اطلعت على كلمة للكاتب التركى "يامي صفا" نشرها في جريدة " الجمهورية " سنة 1940 ، فاستحسنت أن أترجمها لقراء العربية ، وأنشرها في "الثقافة " لتكون حجة لاحقة بمقالاتي عن الخط العربي قال الكاتب :
" يسأل قارئنا : " ابني الصغير في سن الحادية عشرة ، ولا يعرف الحروف العربية ، وأريد أن أعلمه إياها تعليما خاصا ، فماذا تقولون ؟ إنى أري اليوم أن المتاجر بل دواوين الدولة تفضل من يجيد معرفة الحروف العربية قراءة وكتابة إلي الحروف اللاتينية . فهل أستطيع أن أعرف رأيكم في هذا ؟ " .
نعم هناك سبب قوي لتفضيل من يعرف الحروف العربية في أعمال الدولة ، والأعمال الخاصة ، فإن معرفة هذه الحروف لابد منها لقراءة الأوراق ، والأضاميم ) 1(
والرسائل ، ولا يعرف إلي متي يستمر هذا الحال والقانون لم يحرم قراءة الحروف العربية بل حرم كتابتها ، فالأب الذي يريد إجادة تثقيف ولده يستطيع ان يعلمه الحروف القديمة .
ولهذا الأمر جانب عملي ، وجانب ثقافي ؛ إن محالا علي الناشئ التركي الذي لا يعرف الحروف العربية ، أن يتعمق في تاريخ الترك وآداب الترك إلي أن يبلغ مستوي وسطا . هذا الشاب لا يستطيع أن يقرأ نعيما والبجوي وجودت باشا ) 1( ولا يستطيع كذلك أن يقرأ المخطوطات ولا النقوش على الأحجار ، ولا يستطيع أن يقرأ كتابا واحدا من خمسة وأربعين ألف كتاب مطبوع ؛ وآداب الدواوين القديمة ليست عنده إلا قطعا قليلة يحويها كتاب مدرسي أو كتاب مختارات ؛ وكل كتب التنظيمات ) 2( تبدو لعينه بقعا صغيرة على ورق أبيض كأنها آثار برغوث مشي بخطوات عسكرية متناسبة ؛ ولن يقف كثيرا على أثر أو شخص في تاريخ الآداب المعاصرة من ضيا باشا إلي عبد الحق حامد ، وكذلك الأدبيات الجديدة ؛ فليس من " رباب شكسة ، ولا خلوق ، ولا أيلول " ولا أمثالها نسخ مطبوعة بالحروف الجديدة ؛ ولا
طبع بالحروف الجديدة آثار يعقوب قدري، وفالح رفقي، وخالده أديب ، بل كتب أترابنا من الكتاب .
وإذا جاوزنا التاريخ والآداب فكم نعد من الكتب التي لابد من قراءتها لمن يحاول الثقافة المتوسطة وهي لم تنشر بالحروف الجديدة . والشاب الذي لم يقرأ أثرا ما من هؤلاء ، لا يصعد إلى مستوي يؤهله لأن يقرأ جريدة يومية أو مجلة أسبوعية ، فلابد لفهم الذين يكتبون فيها الإلمام بالثقافة التي نشأتهم .
قد مضت تسعة أشهر أو عشرة منذ اجتمع مؤتمر النشر ، ولم يمكن إخراج خمسين كتابا ، بل عشرة كتب من الخمسين ألفا التي جعلت حدا أدني لما يجب أن يحول إلي الحروف الجديدة ، سل ما وسعك السؤال فان تظفر بجواب
ماذا يقرأ الناشئ الذي لا يعرف الحروف العربية ؟ هذا جوابي : مهما تكن سنه فلابد من أن يتعلم مع الحروف اللاتينية الحروف العربية بصفة خاصة . تلكم هي الوسيلة الوحيدة ، وذلكم رأيي . فسمني محافظا قبل أن تفهم كلمة واحدة مما كتبته آنفا ، فإني أقبل هذه التسمية إن المحافظ لأعلى جدا من الجاهل الذي لا خبر عنده من الآداب والتاريخ ؛ لأن التعصب والرجعية من اخوات الجهالة لا المعرفة ، وأفظع الرجعيات الإيمان بغير هذا .
هذه كلمة نشرها كاتب تركي كبير في جريدة الجمهورية . ولا يزال الترك في ثورتهم على الحروف العربية ، ولا يزال القانون يحرم تعليمها وتعلمها . وقد عالج الكاتب موضوعا يعده الترك من معالم ثورتهم ، ويحرمه القانون في بلد لا يزال الحكم العسكري غالبا عليه . فكيف لو أبان الكاتب عما في نفسه طليقا من كل قيد ، قادرا علي أن يقول ما يشاء ؟ !
إن القوم قد جربوا فانتهت تجاربهم إلي هذه النهاية ، وانتهت إلي انهم لا يجدون بدا من تعلم الكتابة العربية ليقرأ ناشئتهم أدبهم وتاريخهم ، فهل فكر الداعون
إلي تغيير الكتابة العربية في هذا ؟ ! مع أن الآداب التركية لا تقاس بالآداب العربية ، والخسارة فيها لا تذكر في جنب الخسارة التي تصيب العرب والمسلمين عامة إن عبرت الكتابة العربية

