من الأمور التي أصبحت مصدر عناء كثير للناس في هذه الأيام ، مشكلة " الزحام " فقد صار الظفر بمقعد أو موضع قدم في قطار السكة الحديدية ، أو مركبة التزام ، أو السيارة العمومية ، مطلبا عسيرا يقتضي همة ومغامرة ، وتضحية بالوقت والجهد ، واستعدادا لاحتمال أذى كثير . ولم يقف أمر الزحام عند وسائل النقل ، بل تعداها إلى كل جهة تقوم بأداء خدمة عامة للجماهير ، أو تسد حاجة من حاجاتهم الضرورية ، فالمتاجر ، والمصانع ، والمطاعم ، والفنادق ، والمدارس ، والمستشفيات ، ودواوين الحكومة والشركات والمصارف ، ودور السينما والملاهي ، كلها تعاني ضغطا شديدا من الجماهير التي تتزاحم في لهفة وعجلة للسبق بقضاء مآربها وتحقيق مطالبها .
وحيث يشتد التزاحم على أمر من الأمور ، والتلهف على السبق في إحراز مطلب من المطالب ، يكون هناك خلل في التوازن بين العرض والطلب ، ونقص حقيقي أو
وهمي في الغاية الموجود لسد حاجة الراغبين .
ولا نعلم على التحقيق هل أصبحت وسائلنا قاصرة عن كل حاجاتنا ؟ فالإحصاءات الدقيقة لمثل هذه الشئون غير متوفرة ، ولكنا نحس أن الأمر لم يلق منا العناية التي يستحقها ، وأنه كان من الممكن ، بالتدبير المحكم والتنظيم الدقيق ، أن يخفف كثير من الضغط ، وأن يراح الناس من كثير مما يلقونه من العناء .
ففي شئون النقل كان من الممكن ، بشئ من التنظيم ، توزيع الحمل علي وسائل النقل بتعديل المواعيد ، وتغيير طرق السير ، وزيادة الوسائل حيث يشتد الضغط ، وتقليلها حيث يقل ، والتدخل في أوقات العمل بالمصانع والمصالح ودور السينما ، وتحديد مواعيد مختلفة لبدايتها ونهايتها ؛ وأحسب الحكومة فكرت في شئ من ذلك ، ولكنها لم تضعه موضع التنفيذ .
وفي شئون التموين استطاعت الحكومة أن تقف
تدافع الناس وذعرهم ، وتنظم التوزيع في أمر البترول والسكر والشاي والأقمشة الشعبية . ولكنها وقفت عند ذلك ، ولو سارت في سياستها إلى النهاية ، وحصرت كل الحاجيات الآخر ونظمت توزيعها ، لكفت الناس ما يلقونه من عنت التجار ، واضطراب الأسعار ؛ ولوقفت نجاح السوق السوداء التي يلجأ إليها المضطر حين لا يجد في السوق المشروعة سدا لحاجته .
وفي شئون التعليم ، انتهجت الحكومة سياسة ديمقراطية حميدة ، فجعلت التعليم الابتدائي بالمجان ، وجعلت القبول بالمدارس الثانوية لأفضل المتقدمين نجاحا ، قدر على دفع مصروفات التعليم أو لم يقدر . ولاشك أن الروح التى أوحت إلى الحكومة هذه الخطة روح وطنية نبيلة ، ولكن تنفيذ هذه السياسة الحميدة قد خلق صعوبات جديدة ، كانت تستحق أن يحسب لها حساب ، وأن تدبر لها الحلول .
ففي المدارس الابتدائية صح ما توقعه بعض المفكرين من أن تقرير المجانية سيغمرها بسيل من الطلبات ، ينهال عليها من تلاميذ المدارس الأولية الذين فتح لهم الباب المحظور ، وأتيحت لهم الفرصة بسلوك الطريق المؤدي لأعلى درجات التعليم ، فأقبلوا عليه جميعا ، وزحموا أبناء الطبقات الوسطى والعالية . وقد يكون للأولين حظ التفوق على أولئك في مدارس الحكومة والمدارس الحرة ، واحتلال مقاعدها ، فأين يذهب الآخرون ؟ قد يقال : لا شأن لها بهم . فشأن من يكون ؛ إن من العدل أن تختص الدولة النابهين من أبناء الأمة بالتعليم على نفقتها ، ولكن هل من العدل أن يلقى في الطريق بغيرهم من الراغبين في التعليم القادرين على احتمال نفقاته ، وليس بالبلاد مدارس خاصة تتسع لهم ؟! أليس من العدل أن تعلم الحكومة هؤلاء على نفقتهم الخاصة إلى أن تسمح لها ميزانيتها بإيجاد الأماكن الكافية لتعليم الجميع على نفقة الدولة ؟!
وفي التعليم الثانوي . ما دامت الدولة لم تقرر مجانيته الكاملة ، فلم لا تقبل النسبة المقررة للمجانيين ، وتملأ أفعال الباقية بالراغبين في التعليم على نفقتهم ؟ ولم يختار الجميع على أساس التفوق ، وقد يتجلي الأمر عن عجز أكثر المقبولين عن دفع نفقات التعليم ؟! إننا معجبون بالروح الكريم الذي أملى على الحكومة انتهاج هذه العامة ، ولكنا كنا نحب أن تسلك في تنفيذها خطة التدرج ، ما دامت الظروف لا تسمح لها بتعميمها على الجميع وإيجاد الأماكن لكل الطلاب .
أخشى ما تخشاه أن تكون الحكومة في حرصها على إنصاب الفقراء وإتاحة الفرص التعليمية لهم ، قد حرمت القادرين من التعليم ، ولم تدخل في حسابها إنصافهم وعدم الحيلولة بينهم وبين التعليم الذي كان ميسرا لهم .
ولعل هذا التزاحم الشديد على المدارس يكون حافزا للوزارة لأن تعد من الآن عدتها للعام المقبل ، وترتب الحل الكفيل بتخفيف الضغط على المدارس ، وإراحة الأباء من هم تدبير أماكن في المدارس لأبنائهم .
ويسوقنا الحديث عن التلاميذ إلي مشكلة العلمين . قيل إن الوزارة قد اضطرت تحت ضغط الحاجة إلي تعيين معلمين من خريجي الكليات التي لم تعد أبناءها للتعليم ، كخريجي الزراعة والتجارة وغيرها . ولا ضير في ذلك ، سيما وقد تولت هؤلاء بدراسة تكميلية في الصيف في التربية وأصول التدريس . ولكن هذا الأمر يثير التفكير من ناحية اخري :
إذا كانت البلاد لا تحتاج لهؤلاء الخريجين فيما أعدتهم له من التعليم الزراعي والتجاري وغيرهما ، وكانت حاجتها الشديدة هي لمعلمين ، فلم لا يوفر علي هؤلاء ، سلوك هذا الطريق البعيد ، ولم لا يختصر السبيل وبعدون من البداية لتلك المهنة ؟ وبعبارة أخري ، لم لا تنشئ الوزارة كلية أو كليات للتعليم ، تستوعب عددا ممن يضغطون على مختلف الكليات ثم لا ينتفعون أخيرا بما تعلموه ، ويلجأون لمهنة التعليم ؟ !
لقد يبدو شئ من التنافض بين سياسة الوزارة في توسيع التعليم ، وسياستها في تضيق معاهد تخريج المعدين ، فلعلها ان تعيد النظر في هذا الأمر ونوليه ما يستحقه من عناية .
بقي الكلام عن ضغط الجماهير علي دواوين الحكومة ، وتزاحمهم على مختلف مكانتها ، وهي ظاهرة مؤلمة ، أساسها اعتقاد الجمهور أن مسائله في الحكومة لا تنجز إلا إذا سايرها خطوة خطوة ، ولجأ إلى مختلف الوسائل لحمل من بيدهم مسألته على التعجيل بها ؛ ولا شك أن هذا الضغط يسبب اضطرابا شديدا في الأعمال ، ويعطل الموظفين عن فحص المسائل بدورها ، ودرس ما يحيط بها من ملابسات في جو هادىء ؛ وهو فوق ذلك يشغل هؤلاء الموظفين عن كثير من شئون العمل الهامة ، ويضيع كثيرا من أوقات غيرهم ممن لا علاقة لهم بتلك المسائل الخاصة ، ممن يلجأ إليهم الجمهور للاستعانة بهم على من بيدهم شئونهم .
وعلاج هذه الحال لا يكفي فيه تحديد مواعيد لمقابلة ذوي الحاجات ، فهذه المواعيد لا تحترم ، ولا يعدم الجمهور
الوسيلة لتخطيها ؛ ولكن علاجها أن يسير الموظفون على نظام دقيق لايتخطونه لأي سبب ، يعالجون فيه المسائل بدورها دون تأثر بأي اعتبار ، وأن يكونوا أسرع إنجازا لما بين يديهم من الأعمال ، حتى يثق الجمهور بأن النظام العادي كفيل بإراحة الجميع .
إلي هنا كان كل ما ذكرناه من علاج لتخفيف تزاحم الناس هو ما تستطيع الحكومة أن تفعله ؛ ولكن من الحق ن الشعب يستطيع أن يفعل كثيرا من جانبه لتخفيف متاعبه فهو يستطيع إذا راض نفسه على النظام واحترام حقوق الغير أن يحول دون التدافع ، فلا يتخطى أحد من سبقه ، ولا يجوز أحد على حق غيره .
وهو يستطيع ، بالتعاون ، أن يقف في وجه الجشعين والمتلاعبين ، ويحول دون منتهزي الفرص وقناص الغنائم في أوقات الأزمات .
وهو يستطيع أن يعاون الحكومة فيما ترسمه من خطط بالإخلاص في اتباعها ، وتقديم ما تتطلبه الحاجة من تضحيات
