الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 410الرجوع إلى "الثقافة"

محتملات التاريخ

Share

كثيرا ما يروق الباحثين أن يفكروا في المحتملات التي كانت يحدث لو تغير سير التاريخ ، ويعرضوا لبعض الحوادث الفاصلة والوقعات الحاسمة والمواقف الهامة ويتناولها كما لو حدثت بصورة مخالفة لما وقع ، ويتعقبوا النتائج التي كان يستتبعها ذلك ، وفي بعض الأحيان تقوم هذه المحاولات على شطوط الخيال ووثيات الوهم أكثر مما تقوم على التفسيرات المعقولة والتعليلات المقبولة .

ولقد قال أحد الكتاب : " لا شئ أقل جدوي من التفكير فيما كان يمكن أن يكون " وقد عبر هذا الكاتب عن وجهة نظر الرجال العمليين ، لان شأن رجل العمل ان يهتيل القوة ، وبستغل الظروف ، ويفيد من الأحوال الراهنة ، فما له والتفكير فيما كان يمكن ان يكون ! لأريب ان التفير في ذلك من وجهة نظره عبث لا طائل تحته ، ولا فائدة ترجي منه ، فهو لا يوفر الركاب فضة وذهبا ، ولا يعين على توطيد المكانة والتقدم وإملاء الشأن ، ولكن المفكرين ينظرون إلي الأمر من زاوية أخري لا علاقة لها بالفائدة المرجوة والنم المنتظر ، فشأن الفكر المطبوع أن يرسل رائد النظر في الماضي والحاضر والمستقبل ، وبمعنى

بالخالد الدانم والعارض الرائل ، ومهمه معرفة النفس . * الإنسانية في خصائصها الباقية الثابتة وحالانها الطارئة المتقلبة ، وهو من ثم يجد متعة إذا فكر في عملات التاريخ وماذا كان يحدث لو تشعر سعره ، وتبدلات حوادثه ، وهو لا يرى في ذلك مضيمة الوقت وتبديدا للجهود ، بل يري فيه رياضة فكرية تنقله إلى موائم شاسعة من التأمل والتفكير

والصور التي كان يمكن أن نتخذها محتملات التاريخ كثيرة ومختلفة ؛ فكل ما حدث في خلال الحركة التاريخية يمكن ان تتصوره في صورة مخالفة ، و كون هذا التصور أو ذاك التخيل كان ممكنا ميسورا أو كان ممتنعا غير جائز الوقوع مسألة أخرى . وقد يدفعنا التفكير في ذلك إلي النظر في مسألة الجيرية التاريخية ، ومشكلة حرية الإرادة ، وهي من المشكلات المسيرة الحل الى تدور حولها منذ القدم معارك فكرية حامية . ولكن إذا تركنا جانبا مسألة حرية الإرادة ومشكلة القدر المحتوم فإننا نستطيع ان تتصور التاريخ مختلفا عما كان وعما سجلته المدونات واثبته الأخبار التواثرة ، وفي مشاهداتنا اليومية وتجارب حياتنا الواقعية ما يسوغ الاعتقاد بأن المصادفة والحوادث العارضة والنزوات والبدوات وصغائر الأمور وسفاسف الأهواء

والانحرافات والالتواءات والشهوات الجامحة تلعب جميعا دورها في التاريخ كما تلعب دورها وتؤثر تأثيرها في الحوادث التى تقع بين بصرنا وسمعنا . ونحن في حياتنا اليومية وملابساتنا الشخصية نواجه من الحين إلى الحين مواقف تضطرنا إلى حشد قوانا العقلية والإ كثار من التحري والتنفس لنفصل فيها محض اختيارا وكامل حريتنا ؛ فإذا صحبتنا التوفيق في الاختيار سارت الأمور سيرا حسنا ، وإذ اسانا الاختيار وجابنا التوفيق اضطرت أمورنا وأعالمت أحوالنا ، ونحن أنفسنا مستهدفون للحوادث العارضة والطوارئ الى ليست في الحسبان ، وبعض هذه الحوادث قد ينحرف بنا عن المجري الذي سارت فيه حيانا وتوجهنا وجهة أخري .

