الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 268الرجوع إلى "الثقافة"

مجرمو الحرب

Share

أثير البحث في جرائم الحرب ، أول ما أثير ، في نهاية الحرب الأهلية الأمريكية ، وبعد أن وضعت أوزارها حوكم اثنان ممن نسبت إنهم اعمال إجرامية مختلفة ، وحكم عليهما بالأشغال الشاقة . ثم تجدد البحث ذاته ، بعنف ، خلال الحرب العالمية الأولي ، وأصدر كل من المستر اسكويت والمستر لويد جورج تصريحات حاصلها أن الإمبراطور الألمانى وسائر من ارتكبوا جرائم حرب ، سينزل بهم العقاب مهما علت مراكزهم .

ولما ان جلس صانعو السلام سنة ١٩١٩ يضعون نصوص معاهدة فرساي ، ضمنوا هذه المعاهدة نصوصا تعالج مسألة مجرمي الحرب ، وتقضي بتقديمهم للمحاكمة .

ولقد سبق تلك النصوص تشكيل لجنة دولية ، من خمسة عشر عضوا ، مثل اثنان منهم الولايات المتحدة الأمريكية ، التى رفضت إقرار المعاهدة ، مهمتها أن تبحث مسألة مثيري الحرب ، وتحقق الوقائع التي ارتكبها المحاربون الأعداء مخالفين فيها قوانين الحرب وعاداتها

ودرجات المسئولية المترتبة في عنق أفراد بعينهم في قوات الأعداء ، وتبحث القوانين التي تطبق والإجراءات التي تتبع في محاكمة أمثال مرتكبي هاتيك الجرائم :  إلى غير ذلك من المسائل التي تري اللجنة ضرورة بحثها مما له اتصال بمهنها قدمت اللجنة تقريرها في ٢٩ مارس سنة ١٩١٩ . وانتهت منه إلى أن دول أوربا الوسطى وحلفاءها قد ارتكبوا عمدا أعمالا لإثارة الحرب ، ولخرق حياد البلجيك ولكمبورج ولكن اللجنة لم تشر برأي معين فيها يتعلق بمحاكمة الأشخاص المسئولين . ثم قالت في تقريرها : إن أبحاثها هدتها إلي انه قد ارتكبت اعتداءات لا تحصر على قوانين الحرب وعاداتها ، من جانب دول الوسط ، وقدمت اللجنة قائمة الاعتداءات ، وكانت مكونة من اثنتين وثلاثين مسألة . وانتهت إلى القول بأن كل من ثبتت عليه جريمة من تلك الجرائم لابد من محاكمته جنائيا مهما سما مركزه أو علا منصبه .

جاءت بعد ذلك معاهدة السلام ، فاتبعت على العموم

توصيات اللجنة ، فنصت في المادة ٢٢٧ على ان إمبراطور ألمانيا يجب ان يحاكم أمام محكمة خاصة مشكلة من خمسة قضاة تنتخبهم الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا العظمي وفرنسا وإيطاليا واليابان .

ونصت المعاهدة ايضا علي تسليم ٨٩٦ شخصا ثبت أنهم قد ارتكبوا مخالفات ضد قوانين الحرب وعاداتها . كان من بينهم القواد هندلبرج ولودندورف وماكرن والمستشار الالماني الأسبق بيمان هلويج ، وعديد من أمراء البحر ، في قائمة طويلة .

أما الإمبراطور فقد فر كما هو معروف إلى هولندة - دولة محايدة إذ ذاك- وعندما طالبها الخلفاء بتسليمه رفضت ، ووقف الامر عند هذا الحد ، بل وقيل إن اغتباط الحلفاء ، بذلك الرفض لم يعدله سوي خوفهم من أن تجيب هولندة الطلب!

ولقد اثارت القائمة يوم إعلانها معارضة شديدة في المانيا ، وتقدم اقتراح يقول : بدلا من تسليم ( مجرمي الحرب ) ليحاكمهم الحلفاء فليحاكموا في ليبرج أمام محكمة الريح العليا ، وليتدخل الحلفاء كيف شاءوا في تجميع الأدلة وإقامة الإتهام . ووافق الحلفاء على ذلك ، وارتضوا أن يحاكم المتهمون الألمان أمام المحكمة الألمانية . ولكن الأيام مضت ، وإذا بنا لا نجد منهما سياسيا واحدا يقدم المحاكمة ، وإذا الضباط القانونيين ، الذين قدموا تصدر ضدهم أحكام خفيفة ، أو يبرءوا .

على أن استهتار ألمانيا بقرار الحلفاء وبمعاهدة فرساي وبوعدها الذي قطعته لم يقف عند ذلك الحد ، بل لقد تحدث هذا جميعه واختارت هندنبرج رأس قائمة ( مجري الحرب ) ثاني رئيس لجمهورية فايمر سنة ١٩٢٥ .

واليوم يتجدد الوضع القديم ، إنما بصورة رسمية اخري وأشد من وضع سنة ١٩١٨ ، فلا تكاد تمر سنة من سنين هذه الحرب الا ونسمع تصريحا لقطب من أقطاب الدول المتحدة يعلن فيه عزم الحلفاء على محاكمة الأشخاص

المتهمين بجرائم الحرب ، بعد أن تنتهي الحرب .

فقد قرأنا للمستر روزفلت مثلا خطابا ألقاه يوم ١٢ أكنوبر سنة ١٩٤٢ يقول فيه : ( إن الدول المتحدة قد اعتزمت ان تقيم الأدلة على قادة النازي وزعمائهم المسئولين عن أعمال وحشية يخطؤها الحصر ، والأدلة تجمع كل يوم وتدخر للمحاكمة المقبلة ).

وصرح الرفيق مولوتوف- وزير خارجية الروسيا- في بيان أصدره يوم ١٥ أكتوبر سنة ١٩٤٢ : بأن حكومة السوفيت تؤيد تصريح الرئيس روزفلت فيما يتعلق بمعاقبة زعماء النازي ، وأنها تعتبر " معاقبة أولئك المتزعمين للعصابات الهتلرية الإجرامية واجباً ملحاً يطالبها بأدائه من لا حصر لهم من الأرامل والأيتام والأقارب ، والأبرياء الذين سيموا العذاب الوحشي حتى الموت ، بتعليمات صادرة من الأئمة المجرمين ) .

ولقد صرح المستر تشرشل بدوره بما يتفق وهذه الآراء . وفي هذين اليومين هيئة دولية تعمل منذ زمن طويل في إعداد الإجراءات اللازمة لمحاكمة مجرمى الحرب ، يرأسها الدكتور مارسل دي باير قاضى المحكمة العسكرية البلجيكية . مفوضا بذلك من الجمعية العمومية الدولية في لندن لعصبة الأمم ، ويعاونه الدكتور شلدون جلويك أستاذ علم الإجرام في كلية الحقوق بجامعة هارفود ، وغيره من رجال القانون .

النظرية الروسية ، وهي التي أعلنها الرفيق مولوتوف ، تقول  بالمحاكمة  الفورية أثناء الحرب بغير ما حاجة للتربص إلي انهائها . وأشار علي بريطانيا العظمي ، منذ اليوم الذي وقع فيه رودلف عيسى الزعيم النازي بين يديها ، هاربا أو مندوبا ، لسنا ندري ، ان تحاكمة . ولقد اصرت روسيا على نظرية المحاكمة الفورية ، فقدمت ثلاثة من ضباط الجيش الألماني وواحدا من الرعايا الروس يوم ١٥ ديسمبر سنة ١٩٤٣ المحاكمة أمام أول محكمة عسكرية عقدت لمحاكمة مجرمي الحرب في مدينة خاركوف بحضور مئات من العمال

وحنود الجيش الأحمر الذين كان يحمل الكثير منهم علامات ما أصابهم من ضروب التعذيب .

والمتهمون الأربعة هم الأسباشي وبنهارت وتزلو من أعضاء البوليس السري الحربي ، وهازرتيز نائب فائد فصيلة من جنود الهجوم ، والكبتن ولهلم لاجفيلد من ضباط فرقة مقاومة التجسس الحربي ، ثم ميشيل بولافوف الروسي ، وكان يعمل سائق سيارة ، وقد تولى قيادة (سيارة الموت ) التي كان الروس بوضعون بداخلها فيموتون اختناقاً أثناء الحملة الإرهابية في خاركوف .

وجاء في ورقة الإتهام أن المتهمين اشتركوا اشتراكا فعليا في المدة الواقعية بين عامي ١٩٤١ و ١٩٤٣ في أعمال الإفناء والإبادة الوحشية التي ارتكبت ضد الأهلين المسالين بوسافلة سيارات " لوري " جهزت تجهيزا خاصا واطلقوا عليها اسم " قاتلة الروح " واشتركوا في جرائم الشنق والحرق وإطلاق النار والنهب ضد جموع الشعب ، وفي السخرية منهم .

دامت المحاكمة أربعة أيام في دار الأوبرا بخاركوف. اعترف فيها المتهمون بفظائع تشيب لهولها الولدان ، وثبت من التحقيقات ومن أقوال المتهمين أنفسهم أن " عربات الموت " التي تقضي علي من فيها ، خلال اثنتي عشرة ثانية، قد ظفرت بموافقة هتلر وهملر ، وانها كانت تستخدم بكثرة في المدن الروسية لإبادة الروس من سكان المدن المحتلة ممن لم تكن منهم فائدة للألمان!

وفي يوم ١٨ ديسمبر انتهت المحاكمة ، وخلت المحكمة للمداولة ، وأصدرت حكمها بإعدام المتهمين الأربعة شنقا ، ونفذ فيهم الحكم في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الرابعة من صبيحة يوم الأحد ١٩ ديسمبر.

ولقد لقيت نظرية محاكمة " مجرمي الحرب " في الحرب الماضية اعتراضا من جانب مندوبي أمريكا ، ومندوبي اليابان في اللجنة الدولية التي أشرنا إليها في صدر هذا المقال.

أما المندوبان الأمريكيان - المستر لانسج ، والمستر سكوت ، وقد كان كلاهما محاميا دوليا نابه الذكر طائر الصيت.. فقد قام اعتراضهما على أساس قانوني محض . فقد كانت نظريتهما أن تعبير " خرق قوانين الإنسانية " تعبير غامض لا يبرر اتهاما جنائيا وأنه من المخالف للقانون أن نحاكم رئيس دولة حاليا أو سابقا عن اعمال ارتكبت في عهده ، فليس ثمة قانون ينظم نظر مثل تلك الفضية . وأضاف المندوبان إلي ذلك أنهما يشكان في اختصاص المحكمة التي اقترح إنشاؤها بمحاكمة الجرائم التي كان يراد طرحها عليها.

أما مندوبا اليابان فلم يدعما اعتراضاتهما بمثل تلك الأسانيد ، واكتفيا بالقول أنهما في " ريبة " من إنشاء محكمة بعد انتهاء أية حرب لتحاكم أفرادا تابعين للمعسكر الآخر ، مع ما يكون موجها لهم من تهم انتهاك قوانين الحرب وعاداتها . وقد اعترضا بنوع خاص على تقديم رؤساء الدول ايا كانوا للمحاكمة . ولقد قيل ، وجاءت الأيام التالية مصدقة لما قيل : إن هاتيك الاعتراضات ترجع جزئيا إلى أن اليابان يومذاك كانت تدر خطط الهجوم على الصين صديقتها وحليفتها يومئذ فخشى مندوباها أن يحاكم رعايا أمتهما ، لو قدرت لها الهزيمة بوصفهم مجرمين على هذا النمط.

وبعد فنظرية محاكمة مجرمي الحرب هي نظرية سليمة فيما اعتقد ، ولا ينتقص منها ما وجهه إليها المندوبان الأمريكيان في لجنة الحلفاء في الحرب الماضية ، من اعتراضات . ذلك لأن تعبير " خرق قوانين الإنسانية " خال من الغموض الذي ارتأيناه فيه ؟ لأنه منذ القدم والناس متعارفون على أن أعمالا يعينها - في الحرب - تعد قانونية ، وغيرها بعد غير قانوني بنصوص القانون الدولي العام او بحكم العرف ، وهو مصدر معترف به من مصادر القانون . بل لقد كان للاغريق وللرومانيين قواعد وقوانين تنظم حركات جيوشهم وقتالها وكانت كلها ترمي إلى تلطيف حدة

فظائع القتال غير المقيد . وفي سنة ١٩٢٦ كتب حروشبوش ابو القانون الدولى العام ، قواعد الحرب والقتال وفي ٢٤ ابريل سلمة ١٨٦٣ أصدر الرئيس لنكولن - وكان محاميا قبل رياسة الولايات المتحدة الأمريكية - ما قيل إنه خير ما أخرج الناس إلى ذلك التاريخ من قواعد ، في عرف كتاب القانون الدولي العام . ومن طريف ما نذكره لك ان تلك القواعد اعدها اساسا الضابط فرنسيس ليبر ، الروسي المولد ، يعاونه لفيف من الضباط الأمريكان.

ولقد دونت قواعد الحرب البرية في قانون أقره مجمع القانون الدولي العام في اجتماع سنة ١٨٨٠ ، وقانون الحرب البحرية الذي اقره المجتمع سنة ١٩١٣ ، ونص على تلك القواعد صراحة في المعاهدات الدولية كمعاهدة جنيف سنة ١٨٦٤ المعدلة بمعاهدة سنة ١٩٠٦ ، وكاتفاقيتي لاهاي سنتي ١٨٩٩ و ١٩٠٧ .

ولا يتسع القام لسرد تلك القواعد هنا . فلنقدم لك منها أمثلة وجيزة ؛ محظور أن يستعمل المحارب السم ، وإن يقتل عدوه إذا كان قد تجرد من وسائل الدفاع أو إذا كان قد سلم نفسه ومحظور استخدام أسلحة التعذيب ، ورفع الراية البيضاء غشا ، وممنوع ضرب المدن العزلاء بالقنابل ، بل ولا يجوز ضرب أية مدينة دون سابقة انذار ) إلى غير من القواعد والأصول.

إزاء هذا لا يمكن ان نري رأي المندوبين الأمريكيين في تعبير " خرق قوانين الإنسانية " من أنه غامض لا يصلح أساسا لاتهام جنائي .

أما قولهم إنه من المخالف للقانون أن تحاكم رئيس دولة حاليا او سابقا عن اعمال ارتكبت في عهده ، لانه لا يوجد القانون الذي ينظم نظر تلك القضية فنقول مردود . القانون قائم ولا شك ، إن لم يكن هو القانون المكتوب المدون في المعاهدات الدولية ، فهو القانون الطبيعي الذي يمليه المثل الأعلى والعقل السليم ، والذي يعتبر أساس كل قانون وضعي ، والهدف الذي يسعي إلي بلوغه أو

محاكاته الساسة والمشرعون . وأما المحكمة فليس تشكيلها بالعقدة التي لا تحل ، إذ ليس أقرب من تشكيل محكمة دولية ، تعد لها العدة من الآن على أسلوب محكمة العدل الدولية القائمة التى نصت عليها المادة ١٤ من عهد عصبة الأمم والتي اقرت تشكيلها الجمعية العمومية للعصبة في ١٣ وديسمبر ستة ١٩٣٠ ليقدم مشروعها المؤتمرين إذ يجلسون حول مائدة الصلح.

والتحفظ الوحيد الذي يجوز ابداؤه في هذا المقام هو أن رئيس الدولة قد يكون مقطوع الصلة بتلك الأعمال الوحشية ، وقد يكون هو الآمر بها ، كما ثبت في محاكمة خاركوف بموافقة هتلر وهملر على استخدام " عربات الموت " . فالمسألة إذن ستنحصر في مسألة الإثبات ، والعجز الاحتمالي عنه لا ينهض عقبة في سبيل مبدأ المحاكمة ذاته.

على أن المتهم قد يدفع عن نفسه بأنه ارتكب ما هو منسوب إليه تنفيذا لاوامر رؤسائه ، وإنه لدفاع وجيه ، وإنما ينبغي أن يقوم عليه الدليل . فإن دل على رؤسائه . وكانوا أحياء ، ووجهوا به وتقاذفوا عبء الجريمة كما يتقاذف لاعبان الكرة بينهما حتى تستقر على احدهما او على كليهما . وإن كانوا أمواتا فينبغي أن يصرف النظر عن ذلك الدفاع ويطرح ظهريا على أساس ان الأصل هو الأمر باتباع قواعد القانون الدولي العام ، وعلى من يدعي العكس أن يتقدم بدليله .

على أن المحاكمة ينبغي أن تجري بعد أن تضع الحرب أوزارها ، وليس ما يمنع من مجميع الأدلة و ( إثبات الحالة ) على نحو ما يقع في التقاضى بين الأفراد ، وسماع الأقوال وتدويتها ، والتحفظ على كل ما يفيد المحاكمة أما أن تتم المحاكمة أثناء الحرب فأمر قد يثير من جانب ألمانيا رغبة الانتقام ، فتعدم أسرى الحلفاء ولو بغير مظهر المحاكمة

وهذا هو ما وقع فعلا ، حيث أعلنت ألمانيا ، عقب تنفيذ حكم الإعدام الصادر من محكمة خاركوف ، عزمها على الانتقام من الطيارين الأمريكان الذين في أسرها ، وإن كان من المعتقد ان ذلك العزم غير مقصود منه التنفيذ بقدر ما قصدت منه المانيا إلي التفرقة بين الحلفاء ، غير ان حكومات بريطانيا وأمريكا والسوفيت والممتلكات البريطانية المستقلة تدرس ما يمكن اتخاذه من إجراءات دبلوماسية عن طريق سويسرة ، وغيرها من الدول

المحايدة، مع حكومة برلين

والمتوقع أن ألمانيا لن تقدم على ذلك لأن أسراها عند الحلفاء أكبر عددا من أسري الحلفاء عندها وإلي كتابة هذه السطور لم يجد علي الموقف جديد وينبغي أخيرا أن تشكل المحكمة الدولية المرتقبة من دوائر متعددة ، تيسيرا لإجراءات المحاكمة ، ولكنهما تفرغ من مهمتها في أسرع وقت وعلى أكمل صورة.

اشترك في نشرتنا البريدية