الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 273الرجوع إلى "الثقافة"

ماساة سياسية وصحفية شهيرة ، قضية الفيجارو ومدام كايو سنة ١٩١٤

Share

في أوائل سنة ١٩١٤ كان الجدل السياسي في فرنسا على أشده حول مسألة الدفاع الوطني ونقص اعبائها ، وحول قانون الخدمة العسكرية . ففي ذلك الافق المضطرب وقعت جناية سياسية اجتماعية كان لها اعظم وقع في فرنسا وفي جميع أنحاء أوربا .

ففي عصر يوم الاثنين ١٦ مارس سنة ١٩١٤ ، قصدت مدام كايو زوجة الوزير السياسي الأشهر يوسف كايو  إلى دار جريدة الفيجارو في ناصية شارع الشانزليزيه ، وكانت الفيجارو يومئذ من أشهر الصحف الباريزية واشدها ذيوعا ونفوذا بين الطبقات الرفيعة وفي اوساط المال والسياسة ؛ وطلبت مدام كايو رؤية رئيس التحرير مسيو جاستون كالميت ، وانتظرت نحو ساعة حتى استدعيت لمقابلته ، وما كادت تجوز إلي مكتبه حتى بادرته بإطلاق خمس رصاصات من مسدسها ، فسقط كالميت صريعا ، وهرول الحاجب عند سماع الصوت ليشهد المنظر المروع ؟ ولم تمض بضع ساعات اخرى حتى توفي كالميت في المساء

وكان كالميت قد التحق بتحرير الفيجارو فتي منذ سنة ١٨٨٠ ، وظل يتدرج في اعماله حتى غدا رئيسا للتحرير منذ سنة ١٩٠٣ ، وذاع اسمه وسمت مكانته الصحفية والاجتماعية . وكان مسيو كايو  قد وصل بعد حياة سياسية حافلة إلي رياسة الوزارة في سنة ١٩١١ ؛ ولكنه استقال عقب النقد الذي وجه إلى وزارته من جراء موقفها في المفاوضات مع ألمانيا على المسألة المراكشية ؛ وفي مارس سنة ١٩١٣ دخل في وزارة " دومرج " الراديكالية الاشتراكية وزيرا المالية ، وفازت الوزارة في البرلمان بالتصديق علي سياستها المالية بأغلبية كبيرة . وكانت ثمة جبهة قوية

تعارض كايو وسياسته المالية ، وكانت جريدة الفيجارو تؤيد هذه المعارضة بسلسلة من الحملات العنيفة ؛ وكانت تنشر كل يوم تقريبا مقالات وصور الوثائق ورسائل تخدش من سمعة كايو وشرف زوجته ؛ وكانت هذه الحملات ترمي إلي التدليل على أن كايو لم يتورع خلال حياته السياسية من أن يستغل مركزه كوزير المالية ، وأن ينمي ثروته الخاصة على حساب الأموال العامة ، وانه استعمل نفوذه للتأثير على القضاء في قضية الفضيحة المالية التي ارتكبها أفاق يدعي " روشيت " ( سنة ١٩١١)   ، وأنه عاونه على الفرار من قبضة العدالة . ولم تقف الفيجارو عند هذا الحد ، ولكنها هاجمت كايو في حياته الخاصة ، وأخذت تنشر صورا لبعض خطابات غرامية ، كان كايو يكتبها إلي خليلته التي تزوجها فيما بعد وهي الزوج القاتلة ، وكانت لا تزال يومئذ في عصمة زوجها القديم مسيو ليون كلارتي ابن مدير مسرح " الكوميدي فرانسيز وظهر فيما بعد أن الفيجارو استطاعت أن تحصل على بعض هذه الخطابات من مدام جويدان زوجة كايو الأولى التي طلقها ليتزوج من خليلته ؛ وكان كايو يستميح لنفسه في هذه الرسائل أن يفضي إلي خليلته بكثير من أسرار الدولة والشئون العامة ، خلال الأقوال والوقائع الغرامية . وكان كالميت رئيس التحرير يسبغ على هذه الحملات بقلمه اللاذع صورا مثيرة ، ويطعن الوزير وزوجه طعنات نجلاء ؛ ولبثت الفيجارو في حملتها العنيفة مدى ثلاثة أشهر ، وفي يوم من أيام مارس نشرت مقالا جامعا بتوقيع كالميت ضمنته جميع التهم والفضائح التي تنسبها إلي كايو ، وهذه خلاصتها :

١ - ان كايو لم يكن يري في جميع أعماله العمومية إلا إلي جمع المال لنفسه ، وانه لم يكن يتورع عن التدخل في أعمال البورصة ومساعدة اعوانه واصدقائه في الاستفادة من تقلباتها .

١ - ان موقفه في المفاوضات المتعلقة بالمسألة

المراكشية مع ألمانيا كان موقف تفريط وخيانة وانه عمد إلى مفاوضة المانيا بطريقة سرية للتنازل لها عن جزء من الكونغو الفرنسي نظير تنازلها عن دعاويها في مراكش .

٣ - أنه ما كاد يلي وزارة المالية في مارس سنة ١٩١٣ حتى بادر بالعمل على معاونة صديقه الآفاق " روشيت " ، واستطاع بنفوذه وتدخله لدى النيابة العمومية والقضاء أن يعمل على تأجيل قضيته الجنائية اشهرا حتى استطاع روشيت ان يفر من قبضة العدالة . وقد صرح مسيو جوريس النائب الاشتراكي ، ورئيس لجنة التحقيق في مسألة روشيت ، باستيائه من التدخلات الرسمية في الإجراءات القضائية . ومع أن فضيحة روشيت المالية وقعت في ابربل سنة ١٩١١ ، فقد لبث كايو يسعي إلي تأجيل قضيتها حتى تسقط بمضي المدة ، أو يفر روشبت ، وهو ما حدث بالفعل

٤ - أن كايو بصفته مديرا للبنك العقاري بالقاهرة ) اي لمركزه العمومي بباريس ( طرح اسهم هذا البنك في البورصة ، واجتني من وراء ذلك ارباحا طائلة ، وانه اضاع أموال العمال وأموال الاقتصاد الوطني ، وساعد الافاقين على اغتيالها .

تلك خلاصة المقال اللاذع الذي نشرته الفيجارو ، والذي بلغ فيه محررها كالميت الذروة في النيل من كايو ومن نزاهته وسمعته السياسية ، ولم يك ثمة ما يدل على ان كالميت قد أفرغ كل ما في جعبته من المطاعن والسهام المسمومة ؟ وكانت الفيجارو تطلع كل يوم بطعنة جديدة ، وكانت زوج الوزير تضطرم حفيظة وسخطا لتلك الحملات الهدامة لمكانة زوجها وحياته العامة والخاصة ، وتحاول ان تجد الوسيلة لدرء هذه الطعنات القاتلة ولما نشر كالميت مقاله الجامع في اتهام الوزير ، اعتزمت مدام كايو أمرها ، واشترت مدسسا في خفية عن زوجها ، وتمرنت على إطلاقه ؛ ووصلت المأساة إلى ذروتها في يوم ١٦ مارس حينما خر

كالميت صريعا برصاص الزوج المنتقمة حسبما قدمنا

وعلى أثر وقوع الجريمة اضطرب الرأي العام الباريزي واعتقلت مدام كايو وأودعت سجن الحقانية ؛ وشيع جناز كالميت في ٢١ مارس ، وشهده جمهور غفير من علية القوم ، ووقعت اثناء الجناز وبعده مظاهرات عديدة ، واستمرت العاصمة أياما في هرج ومرج ؛ واستقال مسيو كايو في الحال من وزارة المالية ، وندب البرلمان لجنة للتحقيق فيما اثير من الوقائع والفضائح ، وعرضت نتيجة التحقيق على المجلس ، وأسندت فيه أمور كثيرة إلي الوزير المستقيل وبعض زملائه السابقين ، وأصدر المجلس في حقهم قرارا باللوم بعد مناقشات عاصفة ، واستمر الآفق السياسي  على تجهمه بضعة أسابيع حتى انتهت الدورة البرلمانية القائمة ، وبدأت الانتخابات للمجلس الجديد .

وكشف التحقيق مع الزوج القاتلة عن كثير من الوقائع والمثالب المؤلمة . واعترف   مسيو مونيس وزير العدل في التحقيق بأن كايو رجاه في العمل على تأجيل قضية روشيت خشية أن ينفذ محاميه تهديده بإثارة بعض الفضائح الرسمية ، وانه نقل هذا الرجاء إلي مسيو فابر النائب العمومي وأيد كايو وزير العدل في هذا الاعتراف .

وبدأت محاكمة مدام كايو في ٢٠ يولية سنة ١٩١٤ ؛ وكان مسيو كايو بالرغم من وقع الحادث المروع الذي ارتكبته زوجه ، وبالرغم مما ثار حول اسمه ومكانته من الضجيج قد تقدم للانتخابات الجديدة وفاز فيها ؛ وكان يعمل جاهدا لكي يسبغ على هذه المحاكمة الجنائية لونا سياسيا عميقا ، وكان يحشد حوله بعض الصحف ويغذيها بحملات سياسية ظاهرة الوحي ؛ وغدت محاكة مدام كايو يومئذ اعظم حوادث العصر ، ولم يحجب من رنينها مصرع الارشيدوق فرديناند ولي عهد النمسا والمجر في سيراييفو ، ولا ما بدا على اثره من انحدار اوربا نحو

هاوية الحرب بخطى سريعة .

وتولى الدفاع عن الزوج القاتلة الأستاذ لابوري وعن أسرة كالميت الأستاذ شي chenu وسمح لجمهور من سيدات الطبقة الرفيعة بشهود المحاكمة من وراء حاجز حديدي ، وشهد النائب العمومي المحاكمة بنفسه ممثلا للأتهام ، وقالت مدام كايو في بدء ، المحاكمة إنها لم تقصد  القتل ولكنها قصدت معاقبة القاذف وإرهابه ، وقال مسيو كايو إن نهجه في حياته الخاصة قد يكون السبب في وقوع الحادث ، ولكنه دافع عن نفسه وعن سياسته دفاعا رنانا ، وقال بأن خصومه كانوا يهددونه بنشر وثائق تقضي علي سمعته ومكانته . وحدثت أثناء الجلسة مناقشة عاصفة بين الوزير وبين مسيو لازاروس مدير إدارة الفيجارو ، إذ زعم ان مسيو كالميت اطلعه على أوراق تؤيد خيانة كايو ونذالته ، ولما الح كايو في طلب هذه الأوراق ، أعلن النائب العمومي أن الوثائق المزعومة ليست سوي صور من اصول غير موجودة ؛ واتهم كايو جريدة الفيجارو بأنها كانت في خدمة ألمانيا وأنها تتقاضى أموالا منها .

وسمعت المحكمة أقوال كثيرين من محرري الفيجارو ؛ وكان من شهود القضية القصصي الكبير بول بورجيه والكاتب المسرحي هنري برنشتين . وادلت مدام جويدان زوجة كايو الأولى بأقوالها ، فروت قصة الرسائل الخاصة التي سرقتها من مكتب زوجها السابق المسيو كايو ، والتي نشرت الفيجارو بعضها ، وأبت أن تقدم أصولها إلي المحكمة ولكنها قدمت صورا فوتوغرافية منها إلي الاستاذ لابوري ، فأبي بدوره ان يقرأها ؛ وكانت هذه الرسائل التي تبادلها مسيو كايو مع خليلته مدام كلارتي ، وهي التي غدت زوجه فيما بعد ، ثم غدت بطلة القضية ، مستقي خصيبا لمحرر الفيجارو فيما كان يكشفه من اسرار حياة كايو الخاصة وعلائقه الغرامية .

واستمرت المرافعات في القضية اسبوعا ، واستعرضت خلالها أبشع الصور عن فساد الحياة الفرنسية العامة وفصائحها المثيرة ؛ ولم يتورع الأتهام  أو الدفاع عن أن يلطخ بالعار والإثم كل شخصية تناولها مهما كان مقامها أو مكانتها ، ما بين وزراء ونواب وكتاب من جميع الأحزاب ؛ ولم تحدث الوقائع المادية الحاسمة أثرها في هيئة المحلفين كشراء مدام كايو المسدس الذي ارتكبت به الجريمة ، وتمرنها على إطلاقه ، وكذلك المذكرة التي كتبتها إلي زوجها ننبئه بأنها ستأخذ حقها بيدها ، ولم يتأثر المحلفون بما في ذلك من عمد ظاهر وسبق إصرار علي ارتكاب الجريمة ؛ وغلبت الدعاية السياسية على جو المحكمة ، وقضي الأستاذ لابوري بدفاعه الرنان الساحر علي كل عنصر للإدانة . وفي يوم ٢٩ يوليه أصدرت المحكمة حكمها ببراءة مدام كايو خلال مناظر عاصفة ؛ وما كادت الزوج القاتلة تسمع الحكم ببراءتها حتى سقطت مغميا عليها بين ذراعي محاميها ، واشتد الضجيح والهرج في ساحة الجلسة وامتزجت أصوات الهاتفين لكايو بهتافات   ياللقاتل وأمثالها ؛ واشتد اضطراب الرأي العام الباريزي وعادت المظاهرات السياسية أشد مما كانت ، تهتف بعضها لكايو وللإشتراكيين ، ويهتف البعض الآخر للملكيين والوطنيين .

وجاء هذا الحكم دليلا جديدا على انحلال القضاء الفرنسي وتأثره بالاعتبارات السياسية ، وخضوعه الواضح لوحي السلطة التنفيذية . ولم يمض يومان على ذلك حتى سقط الزعيم الاشتراك جان جوريس قتيلا برصاص قاتله رأول فيلان ، وهو جالس في بعض مقاهي باريس   ٣١ يوليه   فازداد الرأي العام اضطرابا ، وكان الأفق الدولي المتجهم خلال ذلك ينذر فرنسا وأوربا بالويل : كانت الحرب الكبرى على الأبواب .

اشترك في نشرتنا البريدية