ويري بعض الفكرين أنه من الوجهة العلمية الفلسفية لا معنى للتفكير في مثل هذه المحتملات ، وان قالب الحوادث التاريخية يحوي مجموعة من الوقائع المتشابكة المتداخلة ذوات العلاقات الصميمة المحتومة ؛ فاذا وقعت حادثتان وكانت إحداهما سببا للأخري فمعنى ذلك أن بينهما علاقة داخلية ضرورية ، ومن ثم فإن أي تغيير يطرأ على إحداهما يستتبع التغيير في الآخري ، وعلاقة الضرورة تهيمن على أي حادثتين إذا كان من غير الممكن أن تحدث إحداهما دون حدوث الأخرى ، أو كان من غير الممكن أن لا تحدث الأولى إذا حدثت الأخرى ، وموجز القول أن الحادثتين من الناحية المنطقية تستلزم إحداهما الآخري ، وإذا سلمنا بأن الحوادث تقع على هذه الصورة وأن بينها مثل هذه العلاقة الضرورية المحتومة وفرضنا ان أي حادثة حدثت بصورة مخالفة لما وقعت به ، فإن كل ما تلاها من الحوادث لابد ان يتغير وقوعه ويتخذ صورا أخري ، وفي هذه الحالة لا فائدة من التفكير في محتملات التاريخ ولا معنى للتساؤل عما كان يمكن أن يحدث لو اتجهت الحوادث وجهة مختلفة ، لأن كل شئ في هذه الحالة كان

قابلا للحدوث ، ويقرر هذا الرأي أن كل الحوادث والمواقف والوقعات والكوا ئن متصلة مترابطة وأنها اجراء الموقف كلي شامل أو حادثة جامحة ؛ فأي فرض مخالف للحقيقة الواقعة لا يمكن تقريره بدون ان تقع في التناقض وهذا هو ما يذهب إليه هجل في فلسفته الى تعتبر الطبيعة كلا مفردا مكونا من مجموعات من المظاهر لا تنفك في بناء وهدم وتجمع وتفرق ؛ فلا شئ في الوجود منعزل منبت العلاقة بالأشياء الأخرى ، ولا شئ كذلك باق على حله ، والمعرفة متوقفة على إ الحساق كل مظهر مجموعة الظاهر المجانسة له ، ثم ربط هذه المجموعة بالمجاميع الاخري وهكذا ، حتى بتبدي السكون سلسلة من العلاقات التي لانهاية لها .

والذي يظهر بطلان هذه الفلسفة إنكارها لمحتملات التاريخ، واعتقادها بأن المستقبل موجود ، وإن كانت الحوادث لم تتمخض عنه بعد ، والمحاولات البشرية في رأي مثل هذه الفلسفة لا تقدم ولا تؤخر ، وليس في التاريخ محتملات ممكنة ، لأن ما كان حتما مقضيا لا سبيل إلي دفعه ولا حيلة لنا في منعه

والذي يتأمل تجارب الحياة ويفكر في حوادث التاريخ يري عاملين بارزين بروزا واضحا في هذا العالم الذي نعيش به ونسعى في مناكبه ونقضي حياتنا المحدودة ؛ وهذان العاملان هما المصادفة والاختيار . وكما تستطيع ان تتبين أثر المصادفة والاختيار في حياتنا الخاصة وتجاربنا المحدودة كذلك نستطيع أن تتبينهما في تاريخ الإنسانية وتكوين الماضي ونسج لحمته وسداته وهذا وجه من وجوه الاستفادة من دراسة التاريخ فالطبيعة الإنسانية إلى حد كبير واحدة في مختلف العصور ، وملابسات الاحوال قد تتقارب وتتشابه ؛ ومن ثم نستطيع إذا شئتما ان نستفيد من عبر التاريخ وتجارب الإنسانية ، ونتقدم إلى المستقبل في طريق مأمون لا يضل سالكه ولا يستهدف المزالق والعثرات والأخطار . .

وتبدو فائدة الدراسة التاريخية في صورة واضحة حينما نري أن العامل الرئيسي في وقوع بعض الحوادث كان خافيا غير متوقع ، وانه جاء بغتة وعلى غير انتظار وترقب . ودراسة التاريخ تعلمنا أن بعض الأشياء التافهة التي ليس لها كبير قيمة قد يكون لها أهمية عظيمة في توجيه الحوادث وسير التاريخ ؛ من أمثلة ذلك القول المشهور إن أنف كيلو بطرة لو كان أكبر قليلا أو أصغر قليلا مما كان لتغير سير التاريخ ! وقد يستنكر هذا القول القائلون بالجيرية الاقتصادية مثل جماعة الماركسين ، ويرون أن مسألة مصير الأمم واتجاه الحضارة أجل شأنا وأعظم خطرا من ان يفصل فيها حجم انف امرأة ؛ ولكن برغم هذا الاستنكار والاحتجاج نستطيع أن نقدر أن أنف كيلوبطرة لو كان أكبر أو أصغر مما كان لأثر ذلك في جمالها وفتنتها ولقلل من الأثر البالغ الذي تركه جمالها في نفس يوليوس فيصر ومارك أنطوني ، ولتغير تاريخ الرومان وتاريخ العالم تبعا لذلك ، ولما وقعت وقعة اكتيوم ، ولما فامت امبراطورية أغسطس قيصر إلى آخر الحوادث التي استتبعها تدله أنطوني بكيلوبطرة .

والذين يضمون التاريخ في صف العلوم الآلية تواجههم من الحين إلى الحين مظاهر لم يكن في وسع الذكاء الإنسانى أن يدركها أو يتكهن بوقوعها ، ولا تفسرها فلسفة من الفلسفات المادية التي تفسر التاريخ بعوامل  .الإنتاج ودوافع الاقتصاد

ومحتملات التاريخ لا تنشأ فى كثير من الأوقات من    التفكير فيما قد تحدثه الأشياء التى تبدو تافهة قليلة القيمة ، ومعظم المشكلات الكبيرة والأزمات الحازبة والانقلابات البعيدة المدى كان يتوقف علاجها وتوجيهها على إرادة حفنة من الأفراد الممتازين وصفاتهم الأخلاقية ؛ وهو أمر لا نستطيع أن نتيقن من وقوعه ويجزم به ؛ فلو لم يولد قيصر أو نابليون أو لوثر أو رجـل مثل معاوية أو

عبد الرحمن الداخل أو الناصر أو صلاح الدين الأيوبى أو السلطان محمد الفاتح وغيرهم من صناع التاريخ وموجهى الحوادث ، لاختلف سير التاريخ وتغيرت صوره عما نمهده ونقرؤه في مدوناته وسجلاته ؛ ولو عاش أمثال هؤلاء الأبطال عمرا أطول من عمرهم أو لوماتوا قبل الوقت الذى ماتوا فيه لأثر ذلك في تاريخ العالم وتسلسل حوادثه ؛ وخير مثل في توضيح ذلك حياة الإسكندر المقدونى ، فقد أتي بالعظائم فى حياته القصيرة الحافلة المليئة والتى لم تتجاوز ثلاثة وثلاثين ربيعا ؛ فما الذي كان يعجز عن عمله هذا الرجل العظيم والبطل الكرار لو كان مد فى أجله وبسط فى عمره ولم يخترم في ديمان الشباب ومقتبل العمر وقد دوخ الجيوش ودانت له الأقطار ؟

ولولم يمت الإسكندر فى سنة ٣٢٣ قبل الميلاد وتمكن من توطيد ملكه ، وتوسيع رقعة نفوذه ، وأتمام برنامجه وإ كمال سياسته ، لتغير تاريخ العالم تغيرا جوهريا ، وقد كان الإسكندر حين موته يهم بغزو بلاد العرب وإرسال أسطوله لإخضاع فرطاجنة ، وكان ينوى بعد ذلك الاستيلاء على روما ؛ ولو أتيحت له الفرصة ليفعل ذلك لتغير تاريخ العالم ، وواضح أن هذا التغيير كان متوقفا على إرادة شخص واحد قد تحركه الأفكار الراجحة والنظرات الصائبة ، وقد تدفعه الأهواء والنزوات والمطامع الهوجاء .

على أن بعض الاحتمالات التاريخية من ناحية اخرى ترينا قوة تيار الحوادث أوتتابع الأسباب والسببات ؛ من أمثلة ذلك مسألة هرب الملك لويس السادس عشر وإرجاعه من قارنز ، فلولا القروي المدعو درويه الذي كان يسوق عربته على مقربة من جسر قارنز لما عرف الملك وأخفق في محاولته ؛ وقد كان من المحتمل إلي حد كبير أن يوفق الملك في محاولته الفرار ؛ ولكن هل فرار الملك كان يغير اتجاه الثورة وما تلاها من الحوادث ؟ لست ارجح ذلك ، فقد كانت الثورة الفرنسية نتيجة تكاد تكون محتومة

لأسباب كثيرة منوعة سياسية واقتصادية واجتماعية ؛ وهرب الملك لم يكن من عظم الشأن وجلالة الخطر بحيث يحول من تيار الثورة أو يغير سيرها تغييرا جوهريا . ويستطيع القارئ أن يضاعف أمثلة الاحتمالات التاريخية ، وسيجد أن بعض تلك الاحتمالات كان يمكن أن يحدث تأثيرا بعيد المدى ، وبعضها كان يمكن أن يحدث تأثيرا محدودا ضيق النطاق ؛ فما الذى نستطيع أن نستخلصه من ذلك ؟ فى رأيى أن الذى نستطيع أن نتبينه من خلال ذلك أن حياة الإنسان وتاريخ الإنسانية مزيج من الجبر والحرية والضرورة والاختيار والفوضى والنظام ، وللتاريخ قوانين وأحكام تسيطر على حركاته ، ولكن هذه القوانين على قوتها وأصالتها لا تجرد الإنسان من حريته كل التجريد ، ولا تمنع من تدخل الإرادة البشرية والأهواء الإنسانية . وتفسير كارل ماركس للتاريخ فيه الكثير من الحق ، ولكنه ليس

الحق كله والصواب جميعه ؛ فلو قامت الدوافع الاقتصادية على ساق ونحن قعود لما أنت بشيء ، ويخطئ على الدوام الذين يفسرون التاريخ بعنصر واحد من عناصره العديدة ودافع فرد من دوافعه الكثيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية