عاد رئيس الوزراء ووزير الخارجية من لندن فى الأسبوع الماضي بعد أن قضيا فيها فترة قصيرة من الزمن اتصلا فيها بالمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية وتحدثا إليه في المسائل التى كانت موضع خلاف بين وفد المفاوضات المصري والوفد البريطاني ، وأتاح هذا الاتصال للطرفين أن يطلع كل منهما الآخر على وجهة نظر بلاده فى تلك المسائل . أن يحاولا الوصول إلى حل يقرب بينهما ، والمفهوم أنهما قد انتهيا إلى نتيجة تحقق الرغبات المصرية ولا تتعارض مع وجهة النظر البريطانية؟ وهذه النتيجة سيعرضها صدقى باشا على وفد المفاوضات المصري، فإن ارتضاها اتخذت الإجراءات الرسمية لإنعام المعاهدة.
وقد اكتشفت هذه المحادثات مصاعب كثيرة من بداية التفكير إلى آخر مراحلها فقد أحيطت الفكرة من أول أمرها بجو من التثبيط والتشكيك فى جدارها . ولما استقر الرأى عليها تبين أن وزير الخارجية البريطانية
مرتبط بموعد قريب للسفر إلى أمريكا وبهذا سيكون الوقت المخصص لها ضيقا قد لا يتسع لتبادل الآراء والأخذ والرد فيها. ولم يكد صدقى باشا يطأ أرض انجلترا حتى بدت عليه أعراض المرض مما تعرض له خلال هذه الرحلة الشاقة المريعة من المتاعب، وتحركت بعض علله القديمة ، فاضطر للأعتكاف وملازمة غرفته للراحة والعلاج ، وخشى أن يكون هذا مانعا دون مواصلة المحادثات وبذل ما تقتضيه من جهود . وأخيرا لوحق الوزيران بنشاط . ضاد تولى كبره فريق من السودانيين أرسلوا الرسائل البرقية والوقود لمحاربة الاتجاه المصري فى حل مشكلة السودان ، وهى أعقد المشاكل التى اصطدمت بها سفينة المفاوضات
وكان يخشى أن تكون هذه العوامل مؤثرة في سير المحادثات تحول دون مواصلتها، ولكن صدقى باشا واجهها جميعا بثبات وشجاعة، فأقدم على السفر على الرغم من المثبطات وعلى الرغم من شيخوخته وضعف صحته، وغالب
المرض ، فلم تمنعه ملازمة غرفته من بذل أقصى ما يستطيعه من نشاط فى تسيير دقة المحادثات ، وعاونه وزير الخارجية وسفير مصر في لندن فبذلا معه جهودا مضاعفة فى الفترة القصيرة التى كانت محددة لها واستطاع الجميع بذلك أن يقوموا بمهمتهم فى تلك الفترة القصيرة وفى الظروف الشديدة التى أحاطت بهم ، وساعدهم على ذلك ما بدا من المستر بيفن من رغبة صادقة في الوصول إلي حل لتلك المشكلة .
وأيما كانت النتائج التى وصل إليها صدقى باشا فى محادثاته فلا يسع كل منصف إلا أن يحمد له شجاعته ويقدر ما بذله من جهود وما ضحى به من راحة وما عرض له حياته من خطر فى سبيل أداء واجب وطني اقتنع بأن فيه فائدة لبلاده دون أن يقيدها في ذلك بقيد او يرتبط بشىء ؟ فقد ترك أمر البت فى قبوله أو رفضه للهيئة المصرية المفاوضات
أما ما انتهى إليه الاتفاق فلم نعرف بعد تفاصيله ، وإلى كتابة هذه السطور لم تكن هيئة المفاوضات المصرية قد اجتمعت ، فكل ما يعلم عنه هو ما رددته الصحف المصرية والإنجليزية . وأقوال الصحف يجب أن تقابل بشىء من الحيطة والحذر ، فقد يكون بعض ما نشرته لا يصور الموقف إلا تصويرا جزئيا ناقصا ، وقد يكون ما ينشر ملونا باللون الحزبى الذى تعتنقه الصحيفة . لهذا نؤثر التريث وعدم الإنسياق وراء المتشائمين أو المتفائلين حتى تنجلى الحقيقة وتعلن التفاصيل الرسمية للاتفاق .
على أننا نستطيع أن نستخلص مما أجمع عليه رواة الأخبار أن الاتفاق قد تم على ما يأتى : أولا - تحديد مدة جلاء الجيوش الإنجليزية عن مصر بثلاث سنوات .
ثانيا - استبعاد حالة " خطر الحرب " من الحالات التى يجوز فيها لانجلترا القيام باستعدادات حربية فى مصر ثالثا - جعل مهمة اللجنة المشتركة للدفاع استشارية وتدعى بناء على رغبة الطرفين . رابعا - الاعتراف بوحدة مصر والسودان تحت التاج
المصري مع بقاء النظام الإداري القائم ومع اتخاذ الوسائل لرفاهية السودان وترقيته
وإن صح هذا ولم تكن الصيغ أو التفاصيل مبه تحتمل اللبس والتأويل ويضعف جزء منها ما تنطوى الفكرة العامة من معنى ! فإنا نرى فى هذا العرض ما يقر من الرغبات التى أبداها المفاوضون المصريون . أما كانت مجرد صيغ كلامية جديدة يحتال فيها على إبراز وجهة النظر الإنجليزية القديمة بصورة خلابة - والسياسيين الإنجليز بارعون فى مثل تلك الصيغ - فأكبر الظن هيئة المفاوضات المصرية لن ترضاها ، وسيعود الموقف ما كان عليه .
