يرى المؤرخ البحاثة بلتن كنج - وهو من أسبق الكتاب إلى ترجمة حياة الزعيم الوطنى العظيم جوزيف متزينى - أن حياة متزينى الملأى بالشواغل لو كانت تركت له متسما من الوقت أكثر مما كان يملك اصار من أعظم نقاد القرن التاسع عشر، ثم يستدرك ويشير إلى أن الفصول الانتقادية التى كتبها متزينى ربما كانت ترفعه إلى هذه المكانة، وما أتيح لي قراءته من كتابات متزينى فى النقد الأدبى تجعلنى أميل إلى الأخذ بهذا الرأى .
ولا نزاع فى أن متزينى يحكم ظروفه الخاصة وحياته القلقة العاصفة كان ينقصه فى فصوله الأدبية الانتقادبة للدقة المستوعية والدراسة الشاملة المستفيضة، ولكنه كان مع ذلك نافذ النظر، قوى الملاحظة، يدل نقده على الأصالة والطراف وقوة الفطنة وحسن التهدى وسلامة الذوق، ومع قوة إحساسه بجمال اللفظ وروعة التعبير، فإنه لم يكن من هؤلاء النقاد الذين يقصرون همهم على تصيد العيوب، والتماس الأخطاء، سواء فى حياة المؤلف أو فى كتبه، وكان يؤثر أن يقرأ المؤلفين الممتازين بروح الإكبار والإعجاب متغاضيا عن عيوبهم ونواحى ضعفهم، محاولا أن يتغلغل إلى صميم أفكارهم، وان يتعرف جوهر رسالتهم؛ ومن أقواله فى هذا الصدد ضمن مقاله البديع عن دانتى: " فى العصر الحاضر لا تعبد العبقرى عبادة عمياء، ولا نسئ إليه أو نتجنى عليه، وإنما تحاول أن نفهمه ونتعلم حبه، والقوالب فى نظرنا أمر ثانوى ومظهر زائل، والفكرة وحدها هى الشئ المقدس، ونحن نحاول أن نرفع الحجاب الذى يسترها " وكان يشبه العبقرية بالشجرة، ورسالة النقد هى عز أغصان تلك الشجرة لا محاولة اقتلاعها واجتناث أصولها .
وللشعراء فى رأيه أهمية كبيرة وشأن عظيم، والأدب فى رأيه كهانة أخلاقية، ومن كلماته عن الشعر: " الشعر هو الحياة والحركة والحرارة المتقدة فى صميم العمل، والنجم الذى يضئ طريق المستقبل، وعمود النيران الذى يقود
تقدم الناس عبر الصحراء، والشعر هو الحماسة بأجنحة من النار، وهو تلك الأفكار السامية التى توحى إلينا قوة التضحية، كلا إن الشعر لم يمت، والشعر خالد لا يموت مثل يتابيع الحب والحرية التى يستمد منها إلهامه، ولقد هجر الشعر أوربا العجوز القديمة ليبث الحياة فى أوربا الشعوب الشابة الجميلة، لقد هرب مثل الطائر القرد من البناء المتداعى مأواء السابق، ليبحث عن عالم أزهى وسماء أصفى، ولقد هجر العرش الملكى المنعزل إلى ساحة الشعوب وإلى صفوف الشهداء فى سبيل أمتهم وإلى سجن البطل الذى غدر به ونكث عهدة، وإلى المشقة التى تنصب للمواطن، فيأبها الشعراء؛ أنتم إخوة النسور، فلماذا تديرون الطرف إلى الخلف ؟ انظروا حولكم وأمامكم، إن الشعوب الأوربية تنتظركم . . إرفعوا أبصاركم وكونوا رسل المستقبل . . وانظروا قبل كل شئ للمستقبل وللشعب ".
وفى مقال له عن " الأدب الأوربى " يخاطب شعراء القرن التاسع عشر من الشبان قائلا: " أيها الشبان ؛ إن الإنسانية تعهد إليكم برسالة جليلة الشأن، ففى الأيام الغابرة كانت الأمم تاتمن الشعراء على الأسفار التى استودعتها قوانينها وديانة آبائها، وتقول للشاعر" لتكن مهمتك صيانة هذه الوديعة فى قلوب أبناء شعبك، واعلم أن إلهاماتك لا تقدس ولا تحترم إلا فى داخل حدود وطنك" ولكنكم سيكون أمامكم العالم جميعه مسرحا لفخاركم، وكل نبضة من نبضات قيثارتكم ستكون تراثا للبشرية، وكل وتر تحركونه سيرن صداء ويترامى إلى ما وراء أقصى حدود المحيط، وقلوب سكان أوربا الراهنة تستجيب لروح الحب ولكن استجابة مختلطة مضطربة متفاوتة فى قوتها، وقرون من الخطأ قد أزالت طابع أصولنا المتحدة العامة، ولكن الله أعطانا الشعر ليؤلف ما بين الإخوان المشئتين المتباعدين، وعملكم هو إيقاظ روح الحب وإشاعته فى كل ناحية، وكسر الحواجز القائمة فى سبيل الأخوة البشرية، وأن تتقنوا العواطف
العامة الشاملة والحقائق الأبدية الخالدة، ومن ثم كان لزاما عليكم أن تدرسوا الآداب العالمية، والذى لا يعرف سوى أيحب أمة واحدة لم يقرأ سوى صفحة من الكتاب الذى احتوى أسرار العبقرية، فأتحدوا فى مناجاة صامتة لهؤلاء الذين يعانون أحزانا مثل أحزانكم وشاركوهم فى أفراحهم . وجاهدوا لبلوغ الفرض الذى يقصدونه، وليس تمنينا أكانت الشمس ترسل أشعتها فى خلال السماء الصافية الأديم أم كانت ترسلها خلال السماء الممتلئة بالسحب، فقاوب الناس جميعا يسرع نبضها إذا تنسمت أنفاس الجمال، ولكل إنسان دمعة وكلمة عزاء موقوفتان بل صرخة المحزون الشقى، وهل يوجد إنسان لا تتجدد روحه فى داخله حينما يذكر اسم الحرية ! ليكن ذلك مصدر وحكم، وستكون أشعاركم معبرة عن صوت السكون، وإن شجرة الخلود لتزدهر فى نهاية طريق الحياة الممتدة أمامكم، وستغرسها الشعوب على قبر الذى يصل إلى الهدف فى الطليعة، احتراما له وإ كبارا لشأنه، وستخط الأبدية على ضريحه "هنا يرقد شاعر الطبيعة الذى أحسن إلى الإنسانية".
والشعر فى رأى " متزينى " ينفذ الدنيا من المحنة التى تعانيها، لأن الشاعر يستطيع أن يخلص الإنسانية من إسار الشكوك وأغلال المثل الوضيعة، ويكشف لها عن واجباتها وينبعث أشواقها، وهو الذى يرفع الناس فوق تفاهات الحياة وصغائرها. ويسمو بهم إلى الحقائق الخالدة. ومن كلماته فى هذا الصدد " لقد نقيا الشعر من الحياة ومن اليقين وتولت الحماسة وافتقدنا الحب بالمعنى الذى أفهمه . والثبات على التضحية، وعبادة الأعمال العظيمة، والرجال العظماء ".
وكان يعتقد أن إيطاليا ليس بها سوى القليل من الحياة القومية النابضة، والشعر لا يزدهر إلا فى ظلال الحياة القومية النابضة القوية. والعصور التى يضعف فيها الإيمان تسلب الشاعر غذاءه،" فالعصر عصر النقد، النقد البنائى ، والناقد الفيلسوف هو المعلم الأدبى وهو الذى يمهد السبيل لشاعر المستقبل ويرسم له خط سير الشعر الحديث الديمقراطى، ويهيئ ذهن الجمهور لفهمه وتقديره، والناقد هو الواسطة بين كبار الكتاب والجماعات، وهو الذى يرود أحوال
العصر ويتعرف حاجاته ويبشريها للأمم لتستشعرها وتتطلبها ؟ وصفوة القول أن تكهناته تعيد جمهور الكاتب، وهو أمر أهم مما يقدر الكثيرون وقلما يظهر كاتب قبل وقته".
ومن آرائه أن الفن الصادق عليه أن يتجنب خطرين، خطر النظرية القائلة بالفن للفن، وهى نظرية كان يمقتها متزينى ولا يبخل عليها بالطعنات والضربات، ومتزينى لم يكن يهاجم اكتمال الأداة التعبيرية ولا جمال الصياغة وحسن الأسلوب، وقد كان يحب الدقة فى اختيار الألفاظ وتحرى الصحة، ولم يكن يعيب الأسلوب ما دام لا يستر فقر الأفكار، وإنما كان يذهب بنقده إلى أعمق من ذلك ؛ فالشاعر فى رأيه يجب أن لا يعيش فى فنه منعزلا عن الحياة التى تعج وتصطخب حوله، وأن لا يلتمس الوحى فى أوهامه ونزواته، وهو لا يعبر عن شخصيته بهذه الطريقة، وإنما يصبح مرآة للانطباعات العابرة، وبدلا من أن يظفر بالحرية فإنه يضرب فى الفوضى ويسير على غير هدى؛ وعنده أن نظرية الفن للفن تحرم الفن من الاتصال بحقائق الحياة العظيمة وتقطع علاقته المثمرة بالشعب المكافح الدائم التقدم والمعرفة، وهى تجعل الفنان شاردا حائرا لا غرض له ولا هدف، وتنزل به من مستوى المفكر والمعلم إلى مستوى الغنى غناء فارغا تافها؛ ومن أقواله: " الذى أريده ليس الفنان فحسب، وإنما الفنان الرجل، والكاهن الأعلى المثل الأسمى، لا عابد الأوهام والخزعبلات، ويلزم أن يكون الأدب وسيلة لشئ أعظم منه وأنفس".
وكان كذلك لا تروقه الواقعية، وبخاصة الواقعية فى تصوير الطبيعة، وقد انتقد من هذه الناحية شعر فكتور هيجو ووردزورث، ومن أقواله فى نقد فكتور هيجو: "جمال هذه المقطوعة من الشعر يقوى شعورنا بالخطأ الذى كثيرا ما يقع فيه فكتور هيجو، سواء كان ذلك خلال تفكيره أو خلال تصويره. فأعطه ركنا قد خيم عليه الهدوء أو حديقة أو جناحا فى قلعة قديمة تره ينطلق من أول الأمر متحدثا عن كل زهرة وكل شجرة وكل جدول وكل حصاة، ويتبع ذلك بالحديث عن السقف والأروقة والكرانيش والأبواب والموارض الراكزة على الأعمدة وتماثيل النساء التى تحمل على رؤوسها أثقال البناء، ثم ماذا بعد ذلك ؟ الطحالب
واللبلاب والأشنة والطير الذى يبنى عشه والعنكبوت الذى ينسج خيوطه هناك. وأعطه فكرة تره يظل يبدأ فيها ويعيد ويتصرف عنها ويكر عليها وينظر إليها من كل وجهة ويعايتها من فوقها ومن تحتها ويحللها إلى عناصرها ويقتلها بحثا وشرحا حتى لا يستطيع أحد أن يقول له " لقد تركت جزءا من هذه الفكرة فى ظلمة الخفاء " وهو يكشف ويرود ويغير ويفضل ويشرح ويحلل، ويترك موضوعه - إذا سمح لى بالموازنة - كما يترك المنزل بعد أن تفتشه الشرطة تفتيشا دقيقا .
وهذه الطريقة مستهدفة للنقد الشديد من ناحيتين . فهى من ناحية لا تترك للقارئ شيئا يعمله، وفى كل انطباع شعرى قوى فإن المهم الخفى يطلب له مكانا متسعا، وهذا الخفاء الذى يحسن أن لا تخلط بينه وبين الغموض هو ميدان الروح وطريقها إلى اللانهائى حيث تقيم الروح عقود الجسر الذى يوصلها إلى الله . وسر الشعر العظيم أو قوة الشعر العظيمة فى قدرته على أن يضع الروح تلقاء هذا الحفاء وأمام هذا الميدان اللانهائى، وذلك بأن يمنحها أجنحة تحلق بها هناك، والشعر المكتوب مثل الموسيقى التى تعزف يلزم أن يكون من بعض النواحى مقدمة لشعر آخر، هو الشعر الذى تنشئه روح القارئ المهتاجة فى صمت داخل نفسها، أو بلفظ آخر: إن أحسن الشعر هو الذى يجمل القارئ أعظم شاعرية، كما أن أحسن أنواع التربية ليست التربية التى تعلمنا أعظم تعليم. وإنما هى التربية التى تمنحنا أعظم القدرة على التفكير.
وفكتور هيجو بتحليله الدقيق يقضى على عالم الخفاء واللانهائى فى نفوسنا، بل يقصى الرغبة فيهما، وهو يمحو التأثرات الشعرية من نفوسنا لأنه يتخمنا بها، ويعكوفه على التعريف والتحديد والإسهاب والتفصيل يحصر ويجد، ويترك ملكات القارئ متبلدة متعطلة، وليس هذا كل ما فى الأمر، فإن الأنكى من ذلك أنه قد يفسد الفكرة بمحاولة إنها كها واستنفاد قوتها، ويصرف أنظارنا عن الكل إلى الأجزاء، وبمحاولته مضاعفة التأثيرات يضعفها" . وهو نقد يخيل إلى أنه قد أصاب المحز، فإن إطالة الشاعر فى بسط المعانى وإسهابه فى الشرح والتفصيل يضعف
شاعريته ويزهدنا فى شعره، وما أصدق قول البحترى : والشعر لمح تكفى إشارته وليس بالهذر طولت خطبه ويؤكد متزينى لمعاصريه أن الشاعر الحق هو الذى يعبر هن الأفكار التى تختلج بنفوس الجماعات، والخواطر الكامنة فى نفوس الشعوب، والتطلعات التى تعمل فى عقلها الباطن، والشعراء هم كهنة الحركات السياسية والاجتماعية، ولا مكان عنده للشعر الفردى فى العصر الحديث عصر الشعوب والأمم والجماعات، والفن الصادق المقدس فى رأى متزينى يرمى إلى كمال المجتمع وتطهيره وتنقيته من الشوائب ورفع مستواه، وهو يوافق النقادة الألمانى شاجل فى قوله: "إن الشعر يجب أن يكون قوميا " أي يجب أن يكون نافعا متصلا بالموقف السياسى والمدنى ومؤثرا فى المجتمع ؟ والشاعر يبرون الذى ذهب ليدافع عن حرية اليونان وقضى نحبه هناك قد مثل لنا فى رأى متزينى الانحدار المقدس بين الشعر وقضية الشعوب .
ويشير متزينى إلى علاقة الشعر بالفلسفة فيقول : " للشاعر أن يتناول مبتكرات الفيلسوف ويمنحها الحياة ويضفى عليها اللون ليكشف الحق الكامن تحت الواقعى وينيره بنور العبقرية ويفسر القوانين العامة للسيطرة على التاريخ البشرى " .
ولا يكفى فى نظره أن يثير الشاعر أفكارنا، فإن عليه أن يستحثنا على أن ننقل أفكارنا إلى عالم العمل، وشعراء التأملات مثل وردزورث وكولردج فى رأى متزينى شعراء ناقصون؛ وكما أن الدين يعطى الحياة والقوة للفلسفة فكذلك الفن يستطيع أن يحمل الأفكار معتقدات مؤثرة عن طريق الصور والرموز، والشعر الحق فى رأيه هو الذى يضع فى يد الناس سيفا أو قدا خنجرا ويعلم الشباب التضحية والثبات والمثابرة والصمت والشعور بالعزلة بغير يأس، واحتمال الآلام سنوات طويلة، واليقين بالمستقبل والكفاح من أجل هذا اليقين.
وعنده أن الفن يجب أن يكون جريئا وحافلا بالأمل " يعلم الناس ما فى نفوسهم من قوة، لا ما تنطوى عليه من ضعف، ويلهمهم القوة والإقدام والإرادة المصممة لا الضعف والخور والإحجام " .
ويكره متزينى شعراء التشاؤم والحزن ولا يترفق بهم، وقد انتقد مواطنه الشاعر الكبير جبا كومو لبوباردي . وأخذ عليه بأسه وولمه بالأطلال الدارسة واستمتاعه بمعافرة الأحزان، وعلل حزنه يأنسه من نيل السعادة الفردية ويأسه من وجود من يحبه ويعطف عليه .
وكان متزينى يقسم الشعراء إلى شعراء موضوعيين وشعراء ذاتيين، فالشاعر الموضوعى يخفى معتقدانه ويعكس الانطباعات الخارجية ولا يعايرها بمعياره الذى يفرق بين الحق والباطل، ولا يقدم لنا طريقة للعمل ولا يمدنا بوحى للأمل، أما الشاعر الدانى فإنه يطبع موضوعاته بطابع فرديته، ويجلس مجلس من يصدر الأحكام، ويمدح أو يذم . ولذلك يساعد الغير على تكوين القانون الأدبى ويخلق المستقبل .
والنوع الأول من الشعراء يثير إعجابنا ولكنه لا يحرك حينا، ومن هذا الطراز شعراء اليونان باستثناء شاعر واحد، وهو الشاعر اسكيلاس، ومن هذا الطراز شكسبير وجبتى، ومن شعراء الطراز الثانى اسكيلاس ودانتى وميشيل أمجلو ويبرون وشار ؟ وعند متزينى أن دانتى هو أسمى نوع من أنواع الشعراء الذاتيين . وقد تأثر متزينى بدانتى إلى حد كبير، وكان يمده الشاعر الذى لم يأخذ من الناس سوى القليل وأعطاهم الكثير، والبطل الذى كانت حياته حربا طويلة، والذى كان يحمل القلم والسيف، والذى لم ينتسب إلى طائفة من الطوائف المتنافسة فى عصره، وإنما كان إيطاليا قبل كل شئ؛ وكان يوازن بينه وبين شكسير شاعر الفردية والمؤلف الدرامى العظيم والذى خلق شخصيات لم يخلق مثلها فرد، وكان يمنح شخصياته حرية اختيار الخير والشر ومتابعة مصايرهم إلى النهاية ؟ وعنده أن شكسبير رجل تلقى الحياة كما وجدها فلم يفكر فى المستقبل ولم تمسه العواطف الأخلاقية القومية، ولم يعرف الشعور بالواجب،
فهو من ثم رجل كلبى النزعة متشكك شديد الشعور بزوال أمور الدنيا، لا يقين له فى مصر الإنسان ويجده .
وقد عقد متزينى موازنة بين جبنى وبيرون، وكان بكبر عقل جبنى ويعجب إعجابا شديدا بسعة إحاطته ؛ والظاهر أنه درس رواية فاوست دراسة واقية وألم بسائر مؤلفات جبتى، وهو يقول عنه : "جبتى عقل يتلقى ويعمل ويمثل كل
صورة ممكنة من صور العواطف الإنسانية والنزوع الإنسانى، وهو فى خلال الحلق يظل مشرفا معزلا يراقب ويفحص بنفس النقاد وعين الاهتمام أعماق المحيط ويرهوم الزهرة . . ويعرض فى رواية فاوست مشكلة العصر فى تجردها التام الرهيب، وهو أقدر الشعراء الممثلين لعصرهم الذين أخرجتهم أوربا منذ عهد شكسبير " ولكن عقل جينى على سموه واعتلاله لا يصل إلى أسمى الفحم لأن الفنان تغلب فيه على الرجل . وليس عنده معيار أخلاقى ولا إحساس بوحدة الحياة، فهو شاعر التفاصيل والتحليل، يشعر بكل شئ ولكنه لا يشعر بالأشياء فى كليتها ومجموعها، ويعيش بمعزل عن الدين والسياسة، يراقب حركات الدنيا وهى تعج حوله وتمور فى برود وفتور ولا يحاول أن يقدر الناس أو يجعلهم أحسن حالا أو يقاسمهم همومهم وشقاءهم، ولا يشعر بحاجة إلى العمل ولا يشعر بالحزن المقدس أو بأي حب حار عميق، وهو يوصى الناس بالهدوء والتأمل والنظام والاستسلام ، وينصحهم بأن يلائموا بين أنفسهم وبين الظروف المحيطة بهم، وأن يؤدوا واجباتهم الصغيرة على أن لا يستهدفوا للأخطار ولا يعكروا صفو مواهبهم ولا يخلوا بموازينها .
ويقول إننا إذا تحولنا من مراقبة جينى إلى مشاهدة يرون رأينا الرجل نفسه وهو يؤمل ويجاهد ويتقى لأجل الشعب كما فعل دانتى من قبله وكما فعل اسكيلاس، وهو يشبه جبتى فى أنه شاعر له فرديته وفى أنه طراز من القوة التى ليس لها هدف ولكنه لا يشبه جبتى فى شعره . فشعر يرون ليس مجرد انعكاس لأفكار الغير وأعماله، وإنما هو يطبع صوره بطابعه وينظر إلى العالم من زاويته الخاصة. ويفسره فى ضوء أشعته الداخلية، وهو أعمق. وجبتى أوسع، ويرون ينشد الجلال لا الجمال، ويعيد القوة والعمل، ويقوم بنصبه فى المعارك السياسية والاجتماعية الدائرة حوله، ويضرب فى مناكب الأرض محزونا مكتئبا قلقا نافر النفس، حاملا السهم فى جراحه
وواضح من آراء متزينى فى الشعر والشعراء أنه ينظر إلى الشعر من الناحية الاجتماعية الأخلاقية ويزن الشعر بميزان المصلح الاجتماعى والزعيم الوطنى السياسى.

