الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 575الرجوع إلى "الثقافة"

مجمع فؤاد الأول للغة العربية، فى خمسة عشر عاما, مجمع فؤاد الأول للغة العربية

Share

كلمة ألقيت فى افتتاح المؤتمر السادس عشر لمجمع فؤاد الأول

١

فى الحاضر قدر كبير من الماضى ، وهما معا يمهدان للمستقبل ويمتزجان به ، ومجموعة ذلك كله ما نسميه الزمان مقياس الحركة والتطور ؛ وأوضح ما تكون هذه الأطراف اختلاطا فى لغة العلماء والباحثين ، ومع هذا فإنهم لا يترددون أن يتصوروا فى مجرى الزمن سدا يفصل بين الماضى والحاضر ، وجسرا يلقون منه نظرة إلى الخلف ، فيتبينون ما كان فى الأمس وما يتوقع أن يكون فى الغد .

وعلى هذا السنن نقف اليوم من المجمع اللغوى ، لنستعرض فى إجمال ما كان من أمره فى الخمس عشرة سنة الماضية ، وفى هذا الاستعراض ما يعيننا على رسم خطة أو تدارك بعض ما فات . ولاشك فى أن هذه الفترة لا تكاد تذكر فى حياة المجامع العلمية واللغوية . وكم يذكرنى موقفى هذا بحديث تلك الساعة الكبرى التى أهداها كلبير ( Colbert ) للمجمع الفرنسى كى يقيس بها الزمن جماعة الخالدين . فكانت مثار تندر وفكاهة ، إلا أن سنواتنا المعدودات ملأى بالحوادث والآثار .

هى بالدقة خمسة عشر عاما ونحو أحد عشر شهرا ، وقد أبت الحرب الأخيرة إلا أن تطغى على جزء منها ، فحرمت الأعضاء المصريين من مشاركة زملائهم الشرقيين والمستشرقين خلال خمس سنوات متلاحقة ، ومع هذا طرأ على المجمع فيها أمور لها شأنها . فعدل مرسوم إنشائه غير مرة ، وزيد أعضاؤه من عشرين إلى ثلاثين ، ثم إلى أربعين . ونما عدد محرريه ، وكتابه نموا ملحوظا . وغير نظام انعقاده ، فبعد أن كان يجتمع بكامل أعضائه لمدة شهر أو يزيد ، قسم إلى مجلس يقتصر على المصريين ويعمل معظم السنة ، ومؤتمر

يشمل جميع الأعضاء وينعقد سنويا أربعة أسابيع متوالية على الأقل . وإذا كان المجمع قد بلى غير مرة فى هذه الفترة القصيرة بالهجرة من مسكن إلى مسكن ، وكلها فى الغالب غير كافية ولا ملائمة ، فإنا نرجو أن يعد له قريبا مبنى خاص يحمل شارته وتتركز فيه تقاليده .

بيد أن هذا التغيير والتعديل لم يقف سيره ولم يعق سبيل عمله ، وامتد نشاطه إلى نواح شتى أهمها أبواب أربعة : تشجيع الإنتاج الأدبى وجمع المصطلحات العلمية ، وتيسير اللغة متنا وقواعد أو كتابة ورسم حروف ، ووضع بعض المعاجم اللغوية والفنية .

فأما تشجيع الإنتاج الأدبى فلم يتجه إليه المجمع فى بدء حياته ، ولم ينص عليه فى صراحة مرسوم إنشائه ، مع أنه من أعمال المجمع الفرنسى البارزة ، وقد قضى مجمعنا نحو عشر سنوات وليست له جوائز أدبية معروفة ، وإنما بدأ بالحكم فى مسابقات دعت إليها وزارة المعارف ، وحاول توزيع جوائز تبرع بها بعض الخاصة . ولكنه لم يلبث أن اتجه نحو تشجيع الإنتاج الأدبى بوسائل مختلفة ، فتوج بعض الأشخاص أو الكتب تتويجا أدبيا ، ومنح ما منح من جوائز مالية ، وقد انتهى به الأمر إلى تقرير هذا المبدأ ورسم طرائق تطبيقه ، ففى ميزانيته مبلغ معين للإنتاج الأدبى ، وله جوائز يعلن عنها سنويا ويحدد موضوعاتها وشرائطها فى وضوح ودقة .

وكم حفزت هذه الجوائز من همم ، وأثارت رغبة البحث والكتابة ، وربطت المجمع بالناطقين بالضاد فى مختلف البلاد ، فلم تقف الآثار الأدبية التى وصلت إليه عند الإنتاج المصرى

وحده ، بل جاوزته إلى إنتاج الأقطار الشقيقة وبلاد المهجر فى جنوب أمريكا . ومن بين هذه الآثار ما أضاف إلى الأدب المعاصر ثروة يعتد بها ، وبدا جديرا بالتقدير والتنويه

وإذا كان البحث الأدبى مما يمكن أن ترسم له خطة : وتحدد غاية ، ويعالج بشىء من المران والدرية ، فإن الشعر والقصة فى أساسهما فيض الخاطر ووحى السليقة ، لذلك قد يصيبهما أحيانا ضرب من الجدب والإفلاس . هذا إلى أن الجوائز الأخرى قد تطغى على الجوائز المجمعية بما اشتملت عليه من حفز وإغراء أتم ، فلا يصادف المجمع دائما ذلك الإنتاج الأدبى الممتاز الذى ينشده . ولو حظى بتبرعات وهبات مالية ذات شأن ، لتحرر من قيود الميزانية السنوية . وأفسح الأجل لمسابقاته ، فتجىء ثمارها أطيب وأقوم ، وما أجدره أن يعالج ذلك بوسيلة أو أخرى . خصوصا وقد اتجه أخيرا نحو باب خليق به من أبواب الإنتاج الأدبى ألا وهو المساهمة فى نشر النصوص القديمة وإحياء الآثار الأدبية القيمة ، وما أحوج هذا إلى زمن وأناة .

وأما المصطلحات فقد كانت شغل المجمع الشاغل منذ نشأته إلى اليوم ، استدعى من أجلها الخبراء ، وعقد اللجان والجلسات ، والمتتبع لمحاضره يلحظ أنها تمثل الجزء الأكبر من إنتاجه . ولا غرابة فقد نص مرسوم إنشائه على أن الغرض الأول من أغراضه " أن يجعل اللغة وافية بمطالب العلوم والفنون فى تقدمها ، ملائمة على العموم لحاجات الحياة فى العصر الحاضر " . لهذا لم يقنع بالمصطلحات العلمية بل ضم ) إليها ألفاظ الحضارة ، وقطع فى ذلك كله شوطا بعيدا .

ففى أضابيره وسجلاته عشرات الآلاف من المصطلحات العلمية فى الطب والطبيعة ، وعلوم الأحياء والكيمياء ، والرياضة والموسيقى ، والتاريخ ، والفلسفة ، والقانون ، والاقتصاد ، إلى غير ذلك ، كما أقر آلافا أخرى من ألفاظ الحضارة وأسماء المخترعات الحديثة . وقد نشر بعضها متفرقة فيما نشر من مجلة المجمع ومحاضره وظهر منها عام ١٩٤٢ مجموعة مستقلة تشتمل على ما يقرب من أربعة آلاف

مصطلح علمى وفنى ، هى جملة ما أقر فى الدورات الست الأولى .

وإذا كان المجمع قد تردد إزاء هذه المصطلحات زمنا : أيخترع أم يسجل ؟ أياخذ من العامية أم يرفضها رفضا باتا ؟ أيعرب عن اللاتينية أم يحيى قديما تراكمت عليه الأنقاض أيقنع باللفظ الأجنبى ومقابله العربى أم لا بد من قسط من التوضيح والتعريف ؟ وإذا كان قد تردد فى هذا كله ، فإن منهجه فيه الآن استقر على نحو ما . فهو يؤمن بأن مهمته الأولى أن يسجل ما اصطلح عليه العلماء والمختصون من ألفاظ ودلالات ، ويقرر أن العامية ليست بعيدة عن الفصحى كل ذلك البعد ، وأن كثيرا من ألفاظها عربى الأصل وإن فقد بعض اعتباره ، ومن الخير أن يرد إليه هذا الاعتبار ، ويأخذ بالتعريب كلما مست إليه الحاجة : متحاشيا حوشى الألفاظ ومستهجنها ، ويرى من الضرورى أن يقرن المصطلح بقول شارح يوضحه ويكشف عن مداوله ، خصوصا وفى ذلك تمهيد لازم للمعاجم اللغوية والفنية المنشودة .

ولعل المصطلحات وألفاظ الحضارة هى الباب الأول الذى نفذ منه النقد إلى المجمع والمجمعيين ، فكانت فرصة مواتية لألوان من الدعاية والفكاهة . وما حديث " الإرزيز والشاطر والمشطور بينهما كامخ " عنا ببعيد ، وإن لم ندخل هذه فعلا فى مناقشات المجمع وقراراته ! ونحن لا ننكر أن من بين ما أقره المجمع قديما من مصطلحات ما قد يعيد النظر فيه اليوم ، ذلك لأنه لم يقم على نحو شامل ، أو لأن المصطلح العلمى نفسه فى تغير وتبدل ، شأن الألفاظ الحديثة المختلفة . هذا إلى أن مجمعنا اللغوى تنقصه أداة ضرورية من أدوات إعداد المصطلحات العلمية ، فليس بجانبه تلك المجامع الأدبية والعلمية والفنية التى توجد إلى جانب المجمع الفرنسى مثلا ، ومما يلفت النظر أن فى وزارة المعارف مشروعا يرجع إلى عدة سنوات ، ويرمى إلى إنشاء معهد مصري عام ( Institut ) مكون من خمس شعب : علوم ، وطب ، وآداب ، وفنون ، وسياسة واقتصاد ، إلى جانب

( البقية على صفحة ١١ )

( بقية المنشور على صفحة ٩

المجمع اللغوى ، ولم يقدر له أن يظهر إلى حيز الوجود بعد . على الرغم من تحريكه غير مرة ، وفى قيام بعض الجمعيات العلمية والأدبية الحرة ما يمهد له ويحفز إليه .

وقد تساءل المجمع فى وقت ما : أيقنع بجمع المصطلحات وتسجيلها ، أم يحاول أن يمنحها صفة إلزامية ويبحث عن عن وسائل قاهرة تحمل على استعمالها والأخذ بها ؟ ومن حسن الحظ أنه عدل عن ذلك عدولا باتا ، تاركا الأمر لحرية الكتاب والباحثين ، ومؤمنا بأن فى إقراره لطائفة من المصطلحات ما يمنحها قوة وسلطانا فوق ما كسبت من الاستعمال العادى . ولكن مما يؤسف له أن قسطا كبيرا من هذه القرارات لا يزال ثروة مهملة ، فإنه لم ينشر شىء فى استقلال من المصطلحات العلمية والفنية التى أقرها المجمع بعد تلك المجموعة التى نشرت عام ١٩٤٢ ، وقد أبطأت الحرب الأخيرة بمجلة المجمع وسلسلة محاضره بطئا شديدا ، فلم يظهر من كل منهما إلا الأعداد الخمسة الأولى ، ولا تزال هناك عشر دورات فى انتظار النشر . وواجبنا أن نعجل بذلك ونستحث فيه الخطى ، كيفما كانت الصعاب التى تصادفنا فى الطبع ووسائله . ولئن لم تسعنا المطبعة الأميرية فلنعدل عنها إلى مطبعة أخرى . كى نخرج إلى التداول ما انتهينا إليه من قرارات ، ونضع أمام القراء ما عالجه المجمع من بحوث . وحبذا لو بوبنا مصطلحاتنا العلمية ونشرنا كل باب منها على حدة . إنا إن فعلنا يسرنا أمرها للطلاب والباحثين وأفدنا مما يمكن أن يوجه إليها من نقد أو ملاحظة .

اشترك في نشرتنا البريدية