ما هنالك
إذا أردت أن تعرف ما تعمله قوة العلم وقوة المال وقوة الإرادة . فاسمع واحكم :
في 15 نوفمبر سنة 1908 ضمت مملكة بلجيكا الصغيرة إلى أملاكها بلاد الكونجو الكبيرة . ومساحة بلاد الكونجو المستعمرة أكبر من مساحة بلجيكا المستعمرة ثمانين مرة . إن بلاد الكونجو علي اتساعها كان يسكنها أقوام همح . وبلجيكا على صغرها يسكنها أقوام لهم حضارة من الطراز الأول سمت بهم إلى مصاف أعظم دول العالم مدنية ، ازدهرت فيها العلوم والفنون . وراجت فيها الزراعة والصناعة والتجارة . وبها أشتات بلاد كثيرة . أعرق منها مدنية وأغزر مالا . وأنفد كلمة . وأعلى سلطانا . وأوسع أرضا وسماء .
عندما فكر ملك بلجبكا ليوبولد الثاني - جد الملك الحالي - في استعمار بلاد الكونجو ، كانت هذه البلاد غير معروفة وكان العلماء يسمونها " مجاهل افريقيا " لأنها واقعة في قلب أفريقيا . وكان الرحالة الأفرنج يسمعون بها ولا يعرفونها . فلما ملكها ليوبولد الثاني ملك بلجيكا لنفسه خاصة وأنفق عليها كل ثروته - من مخصصات ومجوهرات ومدخرات - أهداها في 15 نوفمبر سنة 1908 إلى بني وطنه . وكانت تقدر وقتئذ بثمانين مليونا من الجنيهات ذهبا وهاجا .
ولاستعمار واستثمار بلاد الكونجو أنفقت الحكومة البلحيكية والشركات البلجيكية 200,000,000 جنيه ذهبا فأصبحت الآن جوهرة في تاج الملك . وخطت خطوات واسعة في طريق العمران .
وإذا أردت الدليل بلغة الأرقام فهاكه : في البداية لم يكن في بلاد الكونجو مدرسة واحدة فأصبح فيها الآن 13,156 كتابا . تعلم وتهذب
وتثقف 461,607 من الأطفال . وفيها 700ر 4 مدرسة متوسطة تعلم وتهذب وتثقف 280,000 تلميذ . وفيها مدارس تجهيزية تعلم وتهذب وتثقف 3021 تلميذا وفيها مدارس كلية ، تعلم 4,477 تلميذا ، ومدارس صناعية ، تعلم وتدرب 5087 تلميذا . هذه هي المدارس الأميرية يضاف إليها مدارس أخري كثيرة تديرها معاهد علمية وجمعيات خيرية انشأت واحدة منها 900 كتاب ، تعلم . . 240,000 طفل و 200 مدرسة ابتدائية تعلم 40,000 تلميذ و 20 مدرسة للفنون والصنائع و 40 مدرسة ثانوية ومدارس أخري كثيرة تخرج ممرضين وممرضات تضم 1,400 طالب . . فما رأيك في هذه الحهود الجبارة وفي هذا الإصلاح العظيم ؟ بعد أن كان الواحد منهم لا يميز بين التمرة والجمرة أصبح منهم المهندس والطبيب والميكانيكي والشرطى والصيدلي وما إلي هذه المهن .
في بداية الاحتلال ما كان في بلاد الكونجو فدان واحد يزرع قطنا . ففي سنة 1928 بلغت مساحة الأطيان التي زرعت قطنا 284,000 فدان قفزت إلي 810,000 فدان في سنة 1943 وزراعة الأرز وثبت من لا شيء إلي 230,000 فدان . والنخأ من صفر إلي 250,000 فدان . والبن من العدم في سنة 1913 إلى 150,000 فدان . والكاكاو من 10,000 إلي 20,000 وبعد أن كانت بلاد الكونجو لا تصدر في سنة 1913 شيئا من القطن صدرت في سنة 1943 نحو 324,000 قنطار وبعد أن كانت تصدر طنا واحدا من البن في سنة 1913 صدرت 20,000 طن في سنة 1943 والسكر زاد تصديره من 9 أطنان في سنة 1918 إلى 12,000 والجوز قفز من 7,200 في سنة 1913 إلى 63,000 والزيت من 2000 والذرة من لا شئ إلي12,000 طن 96,000 والشعر اللازم للعمليات الجراحية من لا شئ إلي 1,500,000 قطعة ، وهكذا .
أما المعادن فحدث عنها ولا حرج . فالذهب وصل
المستخرج منه 20,000 كيلو جرام بعد أن كان سواء والعدم . والماس الصناعي صعد بعد عشر سنوات من لا شيء في سنة 1913 إلى 2,500,000 قيراط ، ثم قفز إلي 5,000,000 ثم وثب إلي 7,500,000 إلى أن بلغ في سنة 1943 10,000,000والنحاس من لا شيء في سنة 1911 صعد بعد عشر سنوات إلي 50,000 طن ثم إلي 100,000 طن ووصل 150,000 في سنة 1943 . والقصدير لم يستخرج منه شيء في سنة 1915 فاستخرج منه 5000 طن في سنة 1925 ثم زاد تدريجيا إلي أن بلغ 10,000 في سنة 1930 و 15,000 في سنة 1935 وهو الآن 20,000 طن . فماذا نقول في هذا التقدم السريع الرائع؟ هذا عدا ما استخرج من المعادن الأخرى والمواد الأولية مثل السكر والراديوم والصمغ والكينا والكاوتش والغلال والأخشاب والكاكاو ، وعدا تربية المواشي وغيرها وغيرها وعدا المصانع التي تشتغل بالغزل والنسيج . وكل هذا لم يكن شيئا مذكورا .
ولتسهيل المواصلات مدت الحكومة البلجيكية سككا حديدية طولها 5000 كيلو متر بلغت نفقانها 50 مليونا من الجنيهات ، فكانت في جسم بلاد الكونجو كالشرايين في جسم الإنسان . وبنت قناطر وجسورا وطرقا وحفرت وطهرت ونظمت الترع على مدى 1,100 كيلو متر . والطرق الزراعية كانت في أول عهد الاستعمار لا تذكر فبلغ طولها 2,150 كيلو مترا في سنة 1918 ، وهي الآن 83,000 كيلو متر .
والطيارات تقطع سنويا ملايين الكيلو مترات ، فطائرات شركة سابينا وحدها قطعت في خلال هذه الحرب 2,600,000 كيلو متر منها 2,000,000 كيلو متر في الأعمال الحربية ، وبلغ مجموع ما قطعته طائرات الكونجو كلها 4,500,000 كيلو متر
وأصبح للكونجو أسطول جوي وأسطول نهري لخدمة الأغراض السياسية والحربية والتجارية والصناعية وعنيت حكومة الكونجو بالصحة العامة ، فشيدت
مستشفيات ومصحات وصيدليات ومدارس للممرضين والممرضات كما أنشأت معامل كيمياوية لصنع جميع أنواع المصل الواقي من الأمراض . وتدل الإحصاءات الرسمية على أن 5,000,000 من الأهالي عولجوا في عيادات خارجية ومستشفيات الحكومة وحدها تعالج مليون شخص كل سنة ، وقد بلغ عدد الذين دخلوا مستشفياتها في السنة الماضية 100,000 ، وبهذه العناية الفائقة تلاشت بعض الأمراض ، وقلت الوفيات ، وزاد عدد السكان بتحسن الأحوال الصحية .
وساهمت الملكة بنصيب كبير في تكاليف هذه المنشئات، كما ساهمت المعاهد العلمية والجمعيات الخيرية وبعض جامعات بلجيكا في الإعانات التي لزمت .
ولنشر لواء الأمن والعدالة ، أنشأوا دورا للمحاكم ودورا للسجون ، ومراكر للبوليس ومكاتب للبريد والتليفون والتلغراف السلكي واللاسلكي . وما كان شيء من هذا معروفا من قبل
وضمنوا للناس حرية الأديان والحرية الشخصية وحرية المعاملات وحرمة المساكن وحرمة الملكية . وبهذا انقطع دابر النخاسين وقطاع الطرق . وقل المجرمون والمتشر دون والعاطلون .
وكان من نتاج هذا العمران الباهر أن أقبل السياح على زيارة هذه البلاد - علي بعد الشقة وعناء المشقة - ينفقون فيها عن سعة . وكان التجوال فيها من قبل دونه . شيب الغراب
هذا قليل من كثير . والقليل دليل على الكثير . هذا ما عملته بلجيكا الصغيرة . أنفقت 200 مليون جنبه لتمدين أمم وشعوب وقبائل خيم عليها الجهل آلاف السنين ولتعمير بلاد تزيد 80 مرة على مساحتها ، فالله أكبر .
ما هنا
قارن بين ما عملته بلجيكا الصغيرة ) هنالك ( وما عملته مصر الكبيرة ) هنا ( تدرك الفرق بين ) نشاطهم وجهودهم ( و ) نشاطنا وجهودنا ( .
