قدم متزيني لندن بصحبه صديقاه الشقيقان اجوستينو رافيني وجيوفاني رافيني ، وقد اضطر متزيني إلى مبارحة سويسرة لأن حياة الاستخفاء والمطاردة الدائمة والمراقبة التى لا تغفل طرفة عين استنفدت صبره وحيله وقوة احتماله وأصبحت لا تطاق . وقد تنسم في لندن ريح الحرية وخلع رداء التخفي ، واستراح من الرقباء ، ولكن الانتقال من مشاهد سويسرة الرائعة ولا سيما منظر غروب الشمس بها إلى ضجة لندن وقذارة احد شوارعها الخلفية مللأ نفسه هما ووحشة وتضجرا حتى قال : " لقد حرمنا حتى من السماء التي يستطيع أشقي الناس في القارة الأوربية أن يجيل فيها الطرف " .
وأقام هو ولفيف من أصحابه في منزل بشارع جورج ، وظل به ثلاث سنوات وهو يعاني الفقر والضيق ، وكان مع ذلك يشمل اصحابه بعطفه ، ويفيض عليهم من كرمه ، ويضحى براحته في سبيل إسعادهم ، وفي بعض الاحيان لتلبية نزواتهم . وحدث خلاف بينه وبين أجوستينو كان مصدره أثرة اجوستينو وسلاطة لسانه ، وكان يعرف فضل متزيني ولكنه كان لا يملك عنان نفسه ، ولم يكن بطبيعته مستعدا لطاعة إنجيل الواجب إلي النهاية ! وكان أخوه جيوفاني أهدا منه طبعا ، وأرق حاشية ، ولكنه كان مثله لا يؤمن كثيرا بشريعة الواجب ، وكان هذا الاختلاف يحز في نفس متزيني ، ويزيد في همه حتى قال " إني لا احب أحدا ولا أريد أن أحب أحدا " . وقد ظلم نفسه بهذا القول ، ولكنه يدلنا على حالته النفسية السيئة في تلك الفترة . وكان لايبرح المنزل الذي يقيم به إلا إلى المتحف البريطاني ، ولم
يكن يملك من النقود ما يكفي لشراء ما يحتاج إليه من الكتب والمراجع ، ولم يجد أحدا يعيره نقودا لأن معظم المنفيين كانوا مثله فقراء مأزومين ، وكان يعيش هو وأصحابه في أكثر الأيام على الأرز والبطاطة . وأرسل إليه والده نقودا ليضارب بها في زيت الزيتون ولكنه بددها ، ولما جاءته رسالة تعنيف من والده أبي مدة سنوات أن يقبل من أسرته أية مساعدة ، وحاول عبثا البحث عن عمل ، ولم يشق طريقه إلي المجلات الإنجليزية إلا ببطء ، وكانت الفصول التي نشرها في بادئ الأمر لا تدر عليه سوي القليل بعد أن يدفع منها جانبا المترجمين ، وكان مع ذلك لا يتردد عن مساعدة المنفيين الذين يلوذون به ويشكون إليه حاجتهم ، ورهن أكثر ما يملك مثل ساعته وكتبه ومصوراته وخاتم والدته ، وعرض صحته في الشتاء للخطر باعارة معطفه الوحيد لأحد أصدقائه من المنفيين . ولم يستطع مرة الذهاب إلى المتحف البريطاني لخلو خزانة ثيابه من الثياب التي اعار بعضها لأصدقائه ورهن بعضها لشدة حاجته إلى النقود . ولما علمت والدته بذلك كانت ترسل له ملابس زهيدة القيمة ليستبقي منها شيئا لنفسه
وكان أصدقاؤه الميسورون يعرفون فرط كرمه وسرعة تفلت النقود من بين يديه ، ولذا كانوا إذا استسلفهم نقودا يعتلون عليه ويعتذرون إليه . ولما بلغه ان جماعة من اصحابه في تورين يقومون بعمل اكتتاب لجمع نقود وإرسالها إليه لم يقبل ذلك ورفضه رفضا باتا ، ولم يكن أمامه سوي طريقين ؛ طريق الانتحار وطريق المرابين ؛ وكانت فكرة الانتحار تخايلة وتلوب حوله ، ولكنه تأبي عليها ، وراها جبنا لا يليق بأقوياء الرجال ، وأثر ان تتلقفه ايدي المرابين الذين يمتصون دماء الناس في غير رحمة ولا حياء ، فكان يقترض بفوائد بين ثلاثين في المائة وأربعين في المائة ، وأرغم مرة على أن يقبل دفع مائة في المائة .
ورغم هذا العسر المالي والضيق الخانق أخذت حياته
الخارجية تشرق وتنجلي سحبها . وفي سنة ١٨٤٠ انتقل إلي شلمي ليكون على مقربة من أسرة الكاتب البريطاني الكبير توماس كارلايل ، وليريح أعصابه المنهوكة من ضجيج لندن وثرثرة الزوار الكثيرين الثملين الثقلاء .
وآلمته الوحدة وثقلت عليه وطأتها ، فلم يكن حوله صديق يفتح له قلبه ويفضي إليه بأحزانه ، وكان لايري سوى غدر الاصدقاء ، وتنكر الانصار ، وتباعد الاتباع ، حتى صار يعتقد ان العصر عصر انحلال اخلاقي قد فسدت فيه الضمائر ، وتفلت النيات ، وفاض الوفاء ، وفاض الغدر ؛ وكان هذا الاعتقاد يثير روافد آلامه ، ويستعمر مواجده . ويشعره بأن جهوده قد ذهبت أدراج الرياح ، وانه يكدم في غير مكدم ، وانه قد ضحي بنفسه وببعض الاعزاء من أصدقائه ومع ذلك لم يحقق أملا ولم يصنع شيئا !
ولكن الذي أنقذه من ظلام هذا اليأس المرير أنه كان في سويسرة قد طلق فكرة السعادة الشخصية ، لأن الجري وراء السعادة يؤدي إلى غلبة الأثرة ، واقنع نفسه بأن التضحية هي الفضيلة الحقة ، وان واجب الإنسان نحو الله والإنسانية والوطن هو قانون الحياة الذي يتبعه أفاضل الناس وصفوة الرجال وقد استحالت هذه الفلسفة في نفسه عقيدة صوفية جميلة منقذة ، وتراءت له الحياة نوعا من التكفير عن الذنوب وتطهير الروح من الخطايا والآثام وإعدادها لعالم اخر اسمي يتلافي فيه الأصدقاء ، وقد صفت قلوبهم من الغل وزال ما بينهم من خلاف وقطيعة ، وأظلهم الحب والتعاطف ، وحتي في هذه الدنيا قد يكون الحزن نصيب الفرد ، ولكن الإنسانية وهي الكائن الكلى العظيم ستتقدم إلى عوالم جديدة من المعرفة ، وتطالع طريف الآمال ، وتضع قواعد جديدة للحياة أنبل وأسمى . واستحال حبه لصاحبته جوديتا إلي نوع من التقدير الخالص والإعجاب الصافي بطهارة نفسها وأصمعية قلبها وانقطعت الرسائل بينه وبين مدام رافيني تلك المرأة الفاضلة
التي كان يجلها وبحترمها وينزلها من نفسه منزلة الوالدة ؛ فقد وقعت النبوة بينه وبين ولديها فعملا على الغض منه وتشويه منازعه عندها ، حتى افلحا في احداث القطيعة وحرمانه من عطفها السابغ وتشجيعها المخلص
وأخذ يزايله حزنه الملازم وتخف أثقال همومه لما بدأ أن يكون له أصدقاء في انجلترة . وحقيقة أن أفكاره السامية ونظرياته المحلقة ، وتعميماته العريضة ، لم تكن مما يميل إليه الإنجليز ويسيغونه ، فحبهم للحقائق الملموسة يجعلهم يشتبهون في النظريات والنظم الفكرية . وكان متزيني يرى ذلك ضربا من ضروب المادية التي تقضي علي التفكير الروحي أو الفلسفي ، وكان سئ الرأي في السياسيين الإنجليز ، ولا سيما حزب الأحرار ؛ ولم ترقه كذلك تلك الحركة السياسية المعروفة باسم حركة الكارنزم لأن القائمين بها في رأيه كانوا من الإنجليز المتأثرين بمذهب بنتام ، وليس لهم من مبدأ سوي طلب أعظم ما يستطاع من السعادة ، وهو عند متزيني مطلب مادي لا يستوجب الحماسة ، ولا يستحق العناية ؛ وكان يري أن الخلاف بين طبقة العمال وطبقة المتوسطة ينذر بثورة خطيرة وشر مستطير ؛ ولكن طول إقامته في الجزائر البريطانية جعلته بتبين الجانب الحسن في حياة الإنجليز ، وصار يعجب باعتدالهم ، وحسن تأنيهم في الأمور ، وقوة مثابرهم ، وشدة مصابرتهم ، وحسن بصرهم بالناحية العملية في الأفكار الجديدة ، وأنهم إذا تقدموا خطوة إلي الأمام لا يرجعون القهقري ، وصار براقب في شيء من العطف تقدم تقدم حركة الكارنزم
وكانت أولى صداقاته في انجلترا مع اسرة كارلايل . وقد كتب إلي والدته في سنة ١٨٤٠ يقول لها من رسالة : " إنهما يحبانني حبهما لاخ لهما ، ويرغبان في ان يسديا إلى من الجميل أكثر مما في طوقهما ان يفعلا . وقد كان في بادىء الأمر يجب كارلايل حبا جما . كتب عنه يقول : " إنه رجل طيب جد طيب ، وفي اعتقادي انه برغم شهرته
العظيمة بائس شقي وكان يحترم إخلاص كارلايل وحريته وسعة أفقه وصراحته ، قال عنه : " إنه قد يبشر بمزية الصمت لهؤلاء الذين يخالفونه في الرأي ولكن موهبة الصمت ليست من مزاياه وقد رحب متزيني بمعرفة كارلايل لاعتقاده أن كارلايل يعبد نفس الإله الذي يعبده متزيني وإن اختلفت طرق عبادتيهما ، فهو ضريبه في مهاجمة النفعية ؛ ومما ساعد علي تقريب ما بينهما إعجابهما الشديد بدانني ؛ علي أن ذلك لم يمنع متزيني من وضع كتب كارلايل على المشرحة ونقدها نقدا عميقا وافيا ، وقد قرأت ما كتبه عن كارلايل كبار النقاد أمثال تين ومورلي وإدوارد كيرد وجون نيكول وغيرهم فلم أرا أحد منهم قد فاق متزيني في أصالة تفكيره وعمق نظراته ، وقد كان هذا النقد على قوته وصراحته مشربا بالعطف ، ممزوجا بالأحترام والإعجاب . وأعتقد أنه لم يحدث صدعا في صداقة الرجلين ، وقد أشار فيه متزيني إلي نزعة كارلايل الفردية ، وعبادته للبطولة ، وانتقاصه من قيمة الحركات العامة ، وإحجامه عن النزول إلي ميدان العمل ، وتردده وعجزه إذا واجه مسألة عملية وقد اتسع بعد ذلك بينهما الخلاف ، وتباعدت وجهات النظر ، حتى أصبحا علي طرفي نقيض ، فلما رأي متزيني فتاة تقرأ في كتب كارلايل قال لها : " إنك تنحدرين في مزالق المادية ، أنت ضالة تائهة ، إن كارلايل يعبد القوة ، وأنا أحاربها بكل ما أوتيت من جهد ، إنه شيخ المتشككين ، وهو فخم هائل حينما يهدم ، ولكنه يعجز عن البناء ، وإذا كنت بدلا من أن تحبى الأمم والإنسانية وتعجبي بهما تحبين الأفراد وتعجبين بهم وتحترمينهم فإنك لابد أن تصبحي في النهاية من المدافعات عن الطغاة .
وكان كارلايل من ناحيتة لا يعطف على آراء متزيني ويراها آراء لا يمكن تصديقها وأخذها مأخذ الجد ، وهي عنده محزنة ومضحكة في الوقت نفسه ، وكان يضيق ذرعا بأحاديث متزيني عن " النظام الجمهوري " و التقدم "
وما إلي ذلك مما كان يسميه كارلايل الهوسات المستمدة من روسو " ، وكان برغم ذلك يقدر متزيني الرجل ويعتقد أنه شجاع صادق وموهوب إلي حد كبير ونبيل النفس . وقد تكلم مرة وزير بيدمونت المفوض عن متزيني باستخفاف في حضرة كارلايل ، فقال له كارلايل : " سيدي أنت لا تعرف متزيني علي الإطلاق ، أنت تجهله الجهل كله " وقام غاضبا وترك المنزل ، وفي عقب الخلاف الذي وقع بينهما أثيرت مسألة فتح الرسائل التي كانت ترد إلي متريني من إيطاليا ودافع السير جيمس جراهام عن الحكومة في مجلس النواب البريطاني دفاعا اتهم فيه متزيني بالنشجيع على القتل ، فأبت لكاريل رجولته إلا أن يقف إلي جانب صديقه رغم ما بينهما من خلاف ، فأرسل إلي جريدة التايمز يقول : " مهما يكن رأيي في بصيرته العملية وبراعته في الشئون الدنيوية ، فإني استطيع أن أقرر لجميع الناس بغاية الحرية أنه رجل عبقرية وفضيلة وأنه رجل صدق لا تشوبه شائبة ، وإنسانية ونبل عقل ، وأحد هؤلاء الرجال النوادر العديدين للأسف ، ولكن كوحدات في هذه الدنيا ، الذين يستحقون أن نسميهم الأرواح الشهيدة ، والذين يفهمون ويمارسون المقصود من ذلك مع التقوي في حياتهم اليومية وهم صامتون .
وترك هذا الدفاع في نفس متزيني أثرا جميلا ، فقال لأحد أصدقائه : " هذا ما أسميه النبل " .
أما علاقته بمسز كاريل فكانت علاقة ودية أخوية ، وكانت ثقتها به عظيمة ، وقد عطفت على أفكاره السياسية حينا من الزمن ثم مالت شيئا فشيئا إلي أفكار زوجها ، وقد حدثت مرة بينهما مناقشة حادة بسط اثناءها متزيني إحدى خططه الجريئة في المغامرة بحياته في إيطاليا وقال : " الا يوجد اشياء أهم من رأسي ؟ " فأجابته مسز كاريل : " بالتأكيد ولكن الرجل الذي ليس عنده مسكة من العقل تكفي للمحافظة على رأسه بين كتفيه حتى
يستطيع ان يكسب شيئا بمفارقته ، ليس عنده من العقل ما يكفي لتدبير اي امر من الأمور الخطيرة ؟ . ولكنها مع ذلك ظلت تواليه بعطفها إلى النهاية . وفي سنة ١٨٤٦ لجأت إليه لينصحها في متاعبها الزوجية ، وقد كتب إليها رسالتين بليغتين من أجمل وأحكم ما كتب
وكان متربي يتردد على منزلهما الفينة بعد الفينة ، وفي بعض الأحيان يقص علي مسامع مسز كارلايل بعض النوادر المضحكة ليسري بها عن نفسها ، وأحيانا أخري كان يبحث مع جون كارولايل بعض مشكلات ترجمة دانتي إلي اللغة الإنجليزية التي كان يقوم بها جون ابن أخي توماس كارلايل . وقد وصفت السيدة مارجريت فولر أمسية قضتها معهم في منزل كارلايل ، وكيف أدار متزيني الحديث علي مسألة التقدم والموضوعات المثالية ، وكيف كان كارلايل متحمسا متدفقا في الحملة على هذه " السخافات المعطرة بماء الورد " وكيف كان استخفافه وزرايته وانزلاق لسانه يحزن متزيني ويؤلمه ، وقالت مسز كارلايل للسيدة مرجربت : " إنها آراء في نظر كارلايل ولكنها عند متزيني الذي ضحي من أجلها بكل شئ وساعد علي سوق أصدقائه إلي المشنقة من أجل أمثال هذه الموضوعات مسألة حياة وموت " . وفي إحدي المرات بعد أن استأثر كارلايل بالحديث وأخذ يعرض في موكب متلاحق الأمداد عظماء الأرض الصامتين ، تحول إلي متزبني وخاطبه قائلا : " إنك لم تنجح بعد لأنك أسرفت في الكلام ، وأخذت المجادلات بينهما تزداد حدة وتتوالي عنيفة مؤلمة ؛ وكان متزيني يجادل بالحسنى وقد ظهر عليه التأثر العميق ، وبدافع بكل قلبه دفاعا بليغا في انجليزيته المتعثرة ، والآخر يسيح ويهضب في لغته المتدفقة المبالغة الساخرة المتهانفة . وكان متزيبي يجلس على مقعده صامتا وقد شحب لونه ، وفي بعض الأحيان مهتاجا قد كادت تطفو الدموع من عينيه ، وهو
يدخن لفافات تبغه الصغيرة ، على حين كان كارلايل ينقل في قلق غليونه الطويل المصنوع من الخزف وهو يقذف بجمله . وبرغم ذلك استمرت صداقته للأسرة أو على الأقل لمسز كارلايل طوال إقامته الأولى في لندن . ولما ترك لندن إلي ميلان في سنة ١٨٤٨ أوصاها بأن تتشجع حتى يعود ، ولما عاد مهيض الجناح منزوف القوي واسته وساعدته على إيجاد منزل ليسكنه ، ولكن الخلاف بينه وبين زوجها ترايد وتفاقم حتى افترقا افتراقا تاما ، وظل كل منهما يحترم شخص الآخر ويحتقر آراءه إلي النهاية . وقد التقيا بعد سنوات وتحدثا حديثا وديا ، وقال عنه كارلايل بعد ذلك : " إن متزيني هو أنفي رجل حي عرفته " ولكن الصداقة بينهما لم تعد بطبيعة الحال إلي ما كانت عليه ، والحقيقة أنه كان من الصعب على هاتين الشخصيتين القويتين أن يطول التفاهم بينهما ولا تنجم نواجم الخلاف ؛ وقد كان الخلاف بينهما خلافا أصيلا بعيد الأعراق ؛ فمتزيني في تفسيره للتاريخ وفهمه للمبادئ السياسية والآراء الاجتماعية بمثل الفكرة الديمقراطية ؛ وكارلايل الذي كان يحتقر الجماعات ولا يؤمن إلا بالأفراد العظماء يمثل الفكرة الأرستقراطية فالخلاف بينهما كان خلافا بين مبدأين ، وخلافا بين طبيعتين ، وقد تحريت بعض الإطالة في وصفه لأنه يعيننا على تفهم طبيعة متزيني الذي يهمنا الآن

