد غضب عليه وقتله من أجل الحرية العامة ومصلحة الوطن . ثم انصرف تاركا الميدان

لأطون والجمهور الصاخب من حوله

صعد أنطون المنبر وبدأ كلامه ، والناس متحفزون له يترقبون منه كلمة سوء تبدر ، أو فلتة لسان تفلت لكي يرجموه ويرغموا به ، ولكنه بدأ يتكلم محترسا ، ويتحاشي أن يصدم مشاعر الجمهور بكلمة واحدة . بل خاطبهم خطابا لينا ، وتملقهم ملقا خفيا ، فإذا جاء ذكر بروتس وأصحابه لم يقل إلا أحسن الثناء ، يلف فيه بين حين وأخر طعنة خفية أو اشارة نقد دقيقة ، ثم اتجه إلي قيصر فأثار ذكريات حسناته ، وبالغ في تصوير ميوله للشعب وخدمته له ، حتى استدرج السامعين بغير أن يشعروا إلي الرقة والحزن على قيصر ، واستدر دموعهم واثار حفيظتهم ؟ فلما رأي أنه قد بلغ من ذلك ما يطمئن إليه ، خلع الستار ونادى باتهام القتلة ، واستثار الجمهور للانتقام منهم ، وأشعلها فتنة هوجاء مدمرة وهذه الخطبة كما قدمنا من تأليف الشاعر ، لم ينقلها عن تاريخ ، وإنما استوحاها عقله القوي وخياله الفسيح ، والهامه الغريزي الموفق . قال أنطون في خطبته:

" أي صحابي ، أبناء روما ، وإخواني أعيروا أسماعكم لحديثي ، لست آتي أصوغ فيبصر مدحا ، بل لاسعي مشيعا لرفاته إنما تخلد الذنوب وتبقى بعد من خاضها ، على حين نتوي حسنات الماضيين بين القبور . فليكن حظ قيصر مثل هذا . قد سمعتم بروت وهو كريم - قال يا قوم ان قيصر طاغ ، ولئن كان ما يقول صحيحا ، كان لا شك فيه وزر كبير . ولقد ناله جزاء أليم ،

فلندع ذكر ذاك - إني مدين لبروت وصحبه إذ أجازوا أن أقوم الغداة أرثي صديقي . غيروت كما علمتم كريم وذووء كما عرفتم كرام . قيصر كان لي صديقا وفيا - لا ، ولكنى بروت ينقم منه أنه طامع حريص ، وانتم قد عرفتم بروت شهما نبيلا .قيصر قد أتي بأسري كثار ،

وحيانا قداءهم أموالا ملأت بالغني خزائن رومة . أبهذا ثرون قيصر يطغي ؟ كان والحق إذ يصبح فقير يذرف الدمع رأفة ، ولعمري إن قلب الطغاة علت صليب . غير أني أقول هذا وانتم قد سمعتم بروت وهو كريم قال : قد كان قيصر طماحا - أرأيتم تلك الغداة وأنا يوم عيد الربيع ؟ إذ قد شهدتم كيف قدمت نحوه التاج ، أرجو لو تلقاه بالقبول ثلاثا، فأباء . أكان ذلك حرصا ؟ لا ولكن بروت قد قال فيه إنه طامع - ولا شك فيه - فبروت كما علمتم شريف ، ولئن قلت ما علمت فاني لست فيه مكذبا لبروت . أيها الناس ، كان قيصر فيكم في ثنايا القلوب وهو جدير ، فلماذا أرى العيون صلابا جامدات ، وقيم هذا الجفاء ؟ لاء قد أصبح الرجال سواما منذ طارت أحلامهم ، وكأني بوحوش القلاه أرجع عقلا.

" أي رفاقي لاتعذلوني ، وعفوا إن تعديت في المقال ، فاني ضاع لي وضل عني فؤادي ، فغدا عند نعش قيصر رهنا ، فدعوني حتى ألاقي فؤادي . أنتظروني حتي يعود جناني " .

ووقف أنطون عند ذلك لحظة رأي فيها وسمع ما دله على أن الشعب قد بدا ينظر إليه في عطف ورقة ، وانه مستعد لان يسمع رثاء قيصر ويسخط على قتلته ؛ فاستأنف قائلا : " كان بالأمس قيصر وإليه يخضع العالمون إن قال حرفا ، ثم أضحى مغفرا يتجافي عنه كل امرئ علوا وكبرا . أيها الأكرمون لست أرجي أن تثوروا لما اقول ، فاني لست ارضي بما يضربرونا ، لا ولا ارتضي لكاسيوس سوءا ، فهم مثلما علمتم كرام . لست أرضي لهم أذي ، والخير ظلم نفسي وظلمكم ، بل خير أن أسئ الأموات ، من أن يلاقي هؤلاء الكرام أمرا كريها أي رفاقي ، لقد وجدت كتابا بين ما كان في خزائن قيصر . هذه رقعة بما كان أوصى ، فوقها خاتم

الفقيد ، ولكن لست أستطيع ذكر ما جاء فيها . إن فيها ما لو عرضم لقمتم ولمتمم جراح قيصر حبا، وغمستم ثيابكم في دماه، أو ظفرتم بشعرة منه ذكري ، ثم من مات بعد ذلك أوصى لبنيه بها تراثا جليلا " .

فصاح عند ذلك أحد السامعين والشعب ينصت : " ما الذي جاء في وصية قيصر ، قل وأظهر لنا وصية

قيصر " . فقال أنطون مترددا : " أي رفاقي الكرام ! صبرا . دعوني ، ليس لي أن أقول ما جاء فيها . ليس لي أن أقول أي وداد كان في قلب قيصر مكنونا ، ليس فيكم غلاظة أو جحود - لا - ولستم حجارة لا تحس . إنكم أهل نخوة وحفاظ ، ولئن قلت كيف أوصي اليكم باذلا ماله ، إذا قلت هذا ، لعصفتم وحل منكم بلاء"

فصاح به الشعب من كل جانب يطلب قراءة الوصية ، وهو يتمنع ويرفض ، حتى رأي انه قد بلغ بسامعيه حالة يأمن معها ان ينزع الغطاء الرقيق الذي كان يتستر به ، فقال في قوة وتأثر :

" إن يكن في العيون دمع فهيا واسكبوه ، فالأن حق البكاء "

ثم استمر بندب قيصر ، ويستفز الشعب جهارا إلي الثورة ، حتى هاج وصاحت جموعه قائلة : " الانتقام هيا اقتلوا الخونة ، ولا تدعوا واحدا منهم حيا " .

وما هو إلا قليل حتى كانت الجموع الهائجة تجوس خلال طرقات رومة ، وتنشر فيها الفوضي وتسيل الدماء ، وتنادي بالويل والثبور لبروتس واصحابه

وهكذا استطاع شكسبير أن يصور في هذه الحوادث صورة خالدة لذلك الصراع بين العقول والميول ؛ او يقول آخر بين العقل والعاطفة ، ثم أظهر أن هداية العقل ،

والمثل العليا ليست دائما هي السبل المؤدية إلى النجاح في هذه الحياة ، وأن العقل لم يوهب العصمة بل يتعرض للآغلاط ، وهو في كل حال لا يستطيع أن يغالب الأقدار .

بعد ذلك التحول العظيم في ميول الشعب ، اضطر بروتس واصحابه للخروج من رومة الساخطة ، وانقسمت الدولة الرومانية إلي جيشين متطاحنين ، احدهما مع بروتس وأصحابه ، والآخر مع أنطون ، وقد انضم له أكتاف قريب قيصر وولي دمه.

ودارت رحي الحرب بين الجيشين ، وكانت حربا هائلة . وقد ختم شكسبير قصته الرائعة بصورة فيها تحليل آخر لا يقل في عمقه وقوته عن ذلك التحليل الأول الذي تحدثنا عنه ، فهو قد أظهر أن العقول القوية يتجه كل منها في اتجاهه . فكل منها له آراؤه الخاصة وله نظراته التي يمتاز بها ولا يحب أحدها أن يفني في سواه أو يكون تابعا لغيره . على حين أن العقل القوي إذا انفرد بين الدهماء أسلمت الجماهير له قيادها ، وألانت له عنانها ، واتجهت معه حيث أراد. فصور بروتس وكاسيوس في شقاق دائم ونزاع متصل ، كل منهما يعبد مبدأه ويقدس آراءه ، ويغضب أشد الغضب إذا نزل صاحبه عن المستوي العالي الذي التقيا عنده ، وهما فوق ذلك يختلفان على كل معنى وفي كل موضع ؛ فيختلفان على طريقة الحكم وعلى خطة السير وعلى موضع الحركة وعلي طريقة الحرب . لأن كلا منهما يعبد عقله ، ولا يرضي بأن يتبع إلا ما يراه ، وإن اتبع غيره كان مرغما لا يتحمس ولا يرضي بل يملأ قلبه باليأس والسخط . وصور أنطون وأكتاف من جهة أخرى طالبي ثأر يملؤهما الحرص على الانتقام والتطلع إلي الحكم ، ولا يتردد أحدهما في الاتفاق مع الآخر على قسمة الأسلاب واستخدام الدهماء للوصول إلي غايتهما ما دام كل منهما قدر رضي بنصيبه وأرضي صاحبه .

