كان لا بد له اذ أراد العلم ان يدخل " تونس " الخضراء . فيستوطن " مدينة النور " ويغشى دروس " جامع الزيتونة " المباركة الزيتونة التى عرف بنو المغرب الكبير انها " لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور..."
وترك " محمد " بلده الصغير الحبيب : " تيهارت " ويمم شطر مدينة النور . . تونس ، فاقام بها غير شاعر بغربة الدار ، او بعد المزار ، مستبدل اهلا بأهل ، وجيرانا بجيران ؛ ولكنه ظل ينزع الى موطنه الخاص بعراق نابض ، ويجن إليه بأدنى مثير ، ويحتفظ بشعاره ودثاره ما وسعته المحافظة ؛ لقد ظل بجلبابه الجزائرى الفضفاض ، وشاشه الناصع البياض ، وحذائه الطليق من عقال...
واندس بين شباب " الجامع الاعظم " . فانتظم معهم فى بعض حلقاته الرحبة الصدور ، واصبح معدودا فى " طلبة العلم " المهاجرين فى سبيل الله والمعرفة ، امدا قصيرا ، ثم لفته شوارع " الحاضرة " التونسية مذ " ادركته حرفة الادب . . " وعرف مجامعه الحافلة ، واستبدل جلسات " تحت السور ... " !! بحلقات " الجامع الاعظم " المعمور...
لست ادرى متى كان ذلك بالضبط ، ولكنى اعرف ان نقطة التحول فى حياة " محمد العريبى " كانت يوم حفل اقيم بتونس لذكرى وفاة شاعر النيل الكبير : محمد حافظ ابراهيم .
انتظم هذا الحفل فى القاعة الكبرى للجمعية الخلدونية ، وكانت الجمعية هي الداعية له ، والمشرفة عليه ، ولكن رئيسها السيد عبد الرحمن الكعاك الذي كان مقررا ان يسير الحفل قد تخلف عنه لعائق . . ولم يكن من اللباقة أن يبطل حفل كبير كهذا لمجرد تغيب رئيس الجمعية التى نظمته ، فاسندت الرئاسة الى احد علماء الزيتونة ممن لهم صلة بالقلم والادب ، فادار الحفل احسن ادارة ، وسيره
اشتراكى مع محمد العريبى في لقبه هو اقصى نسب وصهر بينى وبينه . ففى خاصة اهلى ثلاث من المحمدين هم ابى وعمه واخي ، وليس محمد العريبي الذى تحدث عنه واحدا منهم وان توهم ذلك بعض الذين عرفونى وعرفوه وكاشفوني بوهمهم هذا . " ب ، ع "
حتى نهايته ، وان اصطدم في اثنائه ببعض النزعات المتقابلة ، وتعرض لنزاع بسيط كان طرفا فى قضيته الدينية الادبية فى آن .
لقد وقف احد الحاضرين على منصة الحفل ليتلو على مستمعه قصيدا ارسل به شاعر الصحراء الجزائرية مفدى زكرياء خصيصا لهذا الحفل ، وفي القصد يقول زكرياء :
كذب الناس ، انت لست بميت . . الخ فاحس الشيخ الرئيس في هذا القول تحديا للقدر ، ونبوا عن الدين وخروجا عن اللياقة التي تقتضيها روعة الذكرى . وصدع برأيه على ملإ من الحاضرين ، معلنا . ان هذا كفر " وكان فى الذين يشهدون الحفل من الشباب الزيتونى المتحرر من لم يشاطر الشيخ رأيه ، ولم يرقه تكفير المؤمنين بمثل هذا اليسر ، فغادر القاعة غضبان مرعدا ، واعتزل الجمع مزمجرا مزبدا ، وغير آبه للتقاليد التى تفرض الحرمة ، وتوجب الصمت ، وتدعو الى التسليم بما قيل ويقال في مثل هذا الحفل من اى متكلم ، مهما خلط او هرف ، بله من رئيس المجمع الحافل
وكان محمد العريبي في الحاضرين ، كواحد من آلاف التلاميذ الذين يحضرون هذه المجامع ، وينبثون فى كل قاعة ، ويؤلفون جمهور النظارة والمستمعين الواعى فى كل حفل ينتظم بالحضرة التونسية أجل كان كواحد من آلاف التلاميذ . . او كغيره من مئات الحاضرين ، لم يحرك ساكنا ولم يثر على حوقلة الشيخ الرئيس كما ثار ذلك التلميذ الذى غادر القاعة ، واعتزل الجماعة ؛ وان احس ان الامر يهمه اكثر مما يهم الآخرين ، ويمسه من قريب او بعيد بما لا يمس سواه من الحاضرين
