الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

مباحث اسلاميه, الدعوة القومية والاسلام

Share

مضي قولنا في القومية بإيجاز بالغ حد الاشارة . ومقالتنا اليوم في معنى القومية ، وإظهار مكامها من الدين علوا وسفلا ، وخلافا ووفاقا ؛ وغرضنا من ذلك الاتفاق على ( مطمح ) لنا واحد ، ونفي التفرق الذي يؤدي بأهله إلي الفشل ، وأن مجمع قوانا التي نتفقها في التنازع والتخاصم ، مع توجهها وجهها المرجوة إلى الإصلاح والقوة والتقدم ؛ ثم إن البحث في ذاته من البحوث النافعة التي يجب وجوبا نشر امثالها اليوم والمناظرة فيها ، والأهتمام بها . . وانا حاضر لكل مناقشة ، متهيء لقبول الحق واتباعه ، شاكر لمن يهديني إليه . .

وبعد ، فإذا كان معنى ( القومية ) بيان فضائل العرب ، ونشر تاريخهم ، والعناية كل العناية بلغتهم وآدابهم واتباع سنتهم في كلامهم ، فنحن لا جرم قوميون ؛ بل إن كل مسلم فيما احسب قومي ، لأن المسلم مهما كانت لغته وكان قومه . . لا يستطيع ان ينكر فضائل العرب وينشر مثالبهم ويحقرهم ويبغضهم ؛ وكيف لعمر الله يتبع محمدا ثم يذم صحابة محمد الدين أخذ عنهم الدين ، وأثرت عنهم الأحكام . وكانوا هم نقلة الأحاديث وحملة القرآن ؟ والمسلم حيث كان معنى بتاريخ العرب لأنه تاريخ الإسلام مشغوف بلغة العرب لأنها لغة قرآنه ، ولسان نبيه واللغة التي بها يخاطب ربه في صلاته ، ويدعوه في مناجاته . محب لأرض العرب لأنها منها انبثق النور ، وفيها نزل الوحي ، وعليها عاش النبي صلوات الله عليه ، وفيها دفن وإليها الحج من أقطار الأرض . . فأي مسلم لا يؤثر عرفات على بلده ، ويفضل حجرة النبي التي يقوم فيها قبره الشريف على داره وغرفته ؟

فأنت تري بأن الإسلام دعوة عربية ، وتعلم أنه صبغ الدنيا المفتوحة بالصبغة العربية في اقل من نصف قرن . فليس بين القومية ( بهذا المعنى ) وبين الإسلام فرق ولا خلاف ، بل إن الدعوة إليها لا تنجح كما نجحت من قبل ، إلا إن جاءت باسم الاسلام .

وإذا كانت القومية هي السعى للوحدة العربية ، وإنشاء الدولة العربية القوية ، فنحن قوميون عاملون على القومية

مجاهدون في سبيلها . ومن يأتي الوحدة ويؤثر الانقسام ، ويرضى بهذه الحال المضحكه البكية ؟ إن الداعين إلي الوحدة الاسلامية يعلمون ان الجهود يجب ان تصرف أولا إلي توحيد العرب . وهم أعقل بحمد الله من ان يطلبوا وصل بغداد بحيدر أباد قبل أن تتصل بغداد بدمشق والإسلام ( يوم بدا نوره ) بدا بالعرب فوحد بينهم ، وجمع شملهم ، وألف بين قلوبهم ؛ فلما أصبحوا بنعمة الله إخوانا ، خرج بهم من جزيرتهم ففتح بهم الدنيا ، وثل بهم عروش الطغاة ، وأعطاهم مقاليد الأمر والنهي ؛ فحكموا بالإسلام المشرق والغرب ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها

فالقومية (بهذا التفسير ) لا تخالف الإسلام ، بل تؤيده ويؤيدها .

أما إذا كان المراد بالقومية أن يجعل الرابطة بيننا اللغة والدم . وأن ننكر أخوة الدين ، ونبرأ من أهلها ولو كانوا في الإسلام علي قدم صهيب وبلال وسلمان ، وان ننفي الدين من السياسة ، ونتأي به عن التشريع ، ولا نباليه ولا يحفله . وأن تهمل صفة النبوة في محمد ، فلا نري فيه إلا زعيما عربيا ورئيسا قوميا ، وألا نهتم من القرآن إلا بلغته وبلاغته دون مغزاه وغابته . . فالقومية ( بهذا المعنى ) ليست مخالفة للاسلام فحسب ، ولكنها عدم للأسلام من أساسه ، وعودة إلي الجاهلية الأولى يوم لم يكن كتاب أنزل ، ولا نبي بعث ، ولا نور أضاء ، وهذه التي قال عنها العارفون : إنها دسيسة خبيثة من عمل الانكليز ، بدليل أن شيئا اسمه ( قومية عربية )لم يعرفه العرب قط ، وإنما عرفوا ( عصبية قبلية ) نعاها عليهم الاسلام وعليها وسفه أهلها ، فاختفت حينا ، ثم ظهرت عند من لا يزعه وأزع قوي من دين ؛ كالشعراء ورجال السياسة ( اعني بعضهم )وناس من الأعراب قالوا قيسية وقالوا يمانية . ولم تعرف هذه الدعوة القومية على الوجه الذي بيننا إلا في آخر الزمان حين عجزت

دول أوربا عن قتل ( الرجل المريض ) بزعمهم . . قدست له سكين القوميات تحز في مفاصله ، وتقطع أوصاله ؛ وكان ما كان مما يعرف الناس ، وما يأبي الله والاسلام ، وانتهينا إلى الفرقة في السياسة وفي الاجناس والمذاهب ، وصرنا إلي حال لو تأمل حقيقتها المتأمل لراي ما تم منها ( في بعض البلدان المسلمة غير العربية ) يدل دلالة البرهان القاطع على ان المراد من ( هذه ) الدعوة القومية هدم الإسلام ومحاربته والرجوع إلي الجاهلية . وهذا ما تجب محاربته على كل من يشهد أن لا إله إلا الله :

يضيح لك من هذا أن الدعوة الاسلامية لاتهدم من القومية إلا جانبها الخبيث ؛ أما الجانب الطيب من نحو إنشاء دولة عربية قوية ، فإنها تؤيده وتدعمه . وإذا ظن أحد أن الأخوة الاسلامية من شأنها أن تجعلنا نمد أيدينا مصالحين لكل من جاء بقتلنا ويملك أرضنا باسم الاسلام ، فقد ظن آثما ، لأن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام دين ضعف وتخاذل ، وإنما هو دين قوة وأبد ، وجزاء سيئة ( فيه ) سيئة مثلها . والعمل على كل ما يقوي الدولة وبشد أزرها مما يطلبه الدين ، وتدعو إليه الشريعة . فياليت إخواننا دعاة القومية يحرصون على فهم حقيقة الإسلام ، إذا لرأوه الطريق الوحيد إلي ما يريدون ، والعون على ما يأملون ، ولم يفزعوا منه ، ولم يجزعوا من ذكره ، وأعلموا أنه يكسبهم ثلثمائة وعشرين مليون أخ ؛ إذا هم عجزوا اليوم عن معونتهم إلا بالروح والعاطفة ، فسيكونون لهم في غد عونا باليد واللسان ، وإخوانا على السراء والضراء ، ويكونون وإياهم ( كما أراد الله أن يكونوا ) إخوة ، وأعضاء جسد ، إذا شكا عضو منه تداعي له سائر الأعضاء بالحمي والسهر

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية