الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 37الرجوع إلى "الثقافة"

محضر الأرواح

Share

كان الناس منذ بضع سنين ، قبل أن يمتد الخط الحديدي الذي يعبر جبال البرانس يسافرون في تلك العربات القطلونية التي تشبه مركبات العصور الوسطى في اوربا ، وهي عربات ضخمة عريضة منخفضة ، تجري على دواليب صغيرة ذات اغطية مخروطية فوق رءوس السائقين تقيهم حر الشمس اللافح ؛ وكانت تطلى من الخارج بالآلوان الزاهية ، ولاسيما اللونين الأصفر الفاقع والاحمر القاني ؛ وتشد إليها بغال مطهمة تسير بها احث سير لا تتمهل ولا تعقب على استعداد ، وتغير في آخر كل مرحلة ، ويختلط في هذه المركبات شحيح البغال بجمجمة العجلات ، ورنين الأجراس ، وصراخ السائق يستحث به البغال على السير تارة ويشوطها تارة أخري .

وكنا في إحدي هذه المركبات جماعة مختلطة من الفرنسيين والأسبانيين نريد عبور جبال البرانس من فرنسا إلي أسبانيا ، وقد سارت بنا المركبة حتى وصلنا إلي بلدة بولون boulon القريبة من الحدود الفرنسية الأسبانية ، وعند هذه البلدة يزداد ارتقاء الجبال صعوبة ، ولذلك ابطأت البغال في سيرها ونزل بعض الركاب من العربة ، شفقة على البغال وترويحا للنفس من عناء الركوب ، ثم أخذ عدد الراجلين يزداد ، حتى لم يبق في المركبة إلا أربعة من الطبقة الأرستقراطية ، ولكن هؤلاء ما لبثوا أن انضموا إلي المشاة وسارت العربة بالسائق وحده حتى أذنت الشمس بالغيب ، فأرسلت أشعتها الذهبية على الأودية وقلل الجبال المتوجة بالثلوج ، وكان المنظر خلابا ياخذ بالالباب وبعث على التفكير العميق ، وما زلنا نجد في السير راجلين تارة ،

وراكبين تارة اخري ، نتجاذب أطراف الحديث في موضوعات شتى ، حتى انتقلنا إلي حديث السحرة والمنجمين والاشباح وتحضير الارواح ، وقد يكون سبب هذا وحشة المكان وسكون المساء وصفاء الجو

وكان بين الركاب شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين ، تلوح عليه سماء تجار أهل الجنوب من فرنسا ، وصار الشاب ينكر علينا عقائدنا في السحر والأشباح إنكارا حمل بعض رفاقه على أن ينظروا إليه نظرة المستهزئين الساخرين . وكان من بين الرفاق أسباني في نهاية العقد الخامس من عمره ، تدل هيئته على أنه من تجار الماشية الذين يكثر عددهم على الحدود ، وكان لا يحسن التكلم بالفرنسية ، ولذلك لم يشترك في الحديث إلا قليلا ؛ كان هذا الشيخ أزج الحاجبين ، ذا عينين سوداوين غائرتين ، ونظرات ثاقبة ، ووجه أسمر مستدير ، ولم يتحمل هذا الشيخ الأندلسي مبالغة الشاب واحتقاره لعقائد الجماعة فخرج عن صمته وقال : " أيها الشاب ، إن هذا التبجح الذي لا تنفك تتظاهر به ليدل على أنك تصبح أجبن الجبناء إذا ما لاح لك شبح من هذه الأشباح التي تنكر وجودها " ، فأجابه الشاب في صلف واستهزاء : " من هو الذي ترميه بالجبن أيها الشيخ ؟ إذا كنت أنا الذي تعنيه بقولك فاني أحداك أن تنطق به مرة ثانية " ، فقبض الأسباني على ذراع الشاب يكلنا يديه وهزه هزة عنيفة ظهرت آثارها على وجهه وصاح بأعلى صوته : " أيها الطفل المغتر ، أتدري أي رجل تخاطب بهذه اللهجة ؟ أقسم لك أمام هذا الجمع أنك ستخور قواك وتفقد رشدك إذا وقع

نظرك علي أصغر شبح من الأشباح " .

فأجابة الشاب وقد فقد على ما يظهر شيئا من كب ريائه وثقته بنفسه : " دع ذراعي إن انت إلا حيوان في صورة إنسان " .

ثم تدخل المسافرون في الأمر وفرقوا بين الرجلين وسارت العربة قليلا حتى صلح الطريق بعض الشئ ، ولم يمض إلا ربع ساعة حتي كان الركب في قرية بلجارد bellegarde وهي نقطة على الحدود بين فرنسا واسبانيا ، وعندها فحصت جوازات السفر وبدلت بغال المركبة ، وانحدرنا فوق جبال البرانس الأسبانية حتى وصلنا إلي فجراس figuecras في الوقت المحدد ، ونزلنا في فندق البلدة الصغير حيث أعد لنا طمام العشاء من البيض واللحم والبطاطس ، فالتهمناه التهاما على الرغم من سوء طهيه وعدم نظافته ، ثم قدم لنا البرتقال والتفاح والقهوة ، وبعد ان طعمنا وشربنا عدنا إلى الكلام على الأشباح والسحر وتحضير الأرواح ، فأظهر الشاب التاجر من السخرية اكثر مما أظهر في الطريق وضاق الشيخ الأندلسي به ذرعا فقال :

" إني أتعهد بأن أريك رأي العين أي شخص من الأموات تريد أن تراه " . فقال الشاب :

إنك تهذي ايها الشيخ ، إنك بلا شك حديد العضلات ، ولكن عضلاتك هذه لا تقوي حجتك "

فأجابه الشيخ : " ما شأنك انت وقوة عضلاتي ، هل فهمت ما قلته لك ؟ "

فقال صاحبه بعد تردد " نعم فهمته " . فقال الشيخ الأسباني : " إذا أراهنك على أنك لن تستطيع ان تقف امام شبح من الاشباح ، ولك مني ألف فرنك إذا استطعت ، على ان تدفع لي مثلها إذا عجزت فأجابه الشاب : " ألف فرنك ! أنا لا أخاطر بمثل هذا المبلغ الضخم " .

فقال الأسبانى : " إذا كنت تنكر الأشباح هذا النكران ، وإذا كانت لك في نفسك هذه الثقة فإنك لا شك كاسب الرهان ؟

وكانت حجة الشيخ قوية لا يستطيع احد دحضها ، ولكن الشاب أجابه : " إني لا استطيع أن أقام بأكثر من مائتي فرنك .

فابتسم الشيخ ابتسامة الساخر وأعاد إلي حييه ما كان قد اخرجه من المال ، ثم قال : " هل تظن أني ازعج الأرواح من أجدائها وأعود بها إلي عالمنا نظير هذا المبلغ الحقير ؟ لا يا سيدي ، أنا لا أراهن على أقل من ألف فرنك ، قهانه إن شئت ، وإلا فتنح عن الرهان ولا تعد إلي المكابرة " وكانت حماسة المسافرين قد بلغت غايتها ، وتلقت نفس كل منهم ان تعرف ما سوف يؤدي إليه هذا النزاع الغريب .

فقال أحدهم ضاحكا : إني اشترك في هذا الرهان بمائتي فرنك على أن أكون شريكا مرفوعا .

وقال ثان : وأنا اتقدم بمثلها  وقال ثالث : وانا اشترك بمائتين في هذا الرهان

ولم تمض إلا عشر دقائق حتى جمع للشاب من الركاب ثمانمائة جنيه ليضمها إلي مائتيه

فلم ير الشاب عندئذ إلا الإذعان ، وجمع المال ووضعه في جيبه بيد مضطربة وقلب واجف ، ثم غادرنا كلنا مائدة الطعام ، وطلب الأسباني إلي صاحب النزل ان يسمح له بحجرة من حجراته ، فسار بنا إلي قاعة في الطبقة السفلى تطل على الحديقة .

ثم أدخل الشيخ الشاب المستهزيء فيها وتركه في الظلام ووقف هو على بابها ومن حوله الركاب ، ثم تقطب جيبنه وابرقت عيناه وعلت وجهه غبرة مخيفة ، ونظر إلى باب الحجرة المغلق بضع دقائق مضت كلها في سكون رهيب . ثم سمعنا صوت الشاب يقول باستهزائه المعهود :

" متى تأتي لنا بأرواحك يا سيدي الكبير ، أغدا أم بعد غد ؟ " .

فقال له الشيخ الأسباني : " ماذا تري يا بني العزيز ؟ " فقال : " لا أري شيئا يا سيدي " .

ثم مرت لحظات قليلة ظل الشيخ في أثنائها يتمتم بضع كلمات غير مفهومة ، ويشير بإحدي يديه تارة وبالثانية تارة اخري ، ثم قال : " والآن ماذا تري ؟ "

فقال الشاب ، وقد تهدج صوته : " إني أري غمامة بيضاء في أحد أركان الحجرة " .

فقال الشيخ : " إن هذه الغمامة تتحرك ، اليس كذلك ؟ " .

فأجابه الشاب : " إنها تتحرك نحوي . أه لقد تكشفت عن شكل إنسان .

. . نعم نعم ، إنني لا استطيع ان اميز راسها " . فقال الشيخ : " من تحب أن تري ؟ "

فلم يجب الشاب على الفور بل صمت قليلا ، ثم سمعنا صوته خائفا متلجلجا يقول : " أمي "

فقال الشيخ بصوت الأمر : " إذا فلتستعد . انظر " ثم ساد السكون طويلا وخيل إلينا ان كلا منا يسمع دقات قلب صاحبه . وعلى حين غفلة علت في الجو صرخة شديدة كادت تصم آذاننا ، ثم سمعنا صوت الشاب يقول :

" إنها هي . . أمي المسكينة إني أراها في أكفانها مفتحة العينين ، ولا تزال على وجنتيها الدمعتان اللتان انحدرنا من عينيها في أثناء صراعها مع الموت . . إنها مقبلة . . لقد أمسكت بي وضمتني إلي صدرها . .

كفي . . الرحمة الرحمة . أشفق علي أيها الساحر الغادر . لقد خارت قواي . . النحدة النجدة " .

ثم سمعنا صوت جسم يسقط على الأرض ، فأسرع الركاب إلي الحجرة ورفعوا الشاب البائس ، وحاولوا ان ينقذوه من النوبة العصبية الشديدة التى تملكته ، وجاءوا إليه

بالماء البارد وسكبوه على وجهه ، ثم ارسلوا في طلب الخل وبعض المنبهات ، واخذ الشاب يفيق رويدا رويدا ، ولما افاق بدت على وجهه علائم الغضب الشديد ثم قال : " اين هو ؟ أين ذهب هذا الأسباني الغادر ؟ . إبتوني به . تالله لا قتلنه في الحال . . هل يليق بإنسان أن يعذب أخاه الانسان هذا العذاب الشديد ؟ " .

وأخذ الركاب يبحثون عن الشيخ الأسباني ، ولكنهم لم يهتدوا إليه . ثم افلت الشاب من ايدى زملائه الذين كانوا يعنون بأمره وانطلق يبحث عن الساحر ، لكنه لم يلبث أن اختفي هو الآخر في ظلام الليل الحالك واختفت معه الثمانمائة الفرنك التي قدمت له لتكمل الرهان .

ولما ركبنا العربية مرة أخري لتواصل السير إلي مدينة جيرون jirone لم نتمالك من الضحك على هذه الحيلة المتقنة . وقال واحد منا : لقد شاهدنا نظير ما دفعنا من المال ملهاة محكمة الوضع ، مثل اللصان فيها دوريهما احسن تمثيل .

اشترك في نشرتنا البريدية