" يجب على الزوج أن يعني بزوجته بقدر ما يعني جمله" سألتني إحدى الكاتبات القصصيات يوماً ما : على من يقع وزر الطلاق في أمريكا ، على الزوج أم على الزوجة ؟ فأجبتها : إن الوزر في الأعم الأغلب واقع على الأزواج . وهذا الحكم أساسه مشاهداتي في الأثنتي عشرة سنة الماضية . ثم إستطردت أقول : لو أن رجلاً يفكر في إستقصاء أمور معاشه لقلت حوادث الطلاق قلة ملحوظة ، فبان التفكير على وجه صاحبتي وقالت : إن ذلك لم يخطر ببالي . ويبدو أنك على حق .
وسواء أكنت على هدى أو في ضلال فإنه يتبين من الرسائل التي ترد إلى من الأزواج والزوجات الناقمين والناقمات على الزواج ، إن الرجل عندما يبني بزوجته
سرعان ما يتوهم أن زواجهما مكفول له الدوام والبقاء
وقلما يخطر بباله أن يحس نبض هذا الزواج ، أو أن يغمر فتاته ، أو أن يراقب سير نموه . حي إذا أحس ببادرة المرض ، بادر إلى علاج ما إعتل من بنيته ، فعاد موفور الصحة موفور الهناء .
وأنظر إلي هذا الزوج الذي قصصنا عليك قصته وهو في متجره ودكانه نجده إذا قل البيع بادر إلى التحدث مع شريكه ، ثم تعاون وإباء على تعرف السبب ، فإذا كان هذا من فعل المزاحمة والمزاحمين ، حاول هو وشريكه تحسين البضاعة وإتقان عرضها . فإذا غم الأمر عليهما إستعانا بالخبراء والناصحين ، وعملاً بما يشيرون وينصحون .
ولكن الواقع إنه إذا جف ماء الزواج ، وضوح نيته ، وعلمت الزوجة أنها لم تصبح إلاخادمة أو قهرمانة . وإذا ضاق الزوج ذرعاً بالحياة الزوجية ، صح في وهمه أن هذا هو المصير المحتوم لكل زواج .
ولكن لماذا أيها الزوج قد صارت زوجتك خادمة وقهرمانة ؟ ولماذا أصبحت ولا حديث لها إلا عن الأطفال والبيت ، والمؤونة من السمن والزيت ، وإلا عن حديث الجارة وما قالت وما فعلت ؟
وأين راحت تلك الفتاة الجميلة الحلوة ؟ وأين راح ذلك البريق واللمعان ؟ أيها الزوج : إنك لواجد تلك الفتاة مرة أخرى لو حاولت ، فنادها غداً ، وأنت في مكتبك ، وقل لها أن تدع الأطفال في البيت في رعاية واحدة من الأهل أو الخدم . وأن تجيء لمالاقاتك لكى تتغديا في المدينة ،
وكن أنت المضيف ، ولتكن هي الضيف ، وإذهبا إلى مطعم أنيق . ومر لها بالصنف الذي تحبه وتشتهيه . ثم إذهبا بعد ذلك إلى دار من دور السينما، أو إلى مسرح من مسارح التمثيل . ثم ذكرها بأيامها الخوالي ، يوم كانت فتاة حلوة ، ويوم كانت أكثر أخواتها مرحاً ومزاحاً ، ويوم كانت أرقصهن على وتر وصنج .
أيها الزوج : إن كل ما تطلبه منك " زوجتك " هو الإطمئنان إلى أنك ما زلت بها مولعاً مفتوناً ، وإنها لم تفقد فيك ذلك الفتى الهائم بها غراماً وحباً ، وعندئذ ترى في خدها حمرة الورد ، وتسمع منها تلك الضحكة التى كنت تحن إلى سماعها وتطرب .
أما أنت أيتها الزوجة فإعلمي أنك إذا أهملت التزين فقد أغريت زوجك بالنظر مرتين إلي أقرب وجه جميل . وقد يكون لا يعني شيئاً وراء النظرة البريئة . ولكنه يعني أنه قد ضاق ذرعاً ، وأنه قد مل النواء .
وإني لأرى من خلال رسائلي أن أمهات الأزواج من السبب الثالث من أسباب الخلاف بين الرجل وزوجته ، وهو خلاف قد يؤدي إلى الطلاق .
وأشهى ما تشهيه الأم هو أن ترى أبنها قد بلغ مبلغ الرجال . وأشهى أمانيها هو أن تصبح الفتاة التي سيتزوجها
واحدة من بناتها ، تستطيع أن تظفر بحبها ، وأن تكون قريبة إلى قلبها .
ولكنه عند ما يجيء ذلك اليوم ونرى الأم وقد فارقها وليدها ، وشاركتها في حب ذلك الوليد إمرأة أخرى فقد حل بساحتها الحزن المقيم المقعد .
والرأى عندى أنه إذا دب الخلاف بين الزوجة والأم فعلى الزوج العاقل أن يتركهما تسويان الخلاف فيما بينهما وعلى طريقتهما .
وإذا رأى بحكم البنوة أن أمه لا تخطئ أبداً ، فعليه أن يحاول الوقوف إلى جانب إمرأته ، وأن يعينها على إحتمال الأذى بالتجمل والصبر .
أما إذا ركب رأسه وقال لأمرأته : ألا تستطيعين أن تعرفي حق الرعاية الواجب لأمي ؟ فقد تعقدت الأمور تعقيداً يستعصى على الحل .
وكثير من الزوجات يتولين بأنفسهن فض المشكلات رعاية لأزواجهن إذا إستيقن من حب أزواجهن لهن .
وإذا أعطى رجل زوجته مالا وقال لها في لهجة التحذير والإنذار : " إياك وصرف المال كله " فكيف يرجو منها أن تحسن القيام على الصرف ؟
والزوجة المدبرة نعمة كبرى من نعم الله . فإذا عاملها زوجها كأنها كفؤه ونده ، فإنها تصبح جد فخور ، وهي لابد عاملة على حسن تدبير المال أكثر مما لو عاملها كما يعامل طفلة في العاشرة من عمرها ، وقد أوكل إليها القيام بأمر دخله وخرجه .
وقد دلتني مشاهدات على أن الأزواج في الأغلب الأعم يسرهم السرور كله أن ينأوا بأنفسهم عن معاناة شراء حاجات البيت .
والزوجات هن - بلا شك - مخلوقات من لحم ودم ، يسرهن السرور كله أن يكن موضع الثقة ،
بل إن الثقة هي كل ما يتطلبن من أزواجهن وأسعد البيوت هي تلك التي ترى الوالد فيها وقد شغل بأمر أطفاله وعني بهم عناية أمهم .
وليس يكفي أن تقول : إني جد مشغول وإن هذا واجب الأم لا واجبي .
إن الأطفال أيها الوالد هم أبناؤك وبناتك . فإعمل على أن يكونوا موضع فخرك ، يوم يبلغون مبلغ الرجال والنساء ؛ والطريق إلى هذا أن تجعلهم يشعرون منذ الطفولة أن أباهم هو ندهم وخدمهم ، وأنه دائماً شديد العناية بالإستماع إلى شكاتهم ، وإلى سماع ما يقصونه عليه من حوادث الدرس والمدرسة .
والأطفال هم دائماً في حاجة إلى والد يستطيع أن يقدر مشكلاتهم الصغيرة حق قدها ؛ وأن يتعاون وإياهم على حلها .
وكل طفل هو في حاجة إلى أمه وأبيه ، هو في حاجة إلى أبيه لكي لا يصبح (أبن أمه)، وهو في حاجة إلى أبيه لينعم بصحبة أخ له من بني جنسه ، فيأخذ عنه فضائل الرجولة . وهو في حاجة إلى لأبيه لكى يلهو كما يلهو ، ويلعب كما بلعب . والوالد الذي يضن على ولده بمثل تلك السويعات لجدير به أن لا يلوم إبنه إذا أخفى عنه أنباء تلك المشكلات الكبرى التى يلاقيها يوم يبلغ سن المراهقة .
وكل والد هو في حاجة إلى الظهور بمظهر البطل أمام ولده . وأكثر الآباء يمكنهم أن يكونوا كذلك لو عقدوا العزم على الوصول إلى تلك الغاية .
ولن يكتسي الوالد ثوب البطولة بأن يذيق ولده ألوان الأذى والعقاب ، ولا بالتحدث إليه من عليا سمائه عن دراساته العليا ، وعن علومه التي بذت علوم الأولين .
وإنما يكتسي الوالد ذلك الثوب بطول صحبته لولده مصاحبة الند للند .
والولد في حاجة إلى الطمأنينة من الوجهتين النفسية والإقتصادية ، فإذا نشأ في بيت ساده التسامح والصبر وملأت رحابه عدالة يمازجها التوافق والحب ، فقد بدأ الولد حياته بداية تبشر بحياة هانئة سعيدة .
وليس من العدل في شئ أن يتزوج الرجل فتاة ، وأن يجيء بها إلي بيته ، وأن يولدها ولداً أو ولدين ، لكي تصبح بهما في شغل عن الدنيا وما فيها ، ثم يظن أنه بذلك قد أدى واجبه ، وأبرأ ذمته . (مترجمة)