وقف بروتس يناقش كاسيوس قبيل المعركة الفاصلة . بينهما وبين منافسيهما ، فقال له مغاضبا وقد اتهمه بالاستيلاء علي بعض الأموال العامة :

" ويك لا تنس يوم مارس يوما ، إذ قضى قيصر العظيم قتيلا ، أوجب الحق قتله ؛ أي نذل كان يرضي بطعن قيصر إلا أن دعا الحق ؟ هل فتكنا بفحل ،عظيم الأنام ، إذ قد رأينا منه نصرا للظلم ، كي نتدني لآخس الرشي ، ورضي بديلا من فخار ورفعة بحطام من متاع الحياة ؟ بئس متاع ؛ إن خيرا لدي كلب خسيس ينبح النجم جاهلا ، من دنئ من بني الروم إن أتي مثل هذا " .

وكانت مثل هذه المواقف العاصفة بين الزعيمين الثائرين تنتهي بالمصالحة والموادعة ، ولكنها كانت تترك في نفس كل منهما اثرا عميقا من ندم على ما اقدما عليه او يأس من النجاح فيما هما مقبلان عليه.

حتى لقد تجسمت تلك الهواجس في نفس بروتس وتمثلت له شبحا ظهر له مرة قبل العركة ، وقال له :

" إنني روح الشر لك يا بروتس " . ثم أردف : " ولقد جئت لأخبرك أنك سوف تراني عند قلبي " ، وما قلبي إلا ذلك المكان الذي اتفق الشريكان ، على أن يجملاه ميدانا للمعركة الحاسمة بينهما وبين منافسيهما .

وأخيرا جاء يوم المعركة الكبرى وأقبل بروتس وكاسيوس إلي الميدان ، وفي نفسيهما ذلك البأس الكامن إذ قال كاسيوس لصاحبه :

" أتري لو جري القضاء علينا بإنهزام ، ترضي لنا بالهوان ؟ أترانا نسير في موكب النصر أسيرين في ركاب عدانا ؟ "

فقال بروتس : " أي صديقي كاسيوس ! لا تحسبني ارتضي عودة لرومة عبدا في قيود الهوان . لا إن عقلي

فوق هذا المكان قدرا وأسمى . سوف يمسي هذا النهار ختاما لقتال خضناه منذ قتلنا قيصرا في الربيع في يوم مارس " .

وبعد حديث طويل قال كاسيوس يرد عليه ؛ " أي صديقي ، الوداع خير وداع ! وإذا كان في القضاء لقاء ، نلتقي باسمين حقا ، وإلا فعزائي أنا افترقنا كراما "

فقال بروتس ، وهو يفكر على عادته ذلك التفكير الفلسفي الهادئ الذي ينم عما في نفسه من الالم العميق :

" سر أمامي إذا ، ألا ليت شعري ، ما الذي يخبيء القضاء ؟ ولكن حسبنا أنه سيبدو وشيكا . سوف يمضي النهار حتما ، وإنا سوف ندري ماذا يكون القضاء .

وهكذا بدأت الحرب في ذلك اليوم الحاسم ، وهكذا أحس العقل أخيرا انه قد عجز ، وان فوقه قوة لا يستطيع أن يدركها ، وأن دونه حجبا لا يستطيع النفوذ فيها ، ولا الاحتيال معها .

ودارت الدائرة على بروتس وأصحابه ؛ ولما أحس كلاسيوس بالهزيمة نادي عبدا له اسمه  بندارس، واعطاه سيفا ، أمره أن يطعنه به ، وكان ذلك السيف هو الذي طعن به قيصر . ومات وهو يقول :

" قيصر اهدأ - قد نلت ثأرك مني - بالسلاح الذي أصاب فؤادك".

ولما علم بروتس بموت صديقه وشريكه قال : " قيصر المجد ، لا تزال عظيما . انت هذا تسير في الأرض روحا ، وترد السيوف نحو حشانا .

ثم وقف يرثي صديقه كاسيوس رثاء حارا جاء فيه : " أنت يا آخر الكرام ، وداعا يا ابن روما ، هيهات تنجب روما أبد الدهر من بنيها قرينك " .

وما زال يقاتل بعد ذلك حتى رأي أن الأمل قد زال

وان الهزيمة قد تمت ، فطلب من بعض من حوله ان يساعده على الموت ، ومات وهو يقول :

" اهدأ الآن روح قيصر ، إني لم تكن طعنتي لقلبك أرضي لفؤادي من طعنتى اليوم قلبي " .

وبهذا يختم الشاعر العظيم قصته ، فيجمل العقل ينطق أخيرا مقرا بعجزه عن توجيه الأقدار ، ويحكم على نفسه ، ذلك الحكم الهادئ الذي يشعر بأن العقل يسوق بخطئه إلي ماسي الحياة مع كل احتياطه وتدبيره ، كما تسوق إليها العاطفة الهوجاء مع تهورها وطيشها

بل إن العقل ليعجز بغير خطأ منه عن أن يكون الهادي الأوحد أو الأرشد في هذه الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية