وأخيرا بعد ترقب طويل ، وتنظر لناقد جريء وكاتب حر يحمل المعول في طريق الهدم والبناء طلع علينا الدكتور مندور بيوا كبر نظراته في الأدب ، فكان لصنيعه صدي اراح الحريصين على حياة النقد والنقاد فى مصر ، وذلك لأن الأقلام التي كنا نأمل من ورائها بعث حركة الصيرفة وتوجيه الأدب والأدباء انصرفت إلى المجاملة الخالصة ، أو إلي التشفي إذا وقعت على نتاج فنى أو أثر أدبى
ولعل صديقنا الدكتور مندور قد ناله مصير النقد في مصر بعد عودته من اوروبا ، وشن على نفسه الاملة وأمانيه العريضة ، فأقبل على استيعاب بدائع الكتاب
والشعراء ، وساعده ما طبع عليه من جلد وما عنده من حسن استعداد ورحابه صدر وقوة إيمان ، مما باعد بينه وبين الهوي الذي ما لعب بقلم إلا مال به عن جادة الراي الصريح .
والذي الآن كتاب الدكتور الذي نشره فصولا متعاقبة في المجلات ، أجد فيه صدق النظرة المجتمع : " عن قوم متزمتون يظنون النفاق الاجتماعى فضيلة : قوع حسيون ، إذا تغزلنا جاء غزلنا إما إسفاقا فى الخضوع وأما " طرطشة " فى العاطفة ، قوم تعوزهم القوة المتماسكة .." ص ٦٩ .
وهو بعد بسير في تواضع العالم واطمئنان القوي الواثق الذى يضر ويخير لا يلقى للتحكم بالا : " أنا لا ألاريد بأن أملى ذوقى على أحد ، ولكنى أبصر بالقيم الإنسانية التي يجب ان يتجه إليها ادبنا إذا اردنا ان نلحق بغيرنا بدلا من الجود على الباطل الذي نحن فيه " .
وهو فيما حاول يقدم لك الدليل على سمو ذوقه ، وطرافة متجهه ، واستيعاب منحاء ، يستشير ويتحسس حتى بدائع الأذواق (البلدية ) .
يجادل حول نظرية عبد القاهر الجرجانى فى نقاش بينه وبين بعض الكتاب فيجنح بهم إلى طريق القلب ، " إلى الإحساسات المختلفة التي يثيرها في انفسنا تصغيرنا العامي في قولنا مثلا (حتة ولد ) ، و (حتة نتفة ولد) " بفضل روحه الخفيف وسماحته الخلابة ، وبعده عن عنجهية تفسد على المثقف حياته الأدبية .
وهو الداعي إلي التجديد والمكافح فى طريقه ، " ولكن على شرط أن يكون التجديد إنسانيا عميقا جميلا ، وأما إذا أخذنا بالقشور والهياكل تاركين اللباب والمعانى الدقيقة ، فسنفقد عندئذ أصالتنا دون أن تستعيض عنها بأصالة أخري . . " ص ٧ .
فهو مؤمن بالتجديد وحريص على التوجيه ، ولكن في تعقل الأمل ويخل الحريص على الأدب ، المسرف في الغيرة والإنصاف لتراث آبائنا . وهو لا يجحف ، ولا يتخذ من اطلاعه على أدب اليونان وغير اليونان دريئة لطعن الأدب العربي في أعز ما لديه .
واسمع للدكتور مندور في (أبي العلاء ورسالة الغفران ) ص ١٠٦ يقول : " الناقد ذو الخيال ، القادر على تصور حياة العرب والإحساس بها قدرة المثل الجيد على ان يحيا الدور الذي يلعب ، يستطيع ان يدرك ما في بكاء الديار عند هؤلاء القوم الرحل من جمال وصدق لا اعرف لهما مثيلا في أدبنا ؛ ومع ذلك كم نري من أحمق يسخر من هذا البكاء ، بل كم من ناقد لا يري فيه إلا مجرد تمهيد لأغراض الشعر عند العرب " !! وكثيرا ما يقيم الدكتور من نفسه محاميا يدافع عن قضية الحق في الأدب ، ويرد غوائل مبطلى الرأي ومن يشط به قلمه . وعلى القارئ أن
يشهد روعة المحامى المدره في فصل عقده تحت عنوان " النقد والمعرفة " وفيه يتجلى حماس المؤمن ، ودفاع المستميت ، وحرص المخلص على الفوز البالغ . وعندي أن الدكتور نجح كناقد لأنه مستكمل لخصائص النجاح ، رائده الصراحة والصدق والإخلاص ، وهو بعيد عن المجاملة حتى لنفسه ، وفوق هذا فهو مؤمل غير متشائم ، ، وهو واسع الرجاء ، يعيش بمنجاة عن النفاق لا تخدع بالزخرف . انظر إليه واقرأ رأيه في على طه المهندس : " وها أنا اليوم انظر في " أشباح وأرواح " للشاعر على طه فأرى صورا مغرية وحيلا فى الطباعة تهش لها العيون ، ثم افتح الكتاب وآخذ في القراءة فتنطوي النفس وينفر الإحساس " ص ١٩
ذلك موقفه من على طه الذي خدع الناس جميعا وصرفهم إلي مدح شعره بالحق وبالباطل .
لكن مندورا كان صريحا معه ومع الدكتور طه فى دعاء الكروان ، مع اعترافه بفضل الدكتور وإسرافه في الإخلاص له والاعتراف بيده عليه ، حتى ظننت به ظن السوء أول الكتاب ، ثم أرضاني أخيرا إذ صارح ووفي النقد حقه .
والدكتور مندور قوي الصبر في العرض ، مطيل فى مواقف التحليل ، عالج نتاج أقلام هي قيثارات هذا العصر ، منها : طه ، الحكيم ، المازني ، العقاد ، وتيمور ؛ وأثار الرأي والأقلام حول الشعر المهموس ، وأظهر حبه وإخلاصه في تطرق لشعر المهجر ، وتحدث ممعنا عن الشعر الخطابي وتحمس فوق ما كنا نبغي له وهو المجانب للهوي ! ونسي أو أنسى أن يعرض لألوان الشعر ومدارس الشعراء " المعاصرين " ولو فى إيجاز ، وذاك أول شيء يجب أن ينظر فيه الناقد ، لأننا في طور إفلاس الشعراء ، أو على الأقل في مرحلة أحب أن أسميها " بليلة الشعراء " !! وكنت
أريد للدكتور أن يقف قليلا عند شعر الشاعر الكبير " محمد الأسمر " ومن على غرازة مثل الأستاذ " محمود غنيم فعند الأول رنة بحترية ، وفي الثاني عزاء عن شاعر النيل حافظ . ولعل للدكتور عذره ، لأن غبار الجدل وما مني به من مهاترات الشاعر " مختار الوكيل " ... وأنا بعد أخالف والشاب الشاعر " مختار الوكيل " . . وانا بعد اخالف الدكتور فيما يريده للشعراء ، " نريد أدبا " أليفا إنسانيا " ، ولكن إنسانيا " . نعم ! تريد ادبا " أليفا إنسانيا " ولكن ليس من الضروري أن يكون الهمس أظهر خصائصه ، نريده تيارا جافا ، نريده موسيقى ثم رعدا يروع الخامد ويوقظ ثم تيارا جارفا ، نريده موسيقى ثم رعدا يروع الخامد ويوقظ الغافي ؛ نريد أدبا ملونا لأن القرائح لا تخضع للتقنين ، وإنما هي رهينة التقنين والتلوين

