اهتدت الفلسفة الحديثة، مسترشدة بالكشوف العلمية ومعتمدة على استقراء التاريخ، وتمحيص الواقع المادي، إلى كنه النهج الذي ينهجه عالمنا الأرضي في تطوره. وإذا استثنينا الجامدين الذين صرفهم التشبث بالقديم عن إدراك الحقائق التي تنكشف يومًا بعد يوم على ضوء تقدم العلم وازدهار المعرفة، نجد أن الرأي قد استقر على التسليم بالحقيقتين التاليتين :
الأولى: أن كل ما حوى عالمنا الأرضي من حيوان ونبات وجماد، ومن معتقدات ونظم ومثل، متحرك متغير متجدد لا يستقر لحظة على حال. وأن حركته قد تدق فتخفى، وقد تبدو واضحة للعيان. وأنها تبطئ أو تسرع وفق الظروف والملابسات. وقد سبق لنا أن أفضنا في شرح هذه الحقيقة مسهبين في فصل سابق.
والحقيقة الثانية: أن التطور لا يحدث إلا لأن كل ما في الوجود، سواء في ذلك المادي منه والمعنوي، يشتمل على نقيضين متعارضين؛ يحاول الأول منهما، وهو الموجب أن يمنع التطور، ويستبقى الحال على ما هي عليه. بينما يعمل الثاني، وهو السالب، على استهلاك مضمون تلك الحال وإحلال مضمون آخر محله. وقد ضرب هجل مثلًا لذلك عملية التفريخ التي تستهلك المضمون القديم وهو مضمون البيضة، لتخرج بمضمون جديد وهو الفرخ أو الكتكوت
ومن الواضح أن التطور لا يتم بهذه الوسيلة إلا إذا سارت الأمور في مجراها الطبيعي دون أن تعتورها قوة عارضة أجنبية تؤثر في التطور أو تحوله إلى وجهة أخرى والتطور الذي يتم على الوجه الطبيعي ديناميكي تلقائي، أي يتم بنفسه مدفوعًا بالنقيض السالب الكامن فيه، وإلا فهو ميكانيكي، أي مدفوع بقوة أخري أجنبية تدفعه إلى طريق
لم يرسم له من قبل، ويكاد التدخل الأجنبي ينحصر في سعي الإنسان للاستفادة من خيرات الطبيعة، أو للتسلط عليها وتسخيرها في سبيل تحقيق غاياته؛ فالشجرة التي تثمر تتطور هي وثمارها تطورًا طبيعيًّا، فإذا اقتلعها الإنسان لينتفع بخشبها، فإن تطورها يصبح رهنًا بمشيئة مقتلعها..
وإذا حال ضيق المجال بيننا وبين الاسترسال في شرح نظرية التطور المركبة المتعددة الحواشي، فإننا نرجو أن يجد القارئ في كلمتنا الموجزة عنها ما يعينه على فهم ما نحاول بيانه في هذا المقال. فنهضتنا الأدبية المعاصرة تنطوي على النقيضين المتصارعين الكامنين في الموجودات جميعًا. ومن الواضح أن نقيض نهضتنا الموجب هو الذي يحاول استبقاءها على ما هي عليه دون أن يعتورها أي تغيير، والنقيض الموجب هو الذي يدفعها إلى الأمام فيقع بذلك التطور.
ويخطئ من يظن أن نهضة أوربا الأدبية قوة أجنبية حولت تطورنا عن مجراه الطبيعي إلى مجرى آخر شاءت له، لأن النهضة الفكرية الأوربية وليدة التطور الإنساني العام الذي يرفع مشعله مجتمع بعد مجتمع، وتحاول الشعوب ذات الوعي أن تستضيء به وتشترك في حمله، ونحن لم نحاول الاسترشاد بالأدب الأوربي في سبيل النهوض بأدبنا إلا بعد أن تفتح الطريق بيننا وبين الغرب، فتطلعنا إلى أولئك الذين ساروا شوطًا بعيدًا في مضمار التقدم، وأخذنا نهتم أول الأمر بما بهرنا من مظهرهم الحضاري. وطفقنا ندرس من علومهم ما يمكننا من إحاطة أنفسنا بمثل ذلك المظهر، فشيدنا دور التعليم العالي، ثم دور التمثيل، ثم المنشآت ،الثقافية المختلفة، واتسعت مدننا، وتطورت طرق معيشتنا وتطورت معها عقليتنا. وسادت مجتمعاتنا المتقدمة في تلك السبيل معتقدات جديدة، ومثل جديدة. فكان من الطبيعي
أن نتطلع بعد ذلك إلى أدب تلك البلاد التى اقتبسنا منها ما اقتبسنا من علوم وأفانين ؛ فالتلفت إلى أوربا جاء طبيعياً ، والتطور الذى أعقب ذلك التلفت طبيعى كذلك ؛ وعلى هذا تكون نهضتنا ديناميكية تلقائية ، وليست نهضات الأمم الأخرى إلا ظروفاً وملابسات تعيننا على سرعة التطور .
على أن الباحث المدقق يستطيع أن يتبين ظاهرة اختصت بها نهضتنا المعاصرة ، هي بعد الشقة بين النقيضين اللذين تشتمل عليهما ، فالطليعة التى تحاول اللحاق بالركب الحضارى العام قد قطعت شوطاً واسعاً فى ذلك المضمار ، فبعدت المسافة بينها وبين النقيض الذى يحاول ما استطاع أن يتشبث بالوضع الذى ألفه ، وأسفر ذلك التباعد عن التخلخل الذى اعتور نهضتنا فلم تجد طريق التقدم سهلاً معبّداً .
وقد كان شيوخ أدبائنا المخضرمين يقومون بمهمة تعبيد الطريق ، وكانوا المرشد الوحيد الذى يستطيع أن يقود معسكر الرجعية إلى المعسكر المتقدم ، ولكن اهتمام هذين المعسكرين بهم ظل يضعف بنسبة اتساع الخلف بينهما ، أى بين المعسكرين ، ولم تلبث طليعة النهضة أن اتهمتهم بالرجعية ، وكذلك لم يلبث المعسكر الرجعى أن اتهمهم بالانحراف عن الطريق القويم ، ويرجع تقلص سلطانهم إلى انقطاع الصلة بينهم وبين الواقع . فقد وقفوا فلم يسايروا الزمن الذي بدل فى نظرهم وجه الحياة فأنكروه . واعتادت أقلامهم فى العهد الأخير أن تخوض فى مباحثات جدلية لا تستهدف إلا إظهار البراعة المنطقية المجردة ، أو أن تعبر عن عواطفهم الخاصة ، وخواطرهم التى تعن لهم أثناء تثاؤبهم فى أوقات الفراغ ؛ فهم يفتقرون إلى الوعى السليم لما يدور حولهم ، وما يجدّ من معتقدات ، ومن اتجاهات فكرية وعاطفية ؛ فإذا استطاعوا أن ينتبهوا لهذا ، سهل عليهم أن يرسموا طريق التطور فيعينوا النقيض المتأخر على سلوكه ، ويعينوا الفريق المتقدم على الإسراع في الخطى ، ويصبحوا عاملاً فعالاً فى نهضتنا المعاصرة .
وإذا أنكر علينا منكر صحة ما نقول ، فإننا نستشهد بكاتب برّز على غيره من كتابنا المعروفين ، باتباعه الطريق القويم الذى نقول به . ذلك هو طه حسين الذى لم يدفع
بقلمه إلى خوض معترك التطور إلا بعد أن خاض ذلك المعترك بنفسه ؛ فنظرة إلى حياته التى صورها لنا فى كتابه " الأيام " تدل على أن تلك الحياة كانت صورة مصغرة لحياة الأمة المصرية في العهد الأخير . . اشتملت حياة ذلك الأديب الكبير على نقيضين اشتبكا فى معركة حامية الأوار ، انتهت بتغلب النقيض المتقدم على النقيض المتشبث بالقديم ، ودفعت بصاحبها إلى مركز الصدارة من الطليعة الناهضة ، ولم يغب على صاحب هذه الحياة الفذة أن يصورها بقلمه المبدع ليرى قراؤه طريق التطور السريع واضحة المعالم أمامهم ، فيشجعهم ذلك على سلوكها ؛ لقد تعاونت حياته مع آياته الفنية على حفز هذه الأمة إلى الأمام ، لا بالوعظ الأجوف ، أو باللفظ الطنان الذى يرمى إلى إشعال الحمية المصطنعة ، ولكن بدفع النقيض المتقدم إلى الأمام ، وبالتعبير عن الحياة الحية المتطورة تعبيراً يتغلغل إلى الصدور ، ويسرى في الدماء ، فيدفع الركب الحضارى إلى الأمام ؛ وإننا لم نعد ندرى أأمنيتنا أن يعود ذلك الزعيم الأدبى إلى تناول القلم سريعاً ليواصل المهمة التى لم يستطع غيره أن يسد الفراغ فيضطلع بها من بعده ، أم أن يبقى شاغلاً لمركزه الخطير حتى يستطيع بمواصلة جهوده التعليمية أن يتم تبديد غشاوة الجهل التى رنت على عقول شعبنا الذى عانى ربقتها آماداً طوالاً . .
ونعود إلى مناقشة رأى الذين لا يزالون يتشبثون بضرورة ابتعاد الأدب عن معترك الحياة ، واقتصاره على اصطياد الصور الجميلة وتسجيلها . يقول هؤلاء إن الأديب الذى ينزل إلى ميدان الحياة ليعبر بقلمه عما يدور فيها من أحداث يخلط بين مهمة الأدب ومهمة الصحافة . فعلى الأدب في حالة اهتمامه بحياة الناس أن يعالج مشكلاتها العليا ، ثم يترك مشكلاتها اليومية للصحافة . ويبدو أن الذين يقولون بهذا الرأى قد غفلوا عن حقيقة لا يحتاج ظهورها إلى تفكير طويل . وهي أن المشاكل العليا التى يتحدثون عنها لا وجود لها. إذ مشاكل الإنسانية هى المشاكل الواقعية التى تحدث كل يوم ، وهى دائمة التغير والتبدل ، ومهمة الصحافة أن تسجلها تسجيلاً حرفياً أو فوتوغرافياً . أما الأديب الموهوب فهو الذى يستطيع أن يختار من تلك الأحداث اليومية
ما يدل على الاتجاه الفكرى المعاصر ، ومدى تقدمه . . وألمعية الأديب تظهر فى إدراكه للمغزى العام الذى تشتمل عليه الواقعة التى اختارها موضوعاً لكتابته ، وفى قدرته على التعبير عن ذلك المغزى بأسلوب فنى جميل حى غير مشوب بالحذلقة والصنعة والادعاء.
وقد يقال إن خواطر الأديب وخوالجه ليست إلا خوالج طبقته وخواطرها ؛ فهو إذا عبر بصدق عما فى نفسه فلا يعبر إلا عن طبقته . ونحن لا ننكر وجاهة هذا القول ، ولكنه يصدق على الأديب الجامد الضيق الأفق ، لأن الإنسان ابن جيله قبل أن يكون ابن بيئته أو ابن طبقته . وهو إذا اتسع وعيه ، ورق حسه ، لم تستطع بيئته أن تصرفه على الاهتمام بسواد أمته ، فإذا ازداد اتساع وعى ودقة إحساس ، تجاوز اهتمامه نطاق أمنه وامتد إلى الإنسانية جمعاء . وهو إذا ارتبط بيئته جمد ، ولم يستطع مسايرة ركب التقدم . أما إذا حطم تلك القيود فهو قمين بأن يخلق الأدب الإنسانى الحيّ المفيد .
إن الأدب الذى يعبر عن انفعال صاحبه لأسباب خاصة به ، أو يسجل خواطر صاحبه المنطوى على نفسه في عزلته ، ولا يكون لتلك الخواطر أو ذلك الانفعال مغزى عام أو سبب عام ، إن مثل هذا الأدب فردىّ لا تتجاوز قيمته قيمة قائله وهو فرد من الناس ، منفصل عن المجموع ، يتهدده الفناء من كل جانب مهما عز جانبه وسمت مكانته . ولا يهم أن يتحلى ذلك الأدب بعذوبة اللفظ وطرافة المعنى، وأن يقبل عليه أفراد مرت بهم تجارب خاصة شبيهة بتجارب قائله ؛ ذلك لأن الشعوب بدأت تستيقظ ، وهى لن تسمح بعد اليوم لأدب بالخلود إلا إذا شاركها صاحبه فى أحزانها وأفراحها .
أما الأدب الذي ينفعل صاحبه بانفعال أمته ، ويشاركها فى اتجاهاتها الفكرية ، ويعمل على تحقيق تقدمها ، فهو أدب يضاهى فى قوته وعمقه وقيمته قوة أمة بأسرها وعمقها وقيمتها ، وهو خالد لأنه متصل بحياة تلك الأمة ، والأمم لا تموت .
أنا لست إلا غرس مجتمعى
فعقائدى منه وتفكيرى
إن خلت فيض العقل من يدعى
فهو الغرور أضَلّ تقديرى
في عزلتى أنا حائر عانٍ تنتابنى أوهامُ مخمور
في عزلتى أنا بائس فانٍ متعثر فى قيد مقدورى
لكننى إن هفت أوهامى
وخرجت من ذاتى إلى الخلقِ
فَنِيت تباريحى وآلامى فى الحرب بين الظلم والحق
وإذا حطمت قيود أطماعى
وخرجت من ذاتى إلي الناس
كابدت من منع وأوجاع ما كابدوا. . فانداح إحساسى
أنا فى سبيلك أيها الشعب أعرضت عن لهوى وعن متعى
أنا بين جمعك ماردٌ صعب أنا قوة فى بحر مجتمعى
فإذا انفصلت أمضنى ياسى
وغدوت وحدى قطرة صغرَى
وإذا اتصلت بسائر الناس أصبحت فى مجموعهم بحرا
أنا قطرة إن عقت مجتمعى أنا قطرة مهما تساميت
أفنى ويفنى ما اعتنقت معى ويموت ما قدست إن مت
لكني إن عشت للناس وطويت أفراحى وآلامى
فعقائدى المثلى وإحساسى ستعيش بعدى بين أقوامى
سأعيش بين الصحب والشيع سأعيش فى مثلى وأفكارى
سأظل إن شاركت مجتمعى حياً وإن أفنيت أعمارى
حِسِّى وفكرى خالدان به إن عشت جزءاً منه موصولا
وأنا هباء فوق غاربه ما دمت فرداً عنه مفصولا

