الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18الرجوع إلى "الثقافة"

محمد الرسول المصلح

Share

كم من عظماء الرجال زالت عظمتهم أو قلت قيمتهم بمرور الزمان عليهم ، وتنبه الناس تنبهاً صحيحاً لأعمالهم ، ووزنهم بموازين عصرهم. ولكن محمداً (ص) ظلت قيمته قيمته ، وعظمته عظمته ، مهما اختلفت العصور ، وتغيرت الموازين ؛ بل إن الزمن ليزيد عظمته وضوحا ، والموازين الأخلاقية الجديدة تزيد مكانته رفعة

وكم حاول خصومه في مختلف العصور أن ينتقصوا

من قدره بشتى الأساليب، ومختلف الأكاذيب، فنالوا من أنفسهم ولم ينالوا منه ، وحرموا لذة الحق وبقى الحق.

وكم لمحمد من نواحي عظمة ومظاهر سمو ، ولكن لعل أروعها جميعاً ما جاء به من دعوه وماقام به من إصلاح.

لقد نشأ في جو خانق ، وبيئة مضطربة فاسدة، وحالة اجتماعية تبعث اليأس ؛ فجعل من الشر خيرا ، ومن الاضطراب أمنا ، ومن الفساد صلاحا ؛ فالعرب قد وهبت

نفسها للأصنام ، وجعلت البيت الحرام - الذي بني ليعبد فيه الله - مباءة لثلثمائة حجر أو تزيد ، تعبدها من دون اللہ ومن تنصر منهم أو نهود كان قد تنصر أو تهود بنصرانية أو يهودية فقدت روحها ، وتقسمها المذاهب والشيع، ودخل على تعاليمها الأولى كثير من البدع فلم تنجح فيهم يهودية ولا نصرانية ، والحنفاء الذين ظهروا قبيل الاسلام كان صوتهم ضعيفاً خافتاً ، عجزوا - كما عجزت اليهودية والنصرانية - أن يغيروا شيئاً من حياة العرب وعقلية العرب . ثم كانت حياتهم سلسلة سلب ونهب ، كل قبيلة وحدة ، بل كل فرع قبيلة وحدة ، وكل قبيلة في عداء مع من جاورها ، لا أمن على الحياة ، ولا أمن على المال ، لا يفقهون معنى «أمة»، ولا يفهمون معنى الحياة سياسية أو مدنية ، ولا يعرفون معنى لعلم أو فن ؛ فلو أنت قلت إن أحداً من الأنبياء والمصلحين لم يحد من اختلال أمته وفسادها ما وجد محمد من العرب ، وأن أحدا منهم لم ينجح في إصلاح أمته ما نجح محمد في إصلاح العرب وغير العرب ، ما عدوت الصواب .

ففي عشرين عاما استطاع بتأييد الله أن يغير كل هذه الفوضى ، وأن يغير كل هذه المظاهر ، وفوق ذلك أن بغير هذا الروح ، فجعل من القبائل وأشباء القبائل أمة عربية واحدة ، ورد الأصنام إلى أماكنها في الأرض ، وساوى بينها وبين أخواتها من الحجارة ، وحول عبادتهم إلى إله واحد فوق الأرض وفوق السماء ، وفوق المادة كلها ، هو وحده الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» ، فرفع من نفوسهم المرتبطة بالحجارة ، والمتصلة بالأرض ، تتحلق فوق السماء ، ولتنظر إلى العالم كله نظرة سامية عميقة ، ولتحتقر عرض الدنيا في سبيل نصرة الحق

وجد نصف العرب ( وهو المرأة ) ضعيفا فقواه ،

مسلوب الحق فرد إليه حقه ، فهى كالرجل في العبادات ، وهي كالرجل في المعاملات ، ولها كالرجل كل الحقوق المدنية ، فأكمل بذلك ترقية النصف الآخر وجعلها أقدر على اصلاح الجيل الجديد بما نالت من حرية جديدة.

آمن الرجال والنساء بتعاليم الإسلام الجديدة يعتنقونها ويذودون عنها ، ويرون واجباً عليهم نشرها وتضحية النفس والمال في سبيلها ، تحمسوا للدين ولكن لا كما يتحمس الرهبان فى الصوامع، إذ هجروا دنياهم لدينهم، بل لم يمنعهم اخلاصهم لديهم من تحسين دنياهم، فهم يدينون ولا ينسون نصيبهم من الدنيا ، يتاجرون ويصلون ويملكون المال ويزكون ، ويعملون للدنيا كأنهم يعيشون أبداً ويعملون للآخرة كأنهم يموتون غداً ، يبلغون الذروة في عالم الروح، ويبلغون الذرة في عالم المادة ؛ ففي عالم المادة إن حاربوا الفرس والروم غلبوهم وأزالوا ملكهم ، وفى عالم الروح إن سابقوا الأمم الأخرى في روحانيتهم سبقوهم ، فلا وثنية ولا عبادة لصور ولا عبادة لكائن ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولا إله إلا الله .

لئن فاخر المصلحون بتعاليمهم وبدعوتهم محمد (ص) يحق له أن يفاخر بذلك كله وبالنتائج العملية التي وصل إليها ، فليس رسم الخطط وحده كافياً في التباهي ، إنما المباهاة الحقة في التنفيذ والنجاح في التنفيذ، وإلا فكل رجل فوق المستوى المألوف يستطيع أن يحلم بعالم خير من هذا العالم ويرسم لهذا العالم السعيد صوره الخلابة البديعة ، ولكن المصلح الحق من يضع الخطط الملائمة للحاضر والمستقبل ، ثم يضع الخطط الصالحة لتنفيذ ذلك كله ، ثم يصل من ذلك كله إلى الغاية . ولقد أظهر النبي (محمد) في ذلك كله البراعة الفائقة ، فلم يكن حالماً ولكنه فكر ثم وصل ثم عمل .

كم أجهد نفسه في التفكير وأجهد روحه في البحث ، وكانت عزلته في غار حيرا، وسيلة من وسائل تفكيره ، وفيم كان يفكر ويطيل تفكيره ؟ في سوء ما عليه العالم ، وفى سوء ما يعتقد العرب وغير العرب ، وفى سوء الحالة الاجتماعية فى العالم الذي رآه في جزيرة العرب وفي العالم الذى رآه فى الشام، قد يكون هذا الفساد واضحاً ، ولكن ما هو الحق وأن الحق ؟ كان هذا هو زمن التفكير ونوع التفكير ، ثم اهتدى وكان الوحى إيذانا بالهداية

ثم كان له بعد ذلك من الله قوة في التنفيذ لا تبارى ، يدعو إلى الحق ولا يمل ، ويعذب من أجل الدعوة فينال العذاب من جسمه ولا ينال من نفسه، فهو يضرب وهو يرمى بالحجارة وهو يسيل دمه ، ولكن العذاب مع ذلك كله يزيد في دعوته قوة وفى نفسه عزيمة.

ثم هو لا ييأس أبدا فإذا فشلت خطة وضع خطة فإذا لم تنجح خطة الطائف فليدع غير الطائف من الأوس والخزرج حتى يكتب له النجاح

ثم هو شجاع في كل ما تتطلبه الدعوة ، تتوالى عليه الأحداث وهو مطمئن ، ويتفرق عنه أهله فلا يجزع، وتبدو طلائع الهزيمة في وقعة أحد ، وتكسر رباعيته ويشج في وجهه وتكلم شفته ويسيل الدم على خده ، ويتكشف السلمون، ويصيب فيهم العدو، ويقتل عمه حمزة ، وهو هو في ثباته ، وهو هو في إيمانه ، وهو هو في أمله ، جميع الفؤاد رابط الجأش

قلما أن أمكنه الله من عدوه لم يذكر دمه ، ولم يذكر أفاعيل خصومه ، ولم يذكر قتالهم لأهله وأصحابه ، إنما ذكر دعوته وذكر خير السبل فى الوصول إلى تحقيقها ، وذكر ما يجب أن يفعل لإنجاحها ؛ فلما فتح مكه كان همه أن يدخل الكعبة ومعه بلال فيؤذن فيها ، ويكسر الأصنام ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ، وهذا هو ما يذكره . أما الناس فليسوا موضع نقمته وخير أن يستجلبهم لدعوته يعفوه

فيقول : ( يامعشر قريش ما ترون أنى فاعل لكم ؟ قالوا : خير أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء » ، فأسرهم بعفوه ، وترجمهم إلى قوة فعالة في سبيل دعوته ؛ وهكذا لم تجد مثلا يجمع بين القوة والرحمة ، والصلابة والمغفرة، والإصرار واعتدال المزاج كما رأينا في هذه الفعال

تعاليمه الاصلاحية إلهيه خالدة، أما شخصة فإنسان يخضع لكل قوانين الإنسان من شباب وشيخوخه وموت وغير ذلك.

وسبب خلود تعاليمه أنها إنسانية عامة ، لم تخضع في جوهرها وأسسها الأولى لظروف الزمان ولا ظروف المكان ، فلم ينظر فيها إلى العرب وحدهم ، ولا إلى الروم وحدهم ، ولا إلى الناس في زمنه ، إنما نظر فيها إلى الإنسان من حيث هو إنسان، فبقيت ما بقى الإنسان، ولم يغرق فيها بين عربي وغير عربي، ولم يتميز فيها غنى عن فقير ، ولا أبيض البشرة عن أسودها ، ولا طبقة في الشعوب طبقة ، ولا شرقي عن غربي، ولم يكن فيها نمرة جنسية ، ولا نغمة أرستقراطية ، ولكن فيها أن الإنسان أخو الإنسان، والأبيض أخو الأسود ، والرجل أخو المرأة ، والغنى أخو الفقير ، والملك أخو الرعية . وكانت كل رسالته وكل أقواله ترمى إلى غاية واحدة : ألا يفر الإنسان من هذا العالم بالعزلة ، ولكن يكون قوة فعالة لاستئصال الشر وفعل الخير، وتمام الانسجام بينه وبين من يعيش  ، معهم وتحقيق العدل والإحسان له ولهم ، وأن يعيش الخير نفسه وخير من معه وخير العالم : يجب أن تكبر الحدود الجغرافية والحدود الصناعية والفوارق الجنسية. وأن يعيش العالم وحدة تحكمه قوانين عادلة ، وتسوده تعاليم حقة ، ويعتنق أهله عقائد صحيحة أساسها كلها الخير العام للإنسانية، وهى إن اختلفت في الفروع

بحسب الأقاليم وبحسب البيئة الطبيعية والاجتماعية ، فلن تختلف في الأصول التى تربط الإنسان بالله خير رباط ، وتربط الإنسان بالإنسان خير رباط ، وتخضع لحكم العقل مجرداً عن التخريف والتضليل ، ولحكم المواطف سليمة صحيحة قوية.

فأى شيء من هذه التعاليم لا يبقى ما في الإنسان ؟ بل أي شيء من هذه التعاليم لا تعلو قيمته كلما علا الإنسان في قيمته ورقي في إدراكه ؟

لقد كان كل في قبله يحمل مصباحاً لقومه ، فجاء محمد يحمل مصباحاً للعالم .

آمن محمد بالأنبياء جميعاً وبرسالتهم جميعاً ، وبإصلاحهم جميعاً ، ودعا من يؤمن به أن يؤمن بهم ، وعلم أن الحق في كل زمان واحد ، قد دعا إليه كل في قبله ، وأنه داع

دعوتهم ، مرسل بمثل رسالتهم ، مطهر لما لحق تعاليمهم من الشوائب، مصلح لما أدخله الأنباع من الفساد ، متقدم في رسالته تقدم الزمان في عقليته ، مبعوث إلى الكافة ، مرسل إلى العالمين .

فلئن احتفل اليوم بمولده أربعمائة مليون مسلم على وجه البسيطة ، لا يفرق بينهم جنس ولا لغه ولا لون فيحق لهم أن يباهوا به وبعظمته وبدعوته . وأرجو أن يكون قريباً ذلك اليوم الذى يحق لهم أيضاً أن يباهوا بأنفسهم ، وأن يتمدحوا بأنهم خير أتباع الخير مصلح ، ويذكروا قوله تعالى : «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) .

اشترك في نشرتنا البريدية