تعزى يقظة إيطاليا فى القرن التاسع عشر إلى حادثتين عظيمتين : وهما الثورة الفرنسية وغزو نابليون ، وقد كانت إيطاليا قبل ذلك مستغرقة في رقاد العصور الوسطى ، متقاعدة الهمة ، متقاصرة السعى فى سبيل الوحدة والاستقلال ، يستغل أشرافها الضرائب فى سبيل الاستمتاع والإسراف ، ويشاركهم رجال الدين فى إهدار حقوق الشعب وإهمال مصلحته ، على حين يشقى الفلاحون فى الحصول على ما يقيم أودهم . ولما هبت على إيطاليا رياح الثورة زلزلت قواعد الأرستقراطية ، وهزت نظم الحكم السائدة .
وقد كان تأثير الثورة مقصوراً على أهلية من المفكرين ، ولكن برغم ذلك ظهرت بوادر تدل على الضيق بنظم الحكم المطلق والتمرد عليها ، وخشي الأمراء الإيطاليون
مغبة سريان الأفكار الحرة وتغلبها فحاولوا أن يوطدوا نفوذهم المطلق بتشجيع دعاة الإصلاح والمشاركة فى الحركات التقدمية والعطف عليها ، ولكن سرعان ما توقفت هذه الحركة ، وتلاها رد فعل شديد ، ومهما كان من الأمر فقد وجدت المثل العليا للحرية والتقدم صدى لها ومعبراً عنهـــــا في الأدب الإيطالي ، فقد كان فيتوريا الغبيرى ( ١٧٤٩-١٨٠٣ ) شاعر النهضة الحديثة والجيل الجديد ، وقد ضمن مآسيه أفكاره عن مصير إيطاليا ومستقبلهـــــا المرجو ، وذكر الشباب بعظمة إيطاليا السابقة ومجدها القديم ، وكان تأثيره عقليا فى إثارة النخوة القومية والشعور الوطنى ، حتى قال النقادة الإيطالى الكبير دي سانكتيز فى سنة ١٨٥٥ : " في كل مرة تجدد إيطاليا قوتـها ويشرق فى تاريخها الحديث فخر إحياء جديد فإنـها ترجع فى حماســــة بالغة إلى الفييرى .
وقد بدأ القرن التاسع عشر فى إيطاليا بغزو نابليون ؛ وقصة غزواته بـها وأساليبه فى حكمها وما استحدثه من تغيير ، قصة طويلة مسهبة لا حاجة بنا إلى الخوض فيها ، وتكتفى بالإشارة إلى أنه انترع نبس وساقوى من بيدءونت وأخذ الاومباردي من النمسا وكون من الولايات الصغيرة الواقعة فى جنوب نـهر البو جمهورية ، واستولى على سلطة البابا الزمنية فى روما ، وأقام هناك جمهورية ، ثم حول جنوا إلى جمهورية ليجوريا ، ولما أصبح أمبراطورا فى سنة ١٨٠٥ جعل الجزء الشمالى من شبه الجزيرة ما أسماه "مملكة إيطالي" واحتفل بتتويج نفسه فى ميلان قائلا وهو يضع التاج الحديدي على رأسه : " لقد أعطانية الله والويل لمن يسه ". ولكن إخفاق نابليون فى الحملة الروسية هدم سلطانه فى إيطاليا ، وقوض نظامه بـها ، وبإنـهيار ذلك السلطان وزوال ما أدخله من نظم أخذت الولايات الإيطالية تستعيد أحوالها السالفة ونظمها العتيقة البالية .
ففى بيدمونث أخذ فكتور عما نويل الأول بعيد كل شئ إلي ما كان عليه قبل عهد نابليون حتى كأن لم يحدث شئ . وألغى التشريع النابليونى ، ورد الامتيــــــازات للأشراف وبعث القانون القديم من رمسه ، وضم جنوا إلي ولايته أما فى الولايات البابوية فقد كان رد الفعل تأما كاملا ، فقد أعيدت بـها دواوين التفتيش وتوطدت أقدام اليسوعيين ( الحزويت) وأبعد عن الحكم جميع الرجل العلمانيين . . .
وسيطرت النمسا على لومبارديا وفينيتا ، واستطاعت بذلك أن يكون لها الرأى الأعلى والكلمة النافذة فى شبه الجزيرة ، وتم الاتفاق بين حكومة النمسا وسائر أمراء الولايات الإيطاليه على أن لا يكون هناك أى تغيير فى إدارتـهـم وسياستهم لا يلائم نظام الحكم الملكي القديم . وكان من جراء تركيز السلطة فى يد حكومة أجنبية أن اعتاقت العوائق مختلف ضروب الحركة القومية ، وأقيمت العقبات فى سبيل إذاعة المثل العليا للأستقلال والدعوة إلى الوحدةوجمع الشمل المبددوالقوى المنتشرة،وهكذا أصبحت أحوال إيطاليا من السوء والإنتكاس والتأخر والرجعية بحيث لا يجدى إلا العمل فى عاس الظلام وفى تكتم وخفاءه وأوجد أنصار الاستقلال الإيطالي جمعية الكاربوناري التى فيه شأنـها بين سائر الجمعيات السرية الكثيرة التى عمت إيطاليا ، وقد استمدت هذه الجمعية اسمها الرمزى من الفحم فإن لونه أسود ولكنه إذا انقد واشتمل لمع لونه ، وأشرق وهجه ، وأضاء الغياهب ، وبدد الظلام ، وكانت تشبه الجمعيات المساسونية في حفلاتـها ومراسمها وشعائرها وأقسامها وعهودها ، وكان أعضاؤها يعتبرون السيد المسيح الضحية الأولى من ضحايا الظلم والطغيان ، ويقطعون على أنفسهم عهداً بأن يقاوموا الظالم والطغيان الأجنبى مقاومة مستديمة مصممة لا تلين ولا تنشئ .
وقامت الثورة الأولى فى نابولى سنة ١٨٢٠ ، وكان
أكثر القائمين بها من رجال الجيش الذين انضموا إلى جمعية الكاريونارى ، وسرعان ما سرى طيها فى أنحــــــــاء مملكة نابولى واضطر الملك إلى أن ينحنى للعاصفة ويوافق على إقامة الحكم النيابى ومنح الدستور ، وساء ذلك دول الإتحاد المقدس ، وهى النمسا وبروسيا وروسيا ، واستدعت ملك نابولى المشاورة والمفاوضة ، وأغروة بسحب الدستور وتكفلت النمسا بصياغة الحكم المطلق فى نابولى ، وفى مدى قصير ألغى الحكم النيابى ، وأعيدت الرقابة على المطبوعات ، وأزيلت سائر النظم الديمقراطية التى وعد بـهـا الملك ، وقام الملك فردبنائد بتمثيل دور المستبد الغشوم الذى ينزل العقوبة الصارمة بكل من يجتريء على إعلان الولاء للثورة وقضيتها .
وفي أثناء ذلك كان أعضاء جمعية الكاربونارى في بيدمونت مجدين ناشطين ، وكانوا يرمون إلى هدفين ، وهما إعلان الحرب على النمسا وإقامة الحكم النيابى فى بيدمونت تحت ظلال سلطان بيت سافوى ، وكان دعاة الحركة وقادتـها من المستنبرين وعدد قليل من الأشراف الإيطاليين ، وقد تولى إخماد الثورة وخنق الحركة جيش نمساوي جرار ؛ وقد رات هذه الحركات والتورات برغم إخمادها وحبوطها وعجزها عن تحقيق أهدافها على أن المثل العليا القومية قد استقرت فى النفوس وتملـكت الأرواح ، وقد رفض الشاعر الأيطالى أوجوفوسكولو أن يحلف يمين الولاء للحكومة المستبدة وفر إلى انجلترا ليضرب لإيطاليا الحديثة مثل الإداء ويعلمها احتمال النفى والتشريد ، وبرح إبطاليا فوج من الكتاب والسياسيون الأحرار والوطنيون الأوفياء وجعلوا أوربا جميعها تشعر بحركة الإحياء الإيطالية وقد كان للأدب الرومانتيكي نصيب وافر فى هذه الحركة الثمرة ، فقد جدد ذكريات الأجاد السالفة ورد على الأمة الإيطالية كبرياءها ، وثقتها بنفسها ، وشعورها بقوميتها ، وجعلها مستهامة بالحرية ، صبة
بالاستقلال ، متطلعة إلى المستقبل فى ثقة ورجاء
وهكذا كانت التيارات الغالية على الفكر الإيطالى فى إبان نشأة متزينى وحداثته ، وقد شاء القدر أن يكون هذا الرجل العظيم العبقرى الموهوب فى هذا البعث ومحور حركاته وأكبر عامل فى تحقيق أهدافه واقوى معبر عن مثله العليا وغاياته السامية .
وقد ولد متزينى يوم ٢٢ يونيو سنة ١٨٠٥ وكان أبوه طبيباً معروفاً وأستاذاً للتشريح فى جامعة جنوا ، وكان رجلا دمقراطى العقيدة بزايا إلى الأفكار الحرة ، وكانت امه امرأة ممتازة قوية العزيمة بارزة الشخصية نشأت أولادها على احتمال الشدائد ، ومصابرة الحوادث . وقد كان متزينى طفلا ضعيف البنية ، رقيق المزاج ، سريع الفهم ، متوقد الذكاء ، قوى التحصيل ، وقد تلفى فى المنزل مبادئ الدمقراطية وإيثار النظام الجمهورى الذى ظل متعلقا به طوال حياته .
ولما بلغ السادسة عشرة من عمره قامت فى بيدمونت الثورة المختلفة التى أشرت إليها ، وقد أخمدها النمساويون فى غلظة وعنف بالغين ، وعاملوا الكثيرين من الأحرار الإيطاليين معاملة منكرة وحشية ، وهرع إلى جنوبى كثيرون من الثائرين زرافات وأفراداً وفى مأمولهم أن يبحروا منها إلى اسبانيا ، وكان أكثرهم قد انفضوا وأعدموا ، واتفق فى ذات يوم أن كان مزينى يسير مع والدته وأحد أصدقاء الأسرة فى شارع من شوارع جنوا وإذا برجل طويل القامة أسود اللحية يبدو على عيناه الشدة وحدة النشاط وتقدح عيناه الشرر ، يتقدم منهم وببسط منديلا أبيض اللون قائلا : " للايطالين اللاجئين " فألقت والدته وصديق الأسرة شيئاً من النقود فى المندبل ، فتركهم وتقدم بنفس الطلب إفى آخرين . وكان هذا الرجل أحد اللاجئين إلى جنوا بعد حبوط الثورة ، وقد تركت هذه الحادثة أثراً عميقا فى نفس متزينى الحساسة اليقظة ، وأخذ
بد من التفكير فى تحرير بلاده وخلاصها من نير الحكم الأجنبى ، وكانت هذه اللحظة من اللحظات الفاصلة فى حياته المليئة العاصفة ، فقد امتلأت فيها شعاب نفسه بالعقيدة القومية حتى ملكت عليه مذاهبه واستغرقت تفكيره فى آناء الليل وأطراف النهار ، ولم يبرح مخيلته منظر هؤلاء المهاجرين الذين فاتهم الحظ ، وغدر بـهم الأصدقاء ، وتنكرت لهم الأيام ، ولكنهم لم يغلبوا على أمرهم ، ولم تظن قنانهم ، ولم يدب إليهم اليأس ، وإنما كانوا يريدون الذهاب إلى بلاد أخرى ليستأنفوا جهادهم فى سبيل الحرية والاستقلال . ولحظ أقرانه فى الجامعة حيث كان يدرس الآداب أنه فى خلال أيام قليلة قد بدا أكبر سننا مما كان ، وأنه قد أصبح مؤثرا للصمت ساهماً مشغول البال شارد الفكر ، وأنه يلبس سود الثياب ويتخذ ربطة للرقبة سوداء ، وقد أصبحت هموم بلاده وأجزائها همومه الخاصة وأشجانه الشخصية ، وظل هذا رأيه حتي توفاء لله .
ولما استفاق من هذه الغاشية التى غشيته ، وتصام شتات نفسه ، واستعاد توازنه ، عاودته حماسته القديمة المطالعة والدرس ، وكان فى تلك الفترة قد بدأ يدرس الطب ليزاول مهنة أبيه ، ولكنه حينما حضر فى قاعة العمليات لأول مرة أغمى عليه ، وكان من الواضح أنه لا يصلح لتلك المهنه ، وكانت خيبة أمل قاسية احتملها أبوه صابراً ، ولم يجد مندوحة عن العزول على حكم الضرورة فسمح له بدراسة القانون ، ولم تكن دراسة القانون حينذاك شائقة محببة تروى غلة شاب متفتح الذهن متطلع إلى المعرفة ، ولكنه ثابر وواظب ، وبرز فى الامتحان ، وذلك بالرغم من أنه كان يقضى معظم وقته فى المطالعات الأدبية ، وبخاصة فى قراءة الشعر والتاريخ ، على أن متزينى الطالب لم يكن بالشخص الخاضع السلس القياد ، وإنما كان طالبا متعبا لا يطبق الاستسلام للأوامر والنواهي ، وقد رفض إلى النهاية القيام ببعض الفرائض الدينية ، لا لأنه
كان يكرهها ، وإنما لأن الطلبة كانوا يحتملون عليها حملا ، وكانت الجامعة تفضى على تمرده وعصيانه ، وكان يعيش عيشة دراسة واعتزال ، وكان ولوعا بالآلعاب الرياضية واللعب بالسيف ، ولا يعرف من الملاهي سوي احتساء القهوة وإشعال لفاقات التبغ ، وكان يقضى نهاره بين الكتب وأمسياته مع والدته أو فى جولات طويلة منفردة أو فى زيارات نادرة مختلسة للمسرح ، وكان يضطر إلى تركه بعد الفصل الأول ، لأن باب منزل أسرته كان يقفل فى الساعة العاشرة ! ولم يكن سريعا إلى عقد الصداقة مع الناس ، ولكنه مع ذلك لم يكن كارها للبشر ، وكان يجيد العزف علي القيتار ، ويحسن الغناء ، وقد اشتهر بيراعته الموسيقية وحسن الإلقاء ، وكان فيه حينذاك دعاية وميل إلى الفكاهة ، ولم يكن قد ألم به بعد ذلك الحرن المرير الذى لازمه بعد انقضاء تلك الأيام ، وتوالى الحوادث الفاجعة ، والصدمات الساحقة ، وكان فى تلك الأيام كما كان فى سائر أيام حياته - كما يقول المتنبى . تلذ له المروءة وهى تؤذى ومن يعشق بلذ له الغرام
فكان يقاسم أصدقاءه الفقراء كتبه وماله ، ولا يضن عليهم بملابسه ، وكان سر تفوقه عليهم سمو تفكيره ، وسراوة أخلاقه ، وطبيعته الميالة إلى العدل ، الكارهة للجور والظلم ، لا تلك الآثرة القلابة ، والليل لي المفاجرة ، وتقرير السلطان ، وفرض الإرادة الذى تظهر لوائحه فى طبائع المنزعمين الولوعين بقيادة الاحزاب ، والتهالكين على الرياسة ؛ وهذه الروح الصافية المالية التى لم تشبها شوائب الأنانية ، والتى كانت لا تعرف الخوف أسبنت عليه وهو لا يزال يافعا لم يطر شاربه فداسة لا تعهدها فى غير الصالحين من أولياء الله الذين استعلوا على الضرورات الانسانية ، وتخلصوا من إسار الأهواء والصفائر البشرية .
وكان أقرب أصدقائه إليه ، وآثرهم عنده الإخوة الثلاثة : جاكوبو ، وجيوفانى ، واجوستينو رافينى ،
وكان جاكو أكبر الثلاثة وأكثرهم تأثيرا فى حياة متزينى ، وكان من لداته ، ويشابـهه فى رقة الإحساس ورفاهته ، وحماسة النفس ويقظتها ، وقد قوى هذا التأثير فى نفس متزينى مصرعه الباكر ، وظلت ذكرى هذا الصديق العزيز الذى جاد بنفسه فى سبيل خلاص بلاده مصدر وحى وإلهام لتزينى ، بغير له السبيل ، ويرد عليه اليقين ، ويزوده بالقوة فى سنوات الإجهاد والإمياء والهزيمة ، ولم يكن أخواه فى مستواه العقلى أو الأخلافى ، وقد أتـميا متربى فيما بعد حتى انقطعت بينه وبينهما الأسباب ، وقد كون متزيني من أصدقائه المقربين وفي ظل زعامته ورعايته جمعية لدراسة الأدب والسياسة والعمل على استحضار الكتب التى يحرمها الرقباء ، وتجلى فى هذه الحقبة من حياته ولعه الشديد بالأدب ، وتـهمه بالقراءة والإطلاع ، وكان يقرأ كثيرا فى الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والمترجمات من اللغة الألمانية ؛ وكانت الكتب التى يؤثرها وبديم القراءة فيها هى الكتاب المقدس ودانتنى وشكسبير وبيرون ، ودراسته للأناجيل واضحة فى كتاباته ؛ وقد مرت به نوبة من نوبات الشكوك استنقذته من مخالبها والدة داهيتى ، واستولى عليه شعور دينى عميق ظل هو النبع الذى يستعد منه القوة فى أزماته الجارية المتوالية ، ومآزفة الحرجة العديدة ، وكان أحب الشعراء إلى نفسه دانتى وبيرون ولم يفتر إعجابه بهما وحبه لهما ؟ وقد استمد من دانتى الكثير من أفكاره الرئيسية ، وتعلم منه الوطنية الصادقة الحارة ، والثقة بإبطاليا ، والإيمان بوحدتها . وقد كتب وهو لا يتجاوز العشرين مقالا عن دانتى ووطنيته دل على معرفة واسعة بأدبه وآثاره ؛ وكان بيرون حينذاك فى أوج مجده وشهرته ، وكان مازينىى يعتقد أنه أعظم شعراء انجلترا المحدثين ، وربما أعظم شعراء أوربا الحديثة جميعهم ، وظل ثابتا على هذا الاعتقاد ؛ وكان معجبا بجيتى ، ولكن إعجابه به لم يدم طويلا ، على حين أن إعجابه ببيرون أخذ
ينمو ويزداد ، وكان يكبر شلر وبضعه إلى جانب أسكيلوس وشكسبير ؛ وعنده أن هؤلاء الثلاثة أعظم كتاب الدراما فى العالم ، وكان فى بادى الأمر متحمسا لولتر سكوت ثم قل اهتمامه به . ولم يكن يعجبه من الكتاب الفرنسيين المعاصرين سوى دي فنى وفيكتور هيجو وجورج ساند ، وكان يتعصب لألفييرى وفوسكلو من شعراء إيطاليا الحدثين ، ولم يكن الليل إلى ما نزوفى . والذي أثر فيه من القدماء هما تاسبتاس المؤرخ واسكيلوس ، وقد قضى جانبا من وقته فى قراءة الفلاسفة والفكرين السياسيين وألم بفلسفة هجل ، ولكنه كان يقتها لتزعبها القدرية ، وقرأ كانت وفختة ، ولكن الفكر الألمانى الذى أثر فى تفكيره هو المفكر المنسى الآن هردر ، فقد تأثر بتصوره الروحى للحياة ، واعتقاده بالخلود ورأيه فى تقدم الإنسانية ، وقد على بدراسة الفيلسوفين الإيطاليين جوردانو بروتو وفيكو ، وكان يقدر مكيافلي ويرى أن أخلاقه كانت ثمرة مصره ، ويبدو أنه قد عرف الكثير من أفسكار روسو وفولير ، وقد ألم بآراء كوزان وجيزوه ، وهما من المفكرين الفرنسيين المعاصرين له .
ونرى من ذلك أن منزينى كان ولوعا بالأدب محبا للاطلاع واسع الأفق غزير المعرفة ، وكان يتطلع إلى أن يكتب روايات مسرحية او قصصا تاريخية ، وكان يستشرف ذلك اليوم الذى يرى فيه إيطاليا حرة موحدة فيفرغ للأدب والاطلاع والكتابة والتأليف ! ولكن عبء ، بلاده كان ثقيلا على كاهله ، وقد أقنع نفسه وهى تماسيه وتتأبى عليه أن الوقت ليس وقت انقطاع للادب والدراسة والاستمتاع بالسكتابة والتأليف ، فلبس للأدب الخالص هو أول واجبات الوطنى ، وأن الكاتب الذى لا يحاول أن يحط عن كاهله الواجب القوى يجب أن يشتغل بالسياسة ، وليس العصر عصر دراسة لدانتى أو وضع رواية تمثيلية . على أن جانب القدرة على النقد الأدبى ظل ظاهرا فى شخصيته ،
ولم تستطع السياسة أن تصرفه عنه أو تقتله من نفسه ويشعر الإنسان حين قراءة فصوله فى النقد بأن هذا الرجل الوهوب لو كانت يسرت له الظروف التفرغ للنقد لكان فى طليعة نقاد أوربا فى عصره .
ولما ثار النزاع فى إيطاليا بين أنصار الأدب الدرسى وأنصار الأدب الرومانتيكى ، انحاز مزينى إلى صفوف أنصار الأدب الرومانتيكى . ولعل السياسة كان لها أثرفى هذا التفضيل ؛ فالأدب الدرسى يميل إلى التعبد للقدماء ، والسير فى منهجهم ، والضرب على قالبهم ، ومتزينى يرى فى ذلك تكبيلا للروح الإنسانية التى يجب ان تكون طليقة حرة لا توهنها الأصفاد ، ولا تتحكم فيها الحواجز والأسداد. وكان متزينى برى أنه لن يكون لإيطاليا حياة سياسية حرة إلا إذا كان لها أدب ينشد الحرية ، وينزع إلى التقدم ، والثقافة العقلية قرينة الحياة السياسية .
وكان منزينى فى تلك الفترة يوالى الكتابة فى المجلات الأدبية حتى قبلت مجلة انتولوجيا - وكانت حينذاك أولى الجلات الإيطالية - أن تنشر له ، وكانت مسرحاً لأفلام قارة الفكر فى إيطاليا . وقد دلت الفصول التى نشرت له بها على النضج وطرافة التفكير وأصالة الرأي .
وكان فى أثناء ذلك يحترف مهنة المحاماة ، وكان يؤثر الرافعة فى قضايا الدفاع عن الفقراء . وكان الإقبال عليه كثيراً لبراعته واهتمامه وعنايته .
وأخذت السياسة تطفنى عليه ، وكانت إقامته فى جنوا تغرى بذلك ، لأن العمال والأشراف بـها لم يكونا علي وفاق مع حكومة بيدمونت ، على أن هذا الباعث المحلى لم يكن هو أقوى الأسباب فى توجيه حياة متزينى وانصرافه بكليته إلى السياسة ، وقد التحق بجمعية الكاريوناري لينفذ ونامجه وبحقق أهدافه .