ذلك ان الشاعر الذي وصم بالمروق والكفران كان جزائريا ، وكان العربي جزائريا مثله ، وكانت للنزعة العصبية في ذلك الطور من حياة المغرب العربي سوق ناققه ، ومجال لا يبخل الناس عن ان يصفوه بالحميد ، وكانت العصبية الجزائرية على التخصيص حادة قوية الاثر ، جاهلية المظهر / ، تخضع فى اكثر الاحيان لمبدأ : " انصر اخاك ظالما او مظلوما " كما يفهمه فريق من الخاطئين ، ومن ثم كان الجزائريون على نحو من التضامن متين ، وكانوا :
لا يسألون أخاهم حين يندبهم فى النائبات على ما قال برهانا
كانت هذه هى حالة الجزائريين عندما حمى وطيس المعركة فى حفلة الذكرى فكيف لم يثر العريبى ، ولم ينتصر لمواطنه الشاعر الموصوم بالكفران ؟
يقيني ان محمد العريبي كان فى تلك الفترة فى صراع باطني عنيف ، لانه كان دينا شديد التدين ، معروفا بين زملائه بالمحافظة الغالية ، شانه شان اكثر الجزائريين
والمغاربة الذين يستوطنون تونس أيامذاك ، وخاصة إذا كانوا من طلبة العلم واذن فهو لا يريد ان يستسلم لعواطفه الوطنية ، او يخضع لحميته الجزائرية ، مغضبا عن مقتضيات الدين الذى سمع بعض احكامه يصدر عن احد كبار العلماء الذين لم يغترب الا ليأخذ عنهم ، ويتلقى بعض الذى يلقون اليه . لا يسعه الا ان يسمع عنهم فى الدين ويطبع وقد قالوا ان فى هذا الشعر كفرا ، فيجب ان يؤمن بما قالوا ، لان له فيهم اسوة حسنة واذا كان عليه ان يضحى فى سبيل ذلك بما تقضى به التقاليد المغربية واحرى الجزائرية - من عصبية فلا بأس
هكذا اصطرعت حمية الدين وحمية الوطنية الجاهلية النزعة فى نفس " محمد " فما ملكت الجاهلية فى وجه الدين ثباتا ؛ وصرع الدين نزعتها عند هذا الفتي ، فلم ينبس ببنت شفة لما سمع ورأى ، ولا ابدى حراكا ينتصر به لمواطنه الغائب الملموز فى دينه .
بيد أن " محمدا " وهو شاب ذكى الفؤاد ، يقظ القلب ، شديد الحساسية ، ظل يفكر في أمر ذاك الفتى الذى ترك القاعة ، وغادر الجمع الحافل غير آبه لما يحدث من بعده ؛ اليس يمكن ان يكون على شىء من الحق ، اليس يمكن ان يكون الشيخ هو الخاطئ في حكمه على شعر زكرياء بالكفر ؟ وهب الشيخ كان مصيبا ، ألا يستحق ذلك الفتى الذى غاضب الشيخ شكران محمد له على صراحته ، وعلى انتصاره لمواطنه الجزائرى على التخصيص ؟ واذا كان لا يستحق ذلك فلم لا يتحدث اليه محمد فيكتشف بواعث هذه الزوبعة التى احدثها ؟
وبقي محمد بتصيد الفرصة التي يلقى فيها زميله ذاك الصريح الثائر . وكان مسكن محمد بمشتى " حمام الانف " فهو لذلك فى حاجة الى تنقل يومى بالقطار ، وفى هذا القطار كان يلتقى بمختلف طبقات السكان فيتحدث اليهم كما يتحدثون اليه ، وكان فيمن يلقاهم رجال من حملة الاقلام جاذبوه الحديث - او جاذبهم مرة عن الفتى الذي ترك الحفل ، فارشدوه اليه ، ودلوه عليه ، ولكنه لم يلقه فى فترته تلك ؛ حتى اذا تراخت الايام لقيه فضل لقاء ، واتصل به اوثق اتصال ، واصبح من اعلق شركائه به فى العمل ، واخص خلطائه ومجالسيه .
