ظهور حزب المعتدلين - تأليف عصبة الأمم ثوراث سنة ١٨٤٨
كان متزيني وهو مقيم في بريطانيا لا يمني يستخبر أخبار إيطاليا ويسستطلع احوالها ، ولم يكن راضيا عن النزعات التي استجدت بها ، وهو مع ذلك ماض في جهاده دائب على تدبير الخطط وإعداد البرامج ، وكانت العاصفة في إبطاليا قد أخذت تتكور لتهب مزمجرة عاتية ، وأخذ السيل يتجمع ويستفيض ليندفع غامرا جارفا .
ولا يمكن تحديد مدى تأثير متزيني في استحداث اليقظة القومية الجديدة ، ولكن حينما نعلم مبلغ تأثير جمعية إيطاليا الفتاة وان كثيرا من الرجال الذين اشتركوا بعد
ذلك في الحركة القومية الإيطالية كانوا من أعضائها ، فمن السهل أن نقدر تأثيره في تلك الحركة ، وقد كان طلبة الجامعات يقرأون أعداد مجلة " إبو ستولانو بوبولاري وكان العمال يفكرون في مبادئه ويدينون بتعاليمه ، ولكن تأثيره لم يكن هو العامل الوحيد على قوته وأصالته ، فقد كانت ذكري الثورات السالفة التي قامت بها جمعية الكاربوناري لا تزال تجلو من النفوس صدأ الفتور وخمود الهمة ، وتضرم جذوة الحماسة ، ولا تزال أخبارها الغر ومواقف فتيانها وشهدائها وابطالها احاديث القوم في لياليهم الطويلة الساهرة وأسهرهم المعلة المقفرة ، وكانت مشاهد الحرية المسلوبة ، والظلم العادي ، وسوء الحكم ، تكشف عن عيوب الحكم النمساوي ، وتفضح مساوئه ، وتنبه الغافل ، وتثير الأحقاد الدفينة . وبرغم اختلاف التيارات بين الوطنيين وتباين النزعات كان هناك إجماع على مسألتين وهما جلاء النمساويين عن إيطاليا ، والعمل على ان يكون هناك ضمان لقيام الحكم الصالح .
ويرغم الرقابة الشديدة ويقظة الشرطة فإن روح التمرد وجدت في الأدب متنفسا لها ومعبرا عنها ، واسترعي الطلبة التفات الأمة إلي التروي من أدب داغني باعتباره الشاعر القومي والروائي الوطني الذي نادي بالوحدة الإيطالية منذ خمسة قرون ، وأخذ الروائيون والمؤرخون وكتاب الدراما يتحدثون عن أمجاد إيطاليا وماضيها الحافل العظيم ، وكثر المصلحون الاجتماعيون في مختلف نواحي الحياة الأدبية والاقتصادية ، وكانت عنايتهم بالإصلاح أكثر من عنايتهم بالسياسة . وبدأ بقوي في إيطاليا حزب المعتدلين ، وكان من زعماء هذا الحزب الفيلسوف جبوبرتي ، وهو من البيدمونتيين الذين أبعدوا عن بلادهم لأنهم طالبوا بحريتها ، وكان في صباه من جمعية إيطاليا الفتاة ، ولكنه نقم من زعيمه ثباته على المبدأ ، واستقامة مذهبه واستمساكه بآرائه ، فانفصل عنه ، وخرج عليه ، ولم ينس أن يشدد على الجمعية النكير ، ويصب عليها النقمة ، ويخص زعيمه السابق بالنصيب الأوفر من الزراية والتحقير ، ولله متزيني فكم لقي في طريقه من مكائد الحساد ، وفخاخ الأعداء وغدر الأصدقاء ، وتقلب الأعوان والأتباع ، ولكنه مع ذلك لم ينحرف عن الطريق السوي ، ولم تحمله الحوادث على أثباجها ، وكان جيوبرتي ينادي بضرورة الخلاص من النمساويين ويقول بالفكرة القومية ، ولكنه كان يعمل لإيجاد اتحاد فدرائى بين الولايات الإيطالية المختلفة تحت رياسة البابا ، على أن يتولى الأمراء في كل ولاية الإصلاح دون أن يكون هناك أدنى انتقاص لسلطانهم ، وهي فكرة غريبة لم يستطع أن يسيغها عقل منطقي منظم وخاطر ملهم مثل خاطر متزيني ، فقد كان حكم هؤلاء الأمراء الطغاة وحكم البابوات هما سبب فساد الأحوال في إبطاليا وبواعث النكبة والتأخر ، فكيف يؤهل لها الخلاص على هذه الطريقة ؟ ولكن هذا النوع من التفكير السطحي التافه هو في المادة الفلسفة التي يتشدق بها هؤلاء الذين يخرجون علي
الزعماء لأنهم ملوا الجهاد واستقربوا الطريق واستبدلوا بمثلهم الأعلى مثلا ادني وأيسر تحقيقا ، فهم لا يكتفون بالخروج على الزعماء والتكوص والإحجام ، بل لابد لهم ان يزخرفوا جبينهم ، ويبرروا ارتدادهم ، وقد وصف المتنبي نفسية أمثال هؤلاء الناس في قوله :
يري الجبناء أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع اللئيم
وهذه الحالة لون من ألوان التبرير المعروف عند المفكرين النفسيين.
وكان هناك زعيم اخر من زعماء المعتدلين هو شيزاري باليو وهو من القائلين بالفدرائية ، وكان يرمي إلي الخلاص من النمسا ، ولكنه كان يري أن الوحدة الإيطالية حلم لا سبيل إلي تحقيقه ، وكان دليله على ذلك انه لم يوجد من قبل شئ اسمه " المملكة الإيطالية
وكان ما سيمودازليو ثالث الزعماء المعتدلين ، وكان يري انتقاص سلطة البابا ، ويشارك جيوبرتي في رأيه القائل بأن تجديد ايطاليا والنهوض بها لا يمكن ان يتم بغير موافقة البابا وتأييده ، وكان يتطلع إلي شارلز البرت ملك بيدمونت لقيادة الحركة الاستقلالية وطرد النمساويين ، وكان له انصار كثيرون ، ولم يكن يري ان الوقت ملائم للحرب وانه لا يمكن عمل شئ ما دام الجيش النمساوي واقفا بالمرصاد ، وان الصبر والمعارضة السلمية هما الوسيلة الوحيدة الميسورة
وكان هؤلاء الثلاثة هم زعماء المعتدلين الذين كانوا يناظرون متزيني ؛ وواضح أن مرماهم غير مرماه وان مبدأهم غير مبدئه ؛ فقد كانت الوحدة الإيطالية عندما متزيني مقدمة على كل شئ ، وكان تحرير إيطاليا من أغلال البابوية العقلية والدينية لازما كذلك ، ومن أجل هذين المطلبين كان يقف متزيني وحيدا مكروها من السياسيين المعاصرين له وكانوا ينعتونه بالخيالي الحالم ، وقد استطاع ان يجعل
الإيطاليين يحلمون مثله بالوحدة ويريدونها ، وذلك بثباته وإخلاصه وجزالة رأيه وقوة ارادته
وكان معظم المعتدلين يقسمون ولاءهم بين البابا وملك بيدمونت شارلز البرت ، وكان شارلز البرت رجلا مترددا ضعيفا قد تلوثت يده بدماء الأحرار ، ولم يكن متزيني يطيق الانضمام إلى حزب الملك او حزب البابا ، ولذا كان قذمي في عين انصار الملكية وشجي في حلق دعاة البابوية ، وقد ظلل الحزبان يواليان عليه الهجوم وبشنان الغارة ويرميانه بالقوارص ويلصقان به التهم حتى توفاه الله واراحه منهم وأراحهم منه . ولو كان تقدم احد الحاكمين - الحاكم الزمني أو الحاكم الروحي - إلي قيادة الحركة لمجاهدة النمساويين بعزم صادق ونية خالصة لما أحجم متزيني عن ان يؤيده بكل ما اوتي من قوة ويضع تحت تصرفه خبرته وتجاربة وشجاعته الخارقة وأراءه الناضجة
وفي سنة ١٨٤٦ خلف بيوس التاسع البابا جريجوري السادس عشر الذي كان من البابوات المكروهين الجائرين ، وكان البابا الجديد رجلا خيرا له ميول حرة ونزعات طيبة ، وكان سخيا في وعوده ، وبدأ عهده بمهادنة خصوم البابوية السياسيين وعبر من كراهته لحكم النمساويين ، فاثار ذلك الأمال البعيدة في نفوس الإيطاليين وأشعل حماستهم ، ولكن سرعان ما خابت فيه آمال الأحرار ، وكان الرجل يميل إلي إصلاح شؤون رعيته ، على ان تكون هذه الإصلاحات هبات يجود بها ، وصنائع يسديها ، لأنه لم يكن يعترف بأن للرعية حقوقا ، ولذا لم يكن في نيته الخروج على التقاليد البابوية والأخذ بالنظم النيابية ، وكان المعتدلون متطرفين في تعلقهم به ، وتحمسهم له ، ولكن برغم هذه الحماسة الشديدة والولاء المحض فإن الرجل لم يستطع أن يظل طويلا يلعب دور البطل الوطني ، وفي سنة ١٨٤٨ أعلن أنه لا يقر محاربة النمسا فانقلب حب الناس له كراهة ونفورا ، وتحول المعتدلون بولائهم إلي طرف القطب الآخر
وهو الملك شارلز البرت ، فأصبح في نظرهم البطل المرجو والمخلص المنتظر ، ولم يكن له من ماضيه ولا من صفاته الشخصية ما يسوغ هذه العقيدة ، وبيرر تلك الثقة ! وكأن الرجل فيما يقال تنتابه في بعض الاوقات نوبات من الوطنية ، وقد استغل المعتدلون لدلاية قوله في احدي هذه النوبات : " إذا ارسلت لنا العناية حربا لخلاص إيطاليا فإني سامتطي صهوة جوادي واضع نفسي في طليعة الجيش ، ولما سمع متزيني هذا التصريح قال : " إذا كانت هذه ورود فانها سنتزدهر وتتفتح "
وفي هذه الفترة أنشأ متزيني ( الجمعية الوطنية الإيطالية ) لتحل محل جمعية إيطاليا الفتاة ، ولم يشر في برنامجها إلي استمساكه بالحكم الجمهوري ، وإنما اكتفى بأن يذكر أن غاية الجمعية هي الحرية والوحدة والقومية ومحاربة النمسا وتقوية الشعور القومي والنهوض بالأمة الإيطالية وتقريب الساعة الحاسمة التي تستطيع فيها الفصل في حاجاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
وفي سنة ١٨٤٧ أنشأ عصبة الأمم الدولية بمساعدة جماعة من اصدقائه البارزين من الأحرار ، وإنشاء هذه العصبة يعرب عن فكرته في أن تقدم الإنسانية رهن بحسن التفاهم بين الامم والتعاون المتبادل ، ولا يتم هذا التفاهم إلا إذا حل التعارف بين الامم محل التناكر والجهل وتوفرت النية الحسنة والعلاقة الطيبة ، وكان يقصد كذلك من وراء إنشاء هذه العصبة إلى تكوين الرأي العام الدولي الذي يعترف بحق الامم المستعبدة في الحرية والقومية والتقدم . وموجز القول أنه لم يكن مرتاحا إلي الفوضى الدولية السائدة وعدم وجود قانون يكبح جماح الدول المعتدية ويحد من مطامعها ، ويحمي الحريات الاممية ، ويصون حقوق الضعيف ، وكان يؤمل من وراء إنشاء هذه العصبة علاج هذه الحالة الى لا يجئ من جرائها سوى الشر المستطير والخراب العاجل ؛ ولم يلتفت الساسة إلي أهمية
فكرة متزيني إلا بعد الحرب الكبرى الأولى ، وإن كانت التجربة لم تسفر عن نجاح باهر وتوفيق ملحوظ . ومهما يكن من الامر فإن اتجاه متزيني إلي إنشاء عصبة الأمم في سنة ١٨٤٧ دليل على نضح تفكيره السياسي وبعد نظره وإنسانيته الفياضة ، وهي تبين لنا ان وطنية هذا الرجل لم تكن من طراز الوطنية الضيقة المتعصبة العادية الجارمة من امثال وطنية هؤلاء الأدعياء الدجالين الذين اخرجتهم المانيا وإيطاليا وكانوا بتهومهم الصفيق نكبة على بلادهم وعلى الإنسانية جميعا ، وكان متزيني يمقت الحرب إلا إذا كانت لتأييد مبدأ أو لدفن أكذوبة ، وهي بعد كل شئ وسيلة بغيضة للفصل في الخلافات الدولية .
وبرغم كراهة متزيني للمعتدلين فقد كان لآرائهم مكانها في السياسة الإيطالية ، فقد كانت عقيدتهم سهلة ميسورة بالقياس إلي عقيدة متزيني التي تتطلب التضحية والارتفاع إلي الأعالي السامقة ، وعقيدة المعتدلين صالحة للمتشككين والمترددين وضعاف القلوب والعزائم ؛ وسرعان ما انحاز إلي صفوفهم رجال الدين والأغنياء الميسورون وكل من كان لا يروقه مثالية متزيني وأحلامه المحلقة ، وكان المعتدلون يتفقون مع متزيني في أمرين وهما طلب جلاء النمساويين والإهابة بالإيطاليين واستجاشة قواهم واستثارة هممهم ، ولذا كان عملهم من بعض الوجوه مكملا لعمله ؛ وحقيقة أنهم كانوا لا يدانونه في نبالة الغرض وسمو القصد ، وصدق الوطنية التي توحي الأعمال العظيمة ، ولكنهم استطاعوا أن يضموا إلي صفوفهم جمعا ضخما كان لا يمكن أن يحشد مثله في صفوف جمعية إيطاليا الفتاة القليلة المختارة ، وكانوا من ناحية أخري يزودون الحركة العامة بصفات كانت تنقص متزيني ، منها حاسة الممكن والميسور ، وكان في جماعة من أفضل أنصارهم من المرونة والصبر والاعتدال وسعة الحيلة وكثرة الإحاطة ما يمكنهم من الترحيب بجميع من يتقدم إليهم في تردد وخوف أو في سرور وارتياح للاضطلاع بالواجب القومي
ومن الأسباب التي مهدت السبيل لظهور حزب المعتدلين ضيق الناس بالثورات الصغيرة المحدودة التى كانت لا تسفر إلا عن إراقة الدماء ، وإزهاق الأرواح ، وزيادة عنف الطغاة وإمعانهم في الظلم ، وكان من رأي المعتدلين أنه لا فائدة من التمرد على الأمراء الوطنيين ، وأن الجهاد لجلاء النمساويين يجب أن تتولاه جيوش نظامية ، ولكن التقاليد الثورية برغم ذلك لم تنس ولم يزهد فيها وقد أمدها المنفيون في الخارج بالحياة والأمل ، وكانت إيطاليا الوسطي تموج بالمؤامرات الخفية والتدبيرات السرية ، وكان متزيني نفسه قد بدأ يتسرب إليه شيء من الشك في قيمة هذه الثورات الضيقة النطاق وقد مكنته حادثة فتح الرسائل من أن يلفت نظر الرأي العام البريطاني إلى المسألة الإيطالية وقد كان متزيني في باديء الأمر شديد الاحتقار للسياسة البريطانية الخارجية ، ومن أقواله عنها : " إنها تقاوم كل شيء يستقدم حقيقة جديدة في السياسة الأوربية ، وهي أول من يعترف بها إذا أظهرت قوتها " وكان يرى أن السياسة التي تليق ببريطانيا هي سياسة تشجيع الحركات القومية لا بالتدخل المسلح وإنما بالتأييد الأدبى ، وربما كانت مساعي متزيني في هذا السبيل من بواعث عطف الوزير الإنجليزي بالمرستن على القضية الإيطالية .
وكان متزيني في تلك الفترة دائب النشاط جم العمل ، وكان ما يبذل من الجهود المتصلة لا يمكن الخواطر السود التي تهدم الإيمان وتقوي باليأس من ان يجد كلمة تتقحم عليه منها ، ولكنه كان مع ذلك ينازل جيشا من فوارسه الفقر ، وكان يتلقي معونة من والدته ولكنه كان لا يزال كعادته متخرقا في الكرم ، وآده حمل الديون المتراكمة ، وكان ما تدره عليه الكتابة لا يزال قليلا لا يفرج الكرب ولا يفي بمطالبه وحاجاته ، وكان يخشى ان تخب إليه الشيخوخة قبل ان يؤدي رسالته ، ويقوم بواجبه ، وكان يؤلمه ويحز في نفسه ان يري تخلف الناس عن متابعته
وإقبالهم على الزعماء المعتدلين . وأخذ خصومه وأعداؤه يسممون به ويتهمونه بأنه يغري انصاره بالإقدام على الثورة وشق عصا الطاعة ، وهو متحرز في مأمنه كانه كان مخيرا في النفي ، وكان يري ان انتصار المعتدلين يعوق الوحدة ، ويعرقل سير الحركة ، ولكنه رأي استحالة مقاومة هذه النزعة الجديدة ، وكان اهم ما يشغل باله في أواخر سنة ١٨٤٧ هو استثارة النمسا ودفعها إلي التدخل في الشؤون الإيطالية وقمع الحركة الجديدة ، وكان يري أن اعتداء النمسا برغم الإيطاليين على ان يهبوا للجهاد ، وان موجة الشعور العام ربما ارغمت شالز البرت على امتشاق الحسام وقيادة الحركة ، وكان يهجس بخاطره في بعض الأحيان أن حكومات الولايات الإيطالية قد ترفض تحدي النمسا فتتولي ذلك جمعية إيطاليا الفتاة .
وأقبلت سنة ١٨٤٨ وهي سنة الأحداث الجليلة " والثورات الخطيرة في أوربا ؛ ففي فرنسا خلع لويس فيليب وقامت الحكومة الجمهورية ، وذهب متزيني إلي باريس ليضم الإيطالين بها إلى الجمعية الإيطالية القومية وليقدم التهنئة للجمهورية الجديدة .
وبدأت نيران الثورة تشتعل في أنحاء ايطاليا ، ففي أوائل يناير حدثت في ميلان ثائرة التبغ ، وكانت طليعة الثورة التي قامت في مارس ، وبعد مرور يومين ثار أهل ليجورن ، وتبع ذلك قيام حركة قوية في صقلية لخلع لير حكم اليوريون ، وقبل مضي شهر ارغم اهل صقلية الملك فرديناند على منحهم الدستور ، وفي خلال شهر فبراير ظفرت نسكاني ويبدمونت بالحكم النيابي ، واضطر البابابيوس التاسع إلي أن يعلن الدستور في الولايات البابوية ، واستردت الولايات الإيطالية حريتها حاشا الولايات الخاضعة للحكومة النمساوية ، وأصبحت محاربة النمساويين من الأمور المتوقعة المنظورة ، وكانت إيطاليا تنتظر اشارة من ميلان او من نورين ، وكان شالز البرت
لا يزال الملك المتردد الظامي إلي الانتقام من النمسا والذي يحرص على ان يظفر بإعجاب الإيطاليين وتقديرهم ، ولكن الذي يخاف في الوقت نفسه القوي الدمقراطية التي تدفعه إلي العمل دفعا ويخشى ان تسود فكرة الحكم الجمهوري .
وبينما هو يتدبر الأمر ويفكر في الموقف ويوازن بين المحتملات المختلفة هبت العاصفة وسال السيل واصطفق الموح ، فقد ذاعت في الأنحاء الشمالية من إيطاليا اخبار ثورة فينا ، فوثب أهل ميلان على الحرس النمساوي ، وبعد معركة حامية استمرت خمسة أيام شداد طردوا النمساويين واضطروهم إلي الفرار من المدينة ، واقتدت بميلان برجامو وكومو وغيرهما من مدن لومباردو واكتسبت حريتها ، وأعلنت تسكاني وبيدمونت الحرب على النمسا ، وتسللت الجموع من نواحي إيطاليا لتتم العمل وتنجز المهمة ، وتدفقت فرق المتطوعين من المدن والقري ، واكتسحت موجة الوطنية الامراء والساسة ورجال الدين والأشراف والطلبة وأصحاب الفنون ، وتلهبت الحماسة في الصدور ، وتحركت العواطف الهاجمة ، ونسي القوم الحرص على الحياة وحطام الدنيا ، وتراءي للعيان ان حلم متزيني أصبح حقيقة واقعة ، وأن صوت الواجب المقدس قد أهاب بالإيطاليين فلبوا نداءه ، ونهضوا نهضة الأسد الهزير لطرد الطغاة واسترداد الحرية
وتراءت هذه الأنباء السارة إلى متزيني وكان حينذاك في باريس يؤلف بين قلوب الملكيين والجمهوريين من المنفيين ، فعبر ممر سنت جونار مستهدما لخطر القبض عليه ، وراعه جمال جبال الأب فقال كلمته المعروفة " لا يتسنى لإنسان ان ينكر وجود الله وهو في جبال الألب ، ووصل إلي ميلان في اليوم السابع من شهر إبربل ، ولم يستطع الذهاب إلي بيدمونت او جنوا لان الحكم الصادر عليه في سنة 1833 كان لا يزال قائما ، وفضلا عن ذلك فإن ميلان كانت محور الحركة في تلك الآونة .
