قلت : مجتمعنا ، ولم أقل مجتمعاتنا لأن فى منطقى - وليس هذا بالمنطق المبتكر - أن كل الجماعات فى البلاد العربية التى شكلت لها حدودا خاصة ، ما هى إلا مجتمع واحد صالح للاندماج لتوفر عناصر طبيعية واجتماعية فى كل من خلاياه سهلة الانضمام إلى بعضها لتشابه خواصها التركيبية . ففى هذه المجتمعات الميمزة شكلا ، روح عامة ، ووجهة تكاد تلتقى فيها النهاية ؛ لقدم التاريخ ، ووحدة الدين واللغة ، التى صبت المنطق العام فى قالب واحد ، ووجهت الأمانى المبتغاة إلى غايات متشابهة يكون فى بلوغها الكمال المنشود . ولذا فالنتائج المستخلصة من تحليل أى مجتمع من هذه المجتمعات تكون قواعد عامة مشتركه ، لا يمكن أن تحور أصولها التفصيلات التى اقتضتها ظروف استثنائية سياسية واجتماعية .
إن الفوضى الاجتماعية فى مجتمعنا ترجع فى أسبابها
إلى مقياسين هامين ، أحدهما مختل كلا أو يكاد يعدم وجوده ، والثانى مختل بعض الاختلال ، وهذان المقياسان هما :
١ - أن النظرات التحليلية التى ترمى إلى إصلاحات عملية باستخلاص التجارب من الموجود الواقع ، يجب أن تكون نظرات نفاذة الى الجوهر ، ومتعمقة إلى الروح ، لتبحث عن الأصول فتجتث الفساد النامى بين غصونها . وهنا يكون إلاصلاح الحقيقى الفعال . اما عندنا فأغلب هذه النظرات سطحية ، تقنع بما تشاهده العين المجردة ، وتركن إلى الصور التى تصورها عدسة التصوير كانها حقائق مطلقة ، فتسوق الأحكام الافتراضية البديهية . ومن أمثلة هذه الأحكام أننا نقول : بأن الفقر رأس الشر ، فلنحاربه بترقية الحالة المعاشية ، وتنمية الزراعة والصناعة .
جميل هذا القول . ولكن أليس وراء الفقر أفراد إن تميزوا عن الحيوانات بشيء ، فهو عقل ابتدائى فطرى ؟ ! ، إن الاصلاح هو الذى يقصد إلى الفرد مباشرة ، ويأخذ بيده ، وهذا الأخذ يجب أن يكون بالرفق لا بالقصر . ولذا كانت خير طرق الاصلاحات تلك التى تأخذ من أسباب الانحطاط سلما لبلوغ الأهداف . فإذا ما انكببنا على دراسة الغرائز البيئية التى يخضع الأفراد لها ، والتقاليد التى تحتوىهم ، أمكننا أن نعالجهم طبيعيا بطريق غرائزهم ، ونقدم لهم الدواء ليجترعوه مع تقاليدهم . عندئذ يستسيغون الإصلاح ، ويسيرون على نهجه سيرا طبيعيا لا شعوريا ، حتى يفيقوا عندما يعمل العلاج عمله ، فيجدوا أنفسهم فى حقيقة أخرى . وعندئذ يمكن الترفيه عنهم وقيادهم ، أو بالأحرى يقودون أنفسهم بعد أن يميزوا ما يضرهم وما ينفعهم .
إن مجتمعنا تغالبه فوضى نجمت من هذا الصراع بين الأفكار القديمة التى لا تزال على قوتها ، والأفكار
الحديثة التى جاءت على أثر التقدم العلمى والاجتماعى ، والتى تريد أن تزلزل الماضى لتفرض نفسها فرضا . ولن يستتب عنصر النظام فى مجتمعنا إلا إذا عرفنا كيف نمازج بين الاثنين ، فلا نغلب الأول فنتراجع وننعزل ، ولا نفترق من الثانى فنقلد كالقرود بلا شخصية وبلا كيان .
٢ - انعدام المقايبس العلمية المضبوطة ، التى تجرد التفكير الرياضى ليجسم الأوضاع على حقائقها ، ويضعها مستوفاة النقائص والحسنات ، فيسهل حينئذ العلاج . فنحن - ويا للأسف - الى هذا اليوم لم نتعرف إلى مواطن الداء ، بل كل ما فعلناه أننا انقسمنا على أنفسنا فرقا كل منها نفسها آراء معتنقة مقلدة ، ودروس إرتجالية لم تكتسب النضج ، وضمادات مهلهلة خلقة مسروقة من هنا وهناك . وإننا بهذه الأساليب نزور على أنفسنا ، ونخدع عقولنا ، ونقتطع بين فترة وأخرى من حياتنا زمنا ليس
بالبسير ، لنطبق تجارب ومبادئ مستحدثة بدل أن نتركها سائرة على هديها صانعة شكل تكوينها السياسى والاجتماعى من معدنها الأصلى . ويقتصر دورنا فى أن نطعمها بعناصر البقاء .
إن مصلحى الشرق اليوم هم المصلحون الاجتماعيون . وأما دعاة المبادئ الذين يتقيدون بوجهة واحدة ، ويتصلبون بالتمسك بها فليسوا إلا جماعة تتجاذبهم تيارات وهمية ، وتتلاطم بعقولهم أفكار سوداء مهلكة تسيرهم وأمتهم إلى حيث الفناء .
إن كل ما يحتاجه اليوم كل مجتمع ، هو دراسة وافية تتعمق إلى مواطن العلل . ثم تقاس وتجسم هذه العلل بمقاييس علمية بحتة مضبوطة ، ثم تطرح على طاولة التشريح ليعمل فيها مبضع الإصلاح .
( بغداد - كلية الحقوق )