إن مصر راغبة رغبة صادقة في حل هذه المش بالتفاهم مع انجلترا ، وهي تقدر ظروفها الخاصة والظرب الدولية الدقيقة التي تسود العالم في هذه الأوقات . ولكن شبت عن الطوق ، فهي تريد أن يحقق هذا التفاهم استقلاز الكامل وحربتها في بلادها وضمان مصالحها الخاصة او وهي لا تأبي بعد ذلك ان نصان مصالح غيرها من الد ما دامت لا تتعارض مع استقلالها ومصالحها .
والموقف بيننا وبين انجلترا واضح لا لبس فيه ولا خف فهى تحتل بلادنا احتلالا غير شرعى لا مبرر له ، فتؤ بذلك شعورنا وتهدد استقلالنا وحرية تصرفنا فى شئوننا الداخلية ؛ ويجب وضع حل عاجل سريع لتلك الحالة البغي ومن الخير ما دامت صادقة العزم على الجلاء أن تشرع فورا بلا تلكؤ . إنها تعتذر مما يتطلبه نقل القوات وإم مواقع جديدة لها من وقت ؛ ولكن الشعب المصري لابط لمثل هذه الأعذار ، وقد رأى بعينيه خلال الحرب كيف كانت الجيوش الكبيرة تنقل لمختلف الأقطار في وقت سريع ، يكون تلكؤها فى تسريح تلك القوات أو نقلها لبلا ناشئا عن الموقف الدولي . ولكنا نعتقدان جو الحذر وم الظن الذى يسود العلاقات الدولية جو مصطنع يساعد تلبده بالغيوم بقاء مثل تلك القوات فى مثل تلك المواقع
أقدمت انجلترا على خطوة نقل تلك الجيوش لأرضها تسريحها لساعد ذلك على تبديد الغيوم التي تخيم على الجو ولى . وفضلا عن ذلك فإن الحرب الماضية قد دلت على بقاء قوات متناثرة فى مواقع متباعدة لا يغني أمام ساليب الحربية السريعة ، وإن الضمان الحقيقى هو وجود مركزية كافية وتوفر وسائل نقلها بحيث يمكن نقلها ان العمل بسرعة .
أما ما تراه من عجزنا عن الدفاع عن بلادنا أمام مغير فى وحاجتنا لسند قوى يساعدنا على الوقوف أمامه فنحن أننا لا نزال بحاجة إلى تكوين قوة دفاعية قادرة على حمايات أمام أى مغير حتى تردنا النجدة من مجلس الأمن من الدولة التي تتفق مصلحتها مع صيانة استقلالنا من صادقو العزم على تكوين هذه القوة في أسرع وقت . ونری خطرا عاجلا يخشى علينا منه في فترة الاستعداد ، هذا فإلى أن ينظم مجلس الأمن وسائل الدفاع عن أمم ض ، لا نرى بأسا بأن تكون على اتصال بانجلترا في هذا الدفاع عن بلادنا ما دامت - صلحتنا تتفق مع حماية سلامتها ، ولكننا لا نريد أن يكون ثمن هذا الاشتراك استقلالنا وحريتنا وإلا كنا نفر من خطر وهمى إلى فعلى على استقلالنا إننا نرحب بالتفاهم مع انجلترا على استكمال وسائلنا
الخاصة فى الاحتياط والدفاع ، ونرحب بتنسيق جهودنا فى ذلك مع جهودها ، ولكن على أن يكون ذلك بمحض حريتنا واختيارنا لا أن تفرضه علينا بقوتها ومكانتها الدولية العظيمة .
ونحن نرحب بمعاونتها لنا فى حالة الحرب ، ولكنا لا تقبل أن تورطنا معها فى حروبها التى لا تتصل بنا ، ولا نسمح لها بأن تتخذ من رغبتنا فى المعاونة وسيلة للنزول بأرضنا كلما لاح لها خطر وهمى أو حقيقى ، فبقاء مثل هذا الحق تهديد دائم لاستقلالنا ووضع لمصائرنا بيد غيرنا .
أما السودان فيجب أن يكون مفهوما أننا لا نبغى فيه تسلطا وحكما . وإنما ننشد استقلاله وتمتعه بما يتمتع به سائر وادى النيل من حرية ، والسيادة الشرعية التى نؤكدها هى سيادة السودان نفسه الذى يتألف منه ومن مصر وحدة حقيقية في المصالح واللغة والدين . وعوامل التفرقة التى بينها دعاة الاستعمار الإنجليزي والخوارج الذين يحركون بدعوى الرغبة فى الانفصال ، إنما هم أذناب مأجورون لا يريدون استقلالا حقيقيا ، وإنما يريدون انفراد بريطانيا بالحكم فى بلادهم ليحققوا بذلك مآرب صغيرة . ونحن مطمئنون لروح سواد الشعب السوداني واثقون من حرصه الشديد على الوحدة ، وستظهر الأيام صدق ظننا . (. . .)

