في حيدر آباد (دكن) مجمع علمي أسسه منذ أكثر من نصف قرن المرحوم النواب عماد الدين ورفقاؤه، وغايته الأساسية إحياء الكتب العربية القديمة تعميماً لنشرها وتداولها بين طبقات العلماء. وهذا المجمع يمتاز عن غيره بروحه العلمية وبمطبوعاته الثمينة المتداولة بين أوساط العلم المعتمد عليها من رجال البحث والتحقيق الآن - ومن هذه المطبوعات مايتعلق بالحديث والرجال، وما يتعلق بالفلسفة والتاريخ، وما يتعلق بالطبعيات والطب وغيرها من العلوم والفنون - ويقول العلامة السيد سليمان الندوي: نحن، أهل الهند نفتخر، مع إفلاسنا العلمي في هذه الأيام، بهذه الدرر الثمينة النادرة التي أخرجها مجمع المعارف في (حيدر آباد) إلى طبقات العلماء ونرجو أن يعود إلينا مجدنا العلمي تحت ظل الدولة الآصفية.
ولقد فكر القائمون بأمره في عقد اجتماع سنوي عام يدعى إليه العلماء الممتازون في العلوم العربية بأنحاء الهند تنشيطاً للحركة العلمية وتمهيداً لتوسيع أعمال المجمع بالاستفادة من مواهب العلماء الأجلاء غير أعضاء المجمع في البحث والتحقيق، فانعقد الاجتماع الأول الذي دام أربعة أيام من ٩ إلى ١٢ يوليه سنة ٩٣٨م في خمس جلسات أولها في إيوان البلدية الفخم حضرها أركان الدولة الآصفية وأساتذة العربية في جامعات الهند المختلفة وأرباب العلم وجماعة من الطلبة النابهين، وعلى كرسي الصدارة السر أكبر حيدري الوزير الأعظم. ثم التمس من القارئ إبراهيم رشيد أن يتلو ما تيسر من القرآن بصوته الرخيم، ثم ألقى خطبته الافتتاحية وذكر فيها خدمات المجمع في السنين الماضية بعد أن تلا على الحاضرين رسالة ملكية آصفية مفعمة بالعبارات الرقيقة والعواطف السامية.
فقام النواب مهدي يارجنك وزير التعاليم والسياسات
ورئيس المجمع فألقى خطبة بلسانه المبين ذكر فيها غرض المجمع وغايته وما تم من الخدمات وما درج في البرنامج من الأعمال التي يرجو أن يتمها المجمع بتوفيق الله ومساعدة العلماء - وبعده ألقى مولانا عبد الله قصيدة عربية تخليداً لهذا الاجتماع العظيم واليوم المبارك
ثم انعقدت الجلسة الثانية في اليوم التالي وكان الشيخ إبراهيم حمدي، شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، النزيل بحيدر آباد الآن، حاضراً، فتفضل بتلاوة آيات من القرآن على النغمات الحجازية. ثم اقترع على من يكون أول المتكلمين في الجلسة فاستخرج بطريق القرعة اسم العلامة السيد سليمان الندوي فقام وألقى بحثاً مستفيضاً عن (كتاب المعتبر) وهو كتاب غير مطبوع للفيلسوف أبي البركات البغدادي الذي عاش في القرن السادس الهجري، وألف كتابه هذا في نقد فلسفة أرسطو ومنطقه وهو كتاب وحيد في بابه فريد في فنه، ثم تكلم الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي الذي حضر إلى مصر في السنة الماضية لطبع سمط اللآلى، ثم سافر إلى دمشق واستنبول باحثاً في دور كتبها ومنقباً في خزاناتها فرجع بكثير من المعلومات عن النسخ والكتب، وكان موضوعه (ما رأيت في دور الكتب بالممالك الإسلامية) وذكر أهمية دار الكتب باستنبول والكتب النادرة فيها. وبعده قام السيد مناظر أحسن الجيلاني رئيس الشعبة الدينية بالجامعة العثمانية، فتكلم عن فلسفة محيي الدين بن عربي وابتدأ بكلام عن تخلص المجتهدين الفقهاء من تصرف الملوك في تدوين الفقه وانتقالهم إلى الأندلس وسبب انتشار المذهب المالكي فيها، ثم شرح فلسفة ابن رشد وأسس بحثه، ثم بيّن كيف خالفه محيي الدين بن عربي في المسائل الفلسفية وحملاته عليه حتى انتهى إلى وحدة الوجود، فإذا هي فلسفته الخاصة
ثم كانت الجلسة الثالثة في قاعة المحاضرات بالجامعة العثمانية وكان أول من تكلم الدكتور داود بوتاء أستاذ العربية بالكلية الإسماعيلية (بومباي) وموضوعه فلسفة ابن خلدون الاجتماعية وكانت المقالة طريفة مصحوبة بالمقارنات والانتقادات، والدكتور المذكور يقوم الآن بترجمة مقدمة ابن خلدون إلى اللغة الانكليزية، وبعده تكلم الشيخ عبد الرحمن عضو مجمع المعارف في علم أسماء الرجال وأهميته، ثم ألقى الدكتور حميد الله أستاذ أصول الفقه والقانون بالجام
العثمانية، بحثاً مستفيضاً عن (دستور الدولة في العهد النبوي) (هاجر رسول الله إلى المدينة وعقدت معاهدة بين المسلمين واليهود) فجمع الدكتور المذكور أجزاء هذه المعاهدة وشرحها شرحاً وافياً واستنبط منها العناصر الأساسية لدستور الدولة. ثم تكلم السيد أحمد الله الندوي عضو مجمع المعارف في (علم صناعة الجراحة وشرح آلات الجراحة عند العرب) . وفي ختام هذه الجلسة قام الدكتور عبد الحق وألقى كلمة في موضوع (حاجة الهند إلى المجمع العربي)
وفي هذه الجلسة ألقى الدكتور حسين الهمداني أستاذ العربية بكلية استيفن بومباي بحثاً عن (كتاب الرياض لأحمد الكرساتو) وكان أحمد هذا إسماعيليا متكلماً فيلسوفاً عاش في القرن الثالث الهجري وكان معاصراً للفارابي، وأما الدكتور الهمداني فكان أصله من اليمن، ويعتبره علماء الهند أعلم العلماء بالإسماعيليات، وهو أول من عرّف العالَم العلمي بالكتب الإسماعيلية وقد أشار في بداية كلامه إلى تاريخ الأدبيات الأسماعيلية؛ ومقالته مفعمة بالمعلومات الجديدة التي كانت مجهولة من العلماء. ثم ألقى مولانا عبد الله العمادي بحثاً في(علم المرايا والمناظر لأبن الهيثم) وبعده تكلم العلامة مأمون الأرزنجاني من علماء دمشق، في مناهج التعليم العربي، مشيراً أثناء كلامه إلى كتب القواعد والمطالعة التي وضعت على قاعدة جديدة للمدارس بالشام.
وبعده قام الفاضل المولوي عبد القدوس الهاشمي المساعد في ترتيب معجم المصنفين وألقى بحثاً في (كتاب المخترع في فنون من الصنع) ومؤلف الكتاب لا يزال مجهولاً، غير إن النسخة التي توجد في دار الكتب الآصفية كتبت في سنة ٨٧٦هـ في الهند بقلم ضياء ترك القاضي خان الناخوري. وللكتاب أهمية فيما يتعلق بفنون الصناعات الإسلامية العربية ومناهج الصانعين فيها. ثم تكلم الأستاذ امتياز علي، مدير دار الكتب برامبور في (تفسير الإمام سفيان الثوري) ومن هذا الكتاب نسخة بدار الكتب المذكورة وأشار في بحثه إلى أن المسلمين أول ما خدموا من العلوم علم القرآن وأول ما كتبوا من الكتب في فن التفسير.
وفي الجلسة الأخيرة تكلم الشيخ شبير أحمد ناظر دار العلوم الديويندية ورئيس المدرسين بجامعة دابهيل في موضوع (الوحي معصوم عن الخطأ) واقترح على مجمع المعارف الالتفات إلى علوم
القرآن ونشر الكتب في فنونها. ثم ألقى مولانا عبد الرحمن أستاذ العربية بجامعة دهلي بحثاً في (المستشرقين) من حيث التاريخ والخدمات العلمية ومعايبهم. وأخيراً قام الدكتور زبير الصديقي رئيس الشعبة الإسلامية بجامعة كلكته متكلماً في (علم الحديث وخصوصياته) من حيث الإسناد وطرق المحدثين في البحث وعدم خضوعهم لسلاطين الزمان واستقلالهم العلمي واشتراك النساء في الرواية، وهذه هي الخصوصيات التي قد حافظت ولا تزال محافظة على جوهرية الأحاديث من عبث المستشرقين بها كما فعلوا في أكثر الوقائع التاريخية الإسلامية كلما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
واختتم هذا الاجتماع الذي دام أربعة أيام في حيدر آباد وتناول البحث فيه أهم موضوعات العلوم العربية وفنونها، بالسلام لصاحب الجلالة آصف السابع ملك دكن والدعاء لذاته الكريمة

