يعتبر برتراند رسل من الفلاسفة المشتغلين بدراسة المدنية الحاضرة وما آلت إليه من خير أو شر. ولا شئ يستتأثر باهتمام العالم اليوم كتدبر النتائج السياسية وغيرها مما سيعقب هذه الحرب الطاحنة . وقد كتب برتراند رسل فصلا فى أحد كتبه منذ أكثر من عشرة أعوام مبينا فيه اتجاه الحكومات العصرية إلي إنشاء نوع من الدول يختلف كل الاختلاف عما عرفه التاريخ . ونلخص هذا الفصل الآن لأنه كتب بعيدا عن معترك الأهواء الذى لا يسلم منه كاتب اليوم ، ولأنه يتنبأ بأشياء تحققت بعد ذلك ، وبعضها محتمل الوقوع لعلنا ندركه :
إن بناء مجتمع إنسانى على أساس استخدام العلوم الطبيعية مسألة من مسائل المستقبل وإن كنا نشاهد بوادر ذلك فى بعض الأمم ؛ ونقصد به ذلك المجتمع الذى تستخدم فيه أحدث وسائل العلم فى الإنتاج والتعليم وتوجيه الرأى
العام، ويكون ذلك تطبيقا لخطة سابقة تحدد أغراضه ومثله - وهو بهذا يختلف تماما عن الإمبراطوريات القديمة التى قامت على المجد الحربى فقط ولم يتعد أثرها الناحية الإدارية ، أما الحياة اليومية للشعب فلم تتأثر بها كثيرا - وعلى عكس ذلك يكون أثر الأنبياء والملوك المشرعين ؛ وحتى هؤلاء أقرت تعاليمهم كثيرا من التقاليد والعادات التى كانت معروفة عند أممهم . وعند ما تقترب من العصور الحديثة نلاحظ أن تكوين الأمم الاجتماعى قد تأثر بالثورات السياسية : فالثورة الفرنسية والأمريكية قد جاءتا بنتائج أخرى لم يكن يحلم بها أولئك الذين أشعلوا نارها. ولكن فوق ذلك يمكن بواسطة العلم الحديث تغيير النظام الاجتماعى تغييرا شاملا وفق خطة مبينة ، وهذا هو الفرق بينهما وبين النظم القديمة.
قادنا العلم لاختراع الآلة وتوليد أنواع جديدة من
النباتات والحيوانات، ويمكن أيضا ولادة أطفال من جنس جديد بالاستعانة بقوانين الوراثة وتحسين النسل(١) . وبعد ولادتهم يتعهدهم علم النفس فى التربية ويخضعون لوسائل علم الاقتصاد ، فيتكون منهم جيل يختلف عن الجماعات التى نشأت بفعل العوامل الطبيعية وحدها . وستكون لهذه الجماعات مزايا معروفة ، ولكن هذا النوع من التوليد أيضا سيأتى بنتائج وخصائص جديدة لن يفطن إليها أحد . ونجد مثل هذه الدولة فى اليابان الحديثة وروسيا السوفيتية .
فاليابان الحديثة هى صورة للحلم الذى كان يراه رجال ثورة سنة ١٨٦٧ الذين هالهم نفوذ الدول الغربية وقوتها وخافوا أن تسيطر عليهم وتستعمرهم ، أي أنهم بنوا ثورتهم على أساس حماية أرض الوطن ؛ ولن تتم هذه الحماية بغير قوة حربية وبحرية ، ولذلك فكروا فى إدخال التعليم الغربى والصناعات الحديثة . ولكن مثل هذا الانقلاب الهائل لن يأتى بالسرعة المطلوبة ، فلهذا قد استعانوا بتسخير تقديس الشعب للميكادو أولا ، وبتأثير الديانة الشنتية ثانيا . فأخذوا فى اقتباس المدنية الغربية بحماس دينى حتى تجاوزوا الغرض الأول وهو حماية استقلالهم ، وجاءت نتائج أخرى إذ أصبحت اليابان تملك قوة هائلة أكثر مما تحتاج إليه فى الدفاع (٢) - ولم يأخذ اليابانيون الناحية الفلسفية لهذه المدنية، بل اكتفوا بالجانب العملى من العلوم الحديثة وجعلوها وسيلة لغاية . وترتبت على ذلك نتائج أخرى سيكون لها أثر سئ فى حياة اليابان ؛ فالطبقات المتعلمة المسيطرة على الأمور قد وجدت طوع أمرها قوة مادية هائلة تغرى بعبادة القوة والتسلط وأعمال القسوة (٣). ويخشى أن ينهار هذا النظام إذا انساقت اليابان إلى حرب خسرتها، إذ لن يعمر نظام يقسم الشعب إلى أقلية مسيطرة
وأغلبية خاضعة . وربما جاء التغيير بطيئا أو سريعا كما حدث فى روسيا بعد الحرب الماضية . ونخلص من هذا إلى أن اليابان لا تعتبر مثلا صالحا للحياة المؤسسة على العلم الحديث لأنها تفقد عوامل الاستقرار .
أما المجتمع الذى يسعى إليه حكام روسيا السوفيتية فشئ لا شبيه له فى التاريخ ، ولا تزال التجربة قائمة ، ومن الخطأ البين أن نحكم بنجاحها أو فشلها الآن . ولذلك أفضل ألا أتعرض لها بذم أو إطراء ، ولكنى بسبب ذكر العوامل التى تجعلها المثل الأعلى للدولة المؤسسة على العلوم ، وذلك يرجع إلى الأسباب الآتية : كل قوى الإنتاج والتوزيع تحت إشراف الدولة ؛ فلسفة التعليم وضعت لتأييد النظام القائم ؛ تعمل الدولة على محو العادات والمعتقدات القديمة وإحلال هذا النظام محلها ؛ مشروع خمس السنوات .
ولا يوجد فى بلد آخر إشراف حكومى قام على جميع الموارد كما هو فى روسيا ، ولا تلجأ إليه الأمم الأخرى إلا كإجراء موقوت أيام الحرب - ويمكن القول بأن نجاح مشروع خمس السنوات ربما دعا إلى محاولة التجربة مرات أخرى لتنمية موارد البلاد المختلفة (١) . وقد كان مثل هذا الإشراف التام مستحيلا فى الأزمان الماضية ، ولكنه يمكن الآن بعد أن تهيأ له الأذهان ويوجه الرأى العام بالتعليم والصحافة والسينما والراديو ، ويعتمد أيضا على المواصلات السريعة ، كما تملك الدولة قوة دفاعية لقمع الحركات الرجعية بالطائرات أو الغازات .
هذا عن روسيا. وإذا ساد هذا النظام العالم استطاعت أن تحكمه أرستقراطية من أهل الرأى تعتمد على القوة التى تحت سيطرتها اكثر من اعتمادها على التصويت العام ، وتحمل الحكم صورة شبيهة بروسيا . ومثل هذه الحال لها مزايا وعيوب ، وتحتاج إلى التنظيم والإدارة الحازمة ؛
وقد أقنعتنا الأزمة العالمية الحاضرة بضرورة التنظيم العالمى لضمان رخاء الحياة ، إذ تستطيع قوى الإنتاج أن تسد حاجيات البشر ويعم الرخاء . ولكن الواقع هو الفقر العام والأزمات الاقتصادية بسبب الأنانية والمنافسة على الربح . والتنظيم الاقتصادى للعالم فوق أنه تسد حاجيات الإنسان المادية ، فإنه يترك له فراغا لراحته . ومن نتائجه منع الحروب وتوفير نفقاتها . وقد تتساءل هل من الخير أن تكون الحياة منظمة مقدرة هكذا ؟ ولكن لا تنسى أن مجموع القوى المادية الهائلة التى أوجدها تقدم العلوم الطبيعية يمكن تسخيرها للخير وللشر معا ، ولا يمكن تركها بلا قيود تنظمها على أساس تنظيم دولى بشكل من الأشكال .
ومن فوائد هذه الحكومة الدولية(١) إيقاف الحروب وتوفير نفقاتها ؛ ولن يكون هناك سوى جيش صغير لحفظ النظام - والحكومة المركزية يمكن تغييرها بدون أن يتغير معها النظام الموجود ، وإنما بوضع رجل مكان آخر إذا برهن على كفايات ممتازة . ولن تسمح السلطة بالعودة إلى النعرات الوطنية الخاصة ، بل يتحتم على الجميع الولاء للحكومة العالمية . وإذا استطاعت هذه الحكومة أن تستقر جيلا واحدا ضمنت لنفسها البقاء الدائم ، وتوفر الجهود الضائعة فى المنافسة على الربح ، ولن تحدث أزمات اقتصادية فجأة ، وسيعمل الجميع والكسالى يعاقبون ؛ وإذا كسدت حرفة من الحرف يتعلم العمال صناعة جديدة بدل أن يتعطلوا (٢) . وبالاختصار ستزول كل أسباب الألم والخوف ، ولن يأتى الموت إلا فى نهاية العمر الطبيعية والهرم .
ولكن هل يسعد الإنسان فى ظل هذه الدولة ؟ ... لا أستطيع الحكم . ولعل علم البيولوجيا والكيمياء يستطيعان أن يجعلاه سعيدا بعد أن توفرت حاجياته المادية . ومن الجائز أن تنتشر الألعاب الرياضية العنيفة ، وتحل
المعارك الجوية بالطائرات محل كرة القدم ، وتكثر الاستهانة بالحياة ، ولكن ربما استطعنا أن نهذب غرائز الإنسان الوحشية بالتغذية المناسبة والتعليم ، وتصبح الحياة خالية من العنف .
ستكون لغة التخاطب هى الاسبرانتو ، أو نوع منقح من الإنجليزية ، أما الآداب القديمة فلن يسمح بترجمتها إلى هذه اللغة ، لأن مثلها العليا ونظرتها فردية لا تتفق مع العالم الجديد ، ولكن قد يسمح لعلماء التاريخ بالإطلاع عليها . وكذلك الأطفال لن يقرأوا قصص اللصوصية أو أخبار المتوحشين ، ويمنع تداول القصص الغرامية أيضا !
وفى النهاية نقول إن العلم يمكنه أن ينتج خيرا أو شرا ، ولهذا وجب أن نفكر فى الوسائل التى تحد من قوى الشر . وإذا تأسس مجتمع صناعى بهذا الوصف كان الناس فيه أقرب إلى الهدوء ، ولن يكون مثلهم الأعلى رجل البطش والقوة ؛ وستكون هناك فوائد وأضرار ، ولا يستطيع أحد التكهن بكثرة الفائدة أو الضرر .
(أم درمان)

