كلمة ألقيت فى افتتاح المؤتمر السادس عشر لمجمع فؤاد الأول
١
فى الحاضر قدر كبير من الماضى ، وهما معا يمهدان للمستقبل ويمتزجان به ، ومجموعة ذلك كله ما نسميه الزمان مقياس الحركة والتطور ؛ وأوضح ما تكون هذه الأطراف اختلاطا فى لغة العلماء والباحثين ، ومع هذا فإنهم لا يترددون أن يتصوروا فى مجرى الزمن سدا يفصل بين الماضى والحاضر ، وجسرا يلقون منه نظرة إلى الخلف ، فيتبينون ما كان فى الأمس وما يتوقع أن يكون فى الغد .
وعلى هذا السنن نقف اليوم من المجمع اللغوى ، لنستعرض فى إجمال ما كان من أمره فى الخمس عشرة سنة الماضية ، وفى هذا الاستعراض ما يعيننا على رسم خطة أو تدارك بعض ما فات . ولاشك فى أن هذه الفترة لا تكاد تذكر فى حياة المجامع العلمية واللغوية . وكم يذكرنى موقفى هذا بحديث تلك الساعة الكبرى التى أهداها كلبير ( Colbert ) للمجمع الفرنسى كى يقيس بها الزمن جماعة الخالدين . فكانت مثار تندر وفكاهة ، إلا أن سنواتنا المعدودات ملأى بالحوادث والآثار .
هى بالدقة خمسة عشر عاما ونحو أحد عشر شهرا ، وقد أبت الحرب الأخيرة إلا أن تطغى على جزء منها ، فحرمت الأعضاء المصريين من مشاركة زملائهم الشرقيين والمستشرقين خلال خمس سنوات متلاحقة ، ومع هذا طرأ على المجمع فيها أمور لها شأنها . فعدل مرسوم إنشائه غير مرة ، وزيد أعضاؤه من عشرين إلى ثلاثين ، ثم إلى أربعين . ونما عدد محرريه ، وكتابه نموا ملحوظا . وغير نظام انعقاده ، فبعد أن كان يجتمع بكامل أعضائه لمدة شهر أو يزيد ، قسم إلى مجلس يقتصر على المصريين ويعمل معظم السنة ، ومؤتمر
يشمل جميع الأعضاء وينعقد سنويا أربعة أسابيع متوالية على الأقل . وإذا كان المجمع قد بلى غير مرة فى هذه الفترة القصيرة بالهجرة من مسكن إلى مسكن ، وكلها فى الغالب غير كافية ولا ملائمة ، فإنا نرجو أن يعد له قريبا مبنى خاص يحمل شارته وتتركز فيه تقاليده .
بيد أن هذا التغيير والتعديل لم يقف سيره ولم يعق سبيل عمله ، وامتد نشاطه إلى نواح شتى أهمها أبواب أربعة : تشجيع الإنتاج الأدبى وجمع المصطلحات العلمية ، وتيسير اللغة متنا وقواعد أو كتابة ورسم حروف ، ووضع بعض المعاجم اللغوية والفنية .
فأما تشجيع الإنتاج الأدبى فلم يتجه إليه المجمع فى بدء حياته ، ولم ينص عليه فى صراحة مرسوم إنشائه ، مع أنه من أعمال المجمع الفرنسى البارزة ، وقد قضى مجمعنا نحو عشر سنوات وليست له جوائز أدبية معروفة ، وإنما بدأ بالحكم فى مسابقات دعت إليها وزارة المعارف ، وحاول توزيع جوائز تبرع بها بعض الخاصة . ولكنه لم يلبث أن اتجه نحو تشجيع الإنتاج الأدبى بوسائل مختلفة ، فتوج بعض الأشخاص أو الكتب تتويجا أدبيا ، ومنح ما منح من جوائز مالية ، وقد انتهى به الأمر إلى تقرير هذا المبدأ ورسم طرائق تطبيقه ، ففى ميزانيته مبلغ معين للإنتاج الأدبى ، وله جوائز يعلن عنها سنويا ويحدد موضوعاتها وشرائطها فى وضوح ودقة .
وكم حفزت هذه الجوائز من همم ، وأثارت رغبة البحث والكتابة ، وربطت المجمع بالناطقين بالضاد فى مختلف البلاد ، فلم تقف الآثار الأدبية التى وصلت إليه عند الإنتاج المصرى
وحده ، بل جاوزته إلى إنتاج الأقطار الشقيقة وبلاد المهجر فى جنوب أمريكا . ومن بين هذه الآثار ما أضاف إلى الأدب المعاصر ثروة يعتد بها ، وبدا جديرا بالتقدير والتنويه
وإذا كان البحث الأدبى مما يمكن أن ترسم له خطة : وتحدد غاية ، ويعالج بشىء من المران والدرية ، فإن الشعر والقصة فى أساسهما فيض الخاطر ووحى السليقة ، لذلك قد يصيبهما أحيانا ضرب من الجدب والإفلاس . هذا إلى أن الجوائز الأخرى قد تطغى على الجوائز المجمعية بما اشتملت عليه من حفز وإغراء أتم ، فلا يصادف المجمع دائما ذلك الإنتاج الأدبى الممتاز الذى ينشده . ولو حظى بتبرعات وهبات مالية ذات شأن ، لتحرر من قيود الميزانية السنوية . وأفسح الأجل لمسابقاته ، فتجىء ثمارها أطيب وأقوم ، وما أجدره أن يعالج ذلك بوسيلة أو أخرى . خصوصا وقد اتجه أخيرا نحو باب خليق به من أبواب الإنتاج الأدبى ألا وهو المساهمة فى نشر النصوص القديمة وإحياء الآثار الأدبية القيمة ، وما أحوج هذا إلى زمن وأناة .
وأما المصطلحات فقد كانت شغل المجمع الشاغل منذ نشأته إلى اليوم ، استدعى من أجلها الخبراء ، وعقد اللجان والجلسات ، والمتتبع لمحاضره يلحظ أنها تمثل الجزء الأكبر من إنتاجه . ولا غرابة فقد نص مرسوم إنشائه على أن الغرض الأول من أغراضه " أن يجعل اللغة وافية بمطالب العلوم والفنون فى تقدمها ، ملائمة على العموم لحاجات الحياة فى العصر الحاضر " . لهذا لم يقنع بالمصطلحات العلمية بل ضم ) إليها ألفاظ الحضارة ، وقطع فى ذلك كله شوطا بعيدا .
ففى أضابيره وسجلاته عشرات الآلاف من المصطلحات العلمية فى الطب والطبيعة ، وعلوم الأحياء والكيمياء ، والرياضة والموسيقى ، والتاريخ ، والفلسفة ، والقانون ، والاقتصاد ، إلى غير ذلك ، كما أقر آلافا أخرى من ألفاظ الحضارة وأسماء المخترعات الحديثة . وقد نشر بعضها متفرقة فيما نشر من مجلة المجمع ومحاضره وظهر منها عام ١٩٤٢ مجموعة مستقلة تشتمل على ما يقرب من أربعة آلاف
مصطلح علمى وفنى ، هى جملة ما أقر فى الدورات الست الأولى .
وإذا كان المجمع قد تردد إزاء هذه المصطلحات زمنا : أيخترع أم يسجل ؟ أياخذ من العامية أم يرفضها رفضا باتا ؟ أيعرب عن اللاتينية أم يحيى قديما تراكمت عليه الأنقاض أيقنع باللفظ الأجنبى ومقابله العربى أم لا بد من قسط من التوضيح والتعريف ؟ وإذا كان قد تردد فى هذا كله ، فإن منهجه فيه الآن استقر على نحو ما . فهو يؤمن بأن مهمته الأولى أن يسجل ما اصطلح عليه العلماء والمختصون من ألفاظ ودلالات ، ويقرر أن العامية ليست بعيدة عن الفصحى كل ذلك البعد ، وأن كثيرا من ألفاظها عربى الأصل وإن فقد بعض اعتباره ، ومن الخير أن يرد إليه هذا الاعتبار ، ويأخذ بالتعريب كلما مست إليه الحاجة : متحاشيا حوشى الألفاظ ومستهجنها ، ويرى من الضرورى أن يقرن المصطلح بقول شارح يوضحه ويكشف عن مداوله ، خصوصا وفى ذلك تمهيد لازم للمعاجم اللغوية والفنية المنشودة .
ولعل المصطلحات وألفاظ الحضارة هى الباب الأول الذى نفذ منه النقد إلى المجمع والمجمعيين ، فكانت فرصة مواتية لألوان من الدعاية والفكاهة . وما حديث " الإرزيز والشاطر والمشطور بينهما كامخ " عنا ببعيد ، وإن لم ندخل هذه فعلا فى مناقشات المجمع وقراراته ! ونحن لا ننكر أن من بين ما أقره المجمع قديما من مصطلحات ما قد يعيد النظر فيه اليوم ، ذلك لأنه لم يقم على نحو شامل ، أو لأن المصطلح العلمى نفسه فى تغير وتبدل ، شأن الألفاظ الحديثة المختلفة . هذا إلى أن مجمعنا اللغوى تنقصه أداة ضرورية من أدوات إعداد المصطلحات العلمية ، فليس بجانبه تلك المجامع الأدبية والعلمية والفنية التى توجد إلى جانب المجمع الفرنسى مثلا ، ومما يلفت النظر أن فى وزارة المعارف مشروعا يرجع إلى عدة سنوات ، ويرمى إلى إنشاء معهد مصري عام ( Institut ) مكون من خمس شعب : علوم ، وطب ، وآداب ، وفنون ، وسياسة واقتصاد ، إلى جانب
( البقية على صفحة ١١ )
( بقية المنشور على صفحة ٩
المجمع اللغوى ، ولم يقدر له أن يظهر إلى حيز الوجود بعد . على الرغم من تحريكه غير مرة ، وفى قيام بعض الجمعيات العلمية والأدبية الحرة ما يمهد له ويحفز إليه .
وقد تساءل المجمع فى وقت ما : أيقنع بجمع المصطلحات وتسجيلها ، أم يحاول أن يمنحها صفة إلزامية ويبحث عن عن وسائل قاهرة تحمل على استعمالها والأخذ بها ؟ ومن حسن الحظ أنه عدل عن ذلك عدولا باتا ، تاركا الأمر لحرية الكتاب والباحثين ، ومؤمنا بأن فى إقراره لطائفة من المصطلحات ما يمنحها قوة وسلطانا فوق ما كسبت من الاستعمال العادى . ولكن مما يؤسف له أن قسطا كبيرا من هذه القرارات لا يزال ثروة مهملة ، فإنه لم ينشر شىء فى استقلال من المصطلحات العلمية والفنية التى أقرها المجمع بعد تلك المجموعة التى نشرت عام ١٩٤٢ ، وقد أبطأت الحرب الأخيرة بمجلة المجمع وسلسلة محاضره بطئا شديدا ، فلم يظهر من كل منهما إلا الأعداد الخمسة الأولى ، ولا تزال هناك عشر دورات فى انتظار النشر . وواجبنا أن نعجل بذلك ونستحث فيه الخطى ، كيفما كانت الصعاب التى تصادفنا فى الطبع ووسائله . ولئن لم تسعنا المطبعة الأميرية فلنعدل عنها إلى مطبعة أخرى . كى نخرج إلى التداول ما انتهينا إليه من قرارات ، ونضع أمام القراء ما عالجه المجمع من بحوث . وحبذا لو بوبنا مصطلحاتنا العلمية ونشرنا كل باب منها على حدة . إنا إن فعلنا يسرنا أمرها للطلاب والباحثين وأفدنا مما يمكن أن يوجه إليها من نقد أو ملاحظة .

