قد يكون من الصعب أن يتحدث ناقد عن ماهية الألوان الفنية ، وبيان طبيعتها وحقيقتها ، فغير قليل من الغموض يحوط صناعتها ، ويقف بيننا وبين معرفة أسرارها . غير أن من واجبنا دائما أن نحاول الكشف عن هذه الأسرار وإذاعتها ، حتى نحقق لأنفسنا فهما دقيقا ، أو على الأقل فهما واضحا بالفن وطبيعته وطبيعة صناعته . ونحن لا نرتد في هذا الصنيع إلى فكرة التعريف ، فعقلية العصر الحديث لا تؤمن بتلك الفكرة التى سرت من التحديد المنطقي واللغوي ، والتي تراها قاصرة عن بيان حقائق الأشياء وطبائعها ، إنما يؤمن العقل الحديث بالتحليل الذي يقوم على التقسيم والمقارنة ومعرفة الخواص والصفات معرفة دقيقة ، ولكن كيف نحلل الألوان الفنية ، وما وسائلنا إلى ذلك ؟
إن هذه الألوان تختلف باختلاف الفنون ، فألوان فن كالرسم ، ليست كألوان فن آخر مثل الشعر : الأولى يمكن أن تنظر وأن تحدد وتعين بمكان خاص ولوحة خاصة ، ولذلك كانت دراسة الألوان في الرسم دراسة واضحة قد عرفت أصولها واكتشفت رسومها ، أما ألوان الشعر فلا تزال مبهمة لما تتضح أوصافها وشاراتها ، لأنها لا تتقيد بمكان من لوحة تبصرها ، إنما تشيع في زمان ممتد واسع تنبسط فيه صورها وأصباغها التي تفترق بإفتراق المناظر والمواطن ، كما تفترق زرقة وحمرة وخضرة ، فإذا الباحث حائر يريد أن يجمع اللون في حيز معين ، فيستعصي عليه إذ يراه يهتز في أزمان واسعة ، ما تزال تصبغ حواشيه فيها بتلونات تغير في إطاره أو في داخله تغيرات تنفذ به إلى ما لا يحصى من أصباغ ، تقع بين طرفي اللون الفاقع والباهت . ليس من السهل أن نحدد اللون في الشعر ، فاللون
يكون على ألوان مختلفة ، أو كما تريد أن نصطلح يكون على أصباغ مختلفة ، فله تلوناته التي تراها داخل ورقة من شجرة لا تكون في جميع جوانبها بصبغ واحد ، بل له تلوناته التي تراها داخل اللون في الطبيعة ، يكون على صور وأشكال مختلفة ، مختلف باختلاف مناظره ومواطنه ، كما تختلف باختلاف أوضاعه ، وما ينعكس عليه من أشعة وأضواء ، فإذا هو يتحول عن لونه ، أو بعبارة أدق عن صبغه ، إلى صبغ جديد مخالف . غير أن تلك الحقيقة الكبرى التي نوشك أن تجعل ألوان الشعر غير منحصرة ولا محدودة ، بحيث يستطيع الباحث أن يحللها تحليلا دقيقا ، ينبغي أن لا نولي وجوهنا عن غايتنا ، بل ينبغي أن تستعين بها على خبيء هذه الألوان ومستورها ، فنحن إنما ندير أبصارنا من الشعر إلي الطبيعة ، حتى نعرف أن الصحيفة لا تتبدل ، وأن من الممكن أن نطبق ما نعرفه في إحدي الصحيفتين على الأخرى دون أن نقع في حيرة أو اضطراب . ولعل أول ما نلتفت إليه من ذلك أن الألوان في الشعر يمكن أن تنقسم - كما تنقسم في الطبيعة - إلي ألوان زاهية وأخري قاتمة
أما الألوان الزاهية فهي التي توجد في الشعر دائما هي الألوان الذاتية البهيجة التي زينه بها الصانع الأول ، واقترحها يوشي بها أجنحته ، حتى نضيء بتلك الألوان الخالدة التي ينبع بعضها من التصوير وبعضها من الموسيقى . هناك إذا في الشعر ألوان متأصلة توجد فيه دائما مهما تكن لغته ومهما يكن موطنه ، ومهما تختلف أدواته ووسائله ، وهي ألوان تستمد وجودها آونة من الأشباح التي تحدث حركة دائمة في الشعر ، وآونة أخرى من الأصوات التي ما يزال الشاعر يؤلف بينها وينسق ، حتى لتتحول جوانب منها إلى ما يشبه إيقاعات الرقص ، فالألفاظ تتشابك وكأنها تريد أن تتعانق ، ذاهبة رائحة في موازنات ومعادلات غريبة وأما الألوان القاتمة فليست من طبيعة الشعر ، ولا من
جوهره ، ونقصد بها تلك الألوان التي تتسرب إليه من الفلسفة أو الثقافة ، فهي ألوان ليست فنية ، وليس من طبيعتها أن تكون زاهية ، ليست كالألوان الأولى . هي ألوان من نوع مخالف ، هي ألوان فلسفية او هي ألوان ثقافية ، وهي لا تصيب الشعر بآية من جمال إلا حينما يأخذها شاعر ممتاز ، ويحولها من ألوانها الأصلية إلى ألوان جديدة يجعلها ألوانا زاهية أو ضاربة إلى الألوان الزاهية : يخرج ما فيها من قتمة ، ويحولها إلى ألوان فنية مفرحة
فالفلسفة تتحول إلى فن ، والتاريخ يتحول كذلك إلى فن ، وكل نبع ثقافي يتحول إلي نبع فني ، تضيء مياهه بألوان غريبة ، ليست هي ألوان القاع الذي جاءت منه ، إنما هي ألوان الوادي الذي تتحول إليه والذي يحيلها إلى بدع جديد ، فإذا هي تتراءى علي أشكال غير أشكالها ، وتنقلب إلى صور غير صورها ، تنقلب إلي عجب من الفن والتصوير ، على تلك الشاكلة التي نرى فيها السحاب القاتم حينما يصبغ بحمرة الشفق فتلتمع ألوان بهيجة في كسقفه وحواشيه
والألوان في الشعر كما تختلف هذا الاختلاف العام من زاهية وقاتمة تتحول عن صورتها ، كذلك تختلف في نفسها بحسب ما يصيبها من ألوان أخرى تتعلق بها فإذا هي غير شياتها وألوانها . وكما أن اللون يتحول عن شكله حين يمر في ضوء صناعي أحمر أو أزرق او أخضر ، فكذلك اللون في الشعر يختلف في ثوبه أو في صبغه ، حين عمر في ثقافة جديدة أو في مدينة جديدة . وكم من لون ذاتي التف عليه أو حضنه لون ثقافي أو فلسفي ، أو دار معه دورة على أي شكل أو أي وضع فإذا هو غير صورته المألوفة . وأنظار في اون الطباق المعروف ، فقد ص في ضوء صناعي من الفلسفة عند أبي تمام ، فاستحال إلى لون مخالف ، استحال إلى لون التناقض . وهو لون قائم ، غير أن أبا تمام عرف كيف يحوله إلى لون زاه من ألوان الفن الزاهية ، واقرأ هذا البيت في بعض ممدوحيه :
صيغت له شيمة فراء من ذهب لكنها أهلك الأشياء للذهب
فستجدك أمام تفكير غريب ، شئ يهلك نفسه ، بل هو ذهب يهلك نفسه هذا الهلاك الغريب الذي يستخرجه أبو تمام بقانون التناقض ، فإذا هو يعبر عن ممدوحه بصورة متناقضة ، ولكنها صورة ذهبية تخلد في نفوس السامعين لغرابتها وما بها من لمعان الذهب ، بل من لمعان الفلسفة والفن . وانظر إلي قوله :
بيضاء تسري في الظلام فيكتسي
نورا وتسرب في الضياء فيظلم
أرأيت إلى هذا التناقض وهذا الضياء للظلم ؟ إن حقائق الأشياء تتغير في شعر أبي تمام تغير هذا الضياء ، وإنه لضياء غريب لا يستطيع شئ أن يعبر من فتنته إلا أن يعود أبو تمام فيتصور السحر كأنه ضحى إذ يقول في الربيع :
لما بكت مقل السحاب حيا
ضحكت حواشى خده الترب
فكأنه صبح تبسم عن
سحر ضئيل في ضحى شحب
وعلى هذا النمط ما نزال نرى أبا تمام ينقل النهار إلى الظلام والظلام إلى النهار ، ويستخرج من ذلك ألوانا متعاكسة ، مخرجنا من أوقاتنا التي تقيدنا ، وتطلقنا من عقال أمكنتنا ، وتجعلنا نتحرر في داخلنا من كل ما يتعلق بنا . وانظر إليه إذ يقول :
مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من النضارة يمطر
أرأيت إلى هذا المطر الذي يمطر صحوا ، وهذا الصحو الذي يكاد يمطر مطرا ؟ ثم أرأيت إلي هذه النضارة الخاصة التي توشك أن تجعل الصحو يمطر ؟ إنها نضارة غريبة يعرف عقل أبي تمام كيف يحيلها إلي هذه الصورة من الحياة والمطر . وإن كنت تعجب من هذه النضارة للمطرة ، فارجع إلى شعره تجد نضرة أخرى شاحبة لعلها لا تقل عنها غرابة إذ يقول :
رب خفض تحت السرى وغناء
من عناء ونضرة من شحوب
فالنضرة قد تكون زاهية ، وقد تكون باهتة ، ويستخرج أبو تمام من أحوالها صورا متناقضة ؛ فإذا هو يهيج مشاعرنا ، وينفخ في أرواحنا وعقولنا بهذا البوق الغريب من التناقض أو الطباق ، وما أصابه من نقاهة الفلسفة
ونحن نعود فنلاحظ من طرف آخر أن اللون لا يتكرر في صورة من صوره ، فمهما تراكمت أوضاعه وأصباغه ، فلن تجد وضعا ولا صبغا مكررا . وكما أن الزمان لا يعود وإنما يمتد ، كذلك اللون في الشعر لا يعود وإنما يمتد ، وهو أثناء امتداده تتغير أصباغه وأوضاعه بحسب ما يمر فيه . وإذا كنا نري منظر المياه يختلف بإختلاف ما يقع عليها من حركات ، وما يعلوها من زبد وأمواج ، والمياه واحدة لم تتغير ، فكذلك اللون في الشعر دائما يتحرك هذه الحركة ، فإذا هو يري متموجا ، أو متقوسا ، أو منحنيا ، أو في شكل دائري أو كروي ، إلى ما لا يحصي من صور وحركات لا سبيل إلي حصرها أو ضبطها ، إلا إذا استطعنا أن نحصر أو نضبط الأشكال المتعاقبة لأمواج ما تزال بين صعود وسقوط على ساحل تختلف مناظره باختلاف ما يستقبل منها ، وما يقبل به من تلقاء نفسه عليها .
اللون في الشعر غير منحصر لا نستطيع أن نحدده ، أو نعينه ، إذ يتراءى في كل منظر وفي كل موطن بأوصاف تختلف باختلاف المناظر والمواطن ، وما يتشح به ، من ألوان أخرى ، قد تطوقه أو تنطقه أو تقع في ذروته ، أو في حاشيته . ليس في الشعر لون مادي جامد ، فاللون فيه دائما لون سائل ، كلما مر على عنصر أو طبيعة مغايرة من الفكر تحول عن شياته وسماته إلي أوساط لا تحصي من الألوان والأصباغ
وأنت تستطيع أن تعود إلى تلك الألوان الكثيرة التي اصطلحنا عليها ، والتي تقوم أسماؤها بيننا وبين رؤيتها
في حقيقتها ، وتطبق عليها هذه الفكرة ، فإنك ستراها تأخذ أشكالا جديدة في نفسك ، ولن نصاب بعقم ولا جمود بعد اليوم ؛ بل ستفهم هذا الجانب الفني في صناعة الشعر فهما لا أزعم أنه دقيق ، ولكني أزعم أنه يكشف لنا عن جوانب لم نكن نحسن النظر فيها ، وكنا قد ألفنا أن نفكر بالاسم والتعريف ، لا أن نفكر بالعقل والتحليل ، فاذا اللون في الشعر يطوي منا ، وإذا هو يدور في أوعيته بعيدا عنا وعن أنظارنا التي قلما علق بها شيء منه ومن أصباغه وأوضاعه