لقد اختلفت الاحوال على محمد واستدار الزمان ، فطلق حياة التلمذة قبل ان يصلب فيها عوده ، ويستد ساعده وهام على وجهه بحث له عن مهنة يمتهنها ، أو مورد يرتزق منه ، فساقه القدر الى " المصرف التجارى الاسلامى " باحدى اسواق تونس ، حيث قضى حقبة قصيرة من الزمن ، صارع فيها الدهر وقهر بها الحاجة وولج منها معترك الحياة ، واختلط بنماذج اشتات من البشر ،
واحسب ان هذا الطور من حياة " العريبى " كان انتقاليا حاسما ، احسب انه فيه انسلخ من ثيابه التقليدية وارتدى الملابس الافرنكية ، وفيه ازمع أن يتجر ببضاعته العلمية المزجاة كما يتجر فى المصرف الذى يشتغل فيه ، وفيه عقد حبل الصلة بالذين كان يريد ان يلقاهم من الادباء ، وفى طليعتهم ذلك الفتى الثائر " الصريح " ، الذي أصبح من المع كتاب جيله وصحافييهم ، وحملة الاقلام فيهم .
في هذا الطور عرف مجالس " تحت السور . . " ومن ترى من ادباء تونس لا يعرف مجالس تحت السور . مجرد المعرفة ، ان لم يكن من اعضائها ورواد مقهاها الشهر ؟ !
كان مقهى تحت السور - ولعله لم يزل - مجمع من هب ودب من ادباء تونس المحترفين ، وشداة الأدب فيها ، وسائر المتأدبين والمتحذلقين واصحاب الدعاوى في الادب والفن والذوق اللطيف . . وكانت من أجل هذا الخليط العجيب الذي تمتاز به حافلة بجلاسها ، الذين ما منهم إلا يشار البه بالبنان . لنبوغ فيه او شذوذ ولم يكن يربط بين هذه الاصناف المتباينة من الخلق رابط صحيح غير " حرفة الادب . . " . . فجلهم اوكلهم عرف الحاجة ، وعارك الدهر ، وجلس تحت السور لعلة يضمن لنفسه موردا جديدا يرفه به عن نفسه أو يزداد ترفيها .
وكانت الموارد التي ينتظرها جلاس تحت السور ، لا تعدو التعاقد مع جمعية تمثيلية ناشئة على اعداد فصل من رواية أو المساهمة فى تحرير احدى الجرائد المحترفة التي تنوي الصدور ، أو الحديثة البروز . التى تريد أن يراها الناس محافظة على مواعيد صدورها امدا ما ، ليتسنى لها استدرار اموالهم بطريق الاشتراك فيها أو غيره من طرق الامتصاص والاستنزاف والابتراز . .
واذا كانت هذه الاسباب مما يجعل الادباء المحترمين يجانبون " تحت السور . . " ويناون عنه ما وسعهم النأى ، فانها هي عينها التى تجعل الادباء المحترفين مخلصين لمقهى تحت السور ، حريصين على مجالسه المفعمة أمالا . وأموالا
ولم يكن كل جلاس تحت السور المحترفين ممن لا يؤبه لهم . بل كان فيهم من ذوي المواهب النيرة ، والمعطيات العالية ، من تفاخر به الآداب ، وتشرف بانتاجه البلاد ، ولكن ذلك لم يضف على مقهي تحت السور نظرة القبول ، ولا منحه صبغة الاحترام . .
ومهما يكن من امر هذا المجلس فقد كان " العريبي " من جلاسه فى الطور
الذى نتحدث عنه من حياته العابرة ، وعمره القصير المحدود .
وهكذا تهيا له أن يلج ميدان الصحافة . ويصبح معدودا فى الادباء ؛ وهكذا وجد هو الفرصة لينتج المقالة ، ويقرض الشعر ، ويؤلف الاغاني ، وينشىء القصص القصير ، ويكب التمثيليات أيضا . . بل وينقل الآثار عن الفرنسية حتى وهو لا يحسنها ؛ وأكاد أقول لا يعرفها ان لم أقل أنه يعرف انه لا يحسن العربية التى ينقل إليها نفسها ، لانه انقطع عن التعلم وهو فى بداية المرحلة .
بيد ان العريبى أقدم على كل هذه الاصناف من الانتاج الادبي معتمدا على رأسمال ضخم ، هو رصيده من الذكاء الفطرى . والنبوغ العبقرى ، والجرأة الجزائرية التى لا تعرف التقهقر فى أى مجال وكان له إلى هذا مورد لا ينضب من النشاط الدائب ، والحركة التى لا يعروها الكلال .
هذا هو الجو الذي عرفت فيه بعض الصحف التونسية قام العريبي ، ولعل اهم هذه الصحف هى " الزمان " و " السر دوك " و " الزهرة " التى تحتفظ ببعض معرباته الوما اليها ، و " السرور " التى اصدرها مع صديقيه الاستاذ الهادى العبيدى ومحمود بيرم التونسي و " صبرة " التي بوأته بعض مقالاتها مقعدا وطنيا ، وزجت به فى غيابات السجن في الحوادث الوطنية الدامية : حوادث ٩ - افريل - ١٩٣٨
وفي ظلام السجن الذي لفه زمانا ألف محمد العريبى مسرحية حملها عنوان (ما نحبش نتزوج) وهى مسرحية لم تبلغ خشبة المسرح ، اذ كان حظها التمزيق قبل ان تصل اليه ، لاسباب قد تكون ضغط الرقيب السياسي فى السجن
على ان هذه المسرحية بالرغم من انها لم تبلغ مبلغ المسرحيات ، تضعنا بإزاء نقطتى استفهام :
١) هل كان العريبى مؤلفا مسرحيا ؟ ٢) هل كان فى واقع الامر متزوجا ؟
أما الجواب عن أولى النقطتين فموجب طبعا ، وأما عن الثانية فهو سالب . نعتبر الجواب عن الثانية سالبا ، لان العريبى لم يعرف فى جانب المرأة قرارا ، واغلب الظن انه لم يفكر قط فى حياة بيتية يطمئن إليها بالرغم من حبه الشديد للمرأة ، وتعلقه البالغ بالانثى ، وحرصه الكبير عليها ، وسعيه الحثيث إليها ،
يبدو صريحا في شعره الذى لا تكاد اغراضه تعدو الغزل ، وفى بعض ما كتب نثرا من قصص صريح ، ومذكرات سافرة .
اقرا له ان شئت قطعة (جيب وقلب . . .) (1) فستجد فيها لونا لا نعرفه إلا لقلة من كتاب العرب ، طالما وصمت بالمروق والزندقة ، ولمزت بالتهتك والاستهتار والفجور ؛ لانها تريد بصراحتها أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا . .
ولن تظفر في (جيب وقلب . . ) بما يساعدك على نعت " العريبى " بهذه السلسلة الذهبية . . من النعوت ، إلا اذا قارنتها بقطع له أخرى ، وتقصيتها هي ذاتها فقرات ما بين سطورها . . على انى لا اريد أن اهول الامر عليك ، فقد تجد ذلك في هذه القطعة باديا للعيان ، واضحا فى كل فقرة.
" . . ثرثرتى تطغى بى او علي - عندما اخيب . وبما اني هاته الساعة (وحيد) في فراش ، لا صديق أبثه اشجانى أو أضايقه بثرثرتي ، فانى ساضايق نفسي ، علنى اتعلم كيف اشفق فيما بعد على من أحادثهم
قلت: انى (وحيد)". وهذا ليس بصحيح بالنسبة للواقع . فعلى بعد متر ونصف من فراشى تنام او تتصنع النوم " ز .. ."..
ليس لي ثقة فى هذه المرأة فانا اخشاها أكثر مما احبها . . ! هل كتبت : " أحبها . . " ؟ ؟ !
لقد دهشت من كتابتى كلمة " الحب " واضافة " ها " التأنيث إلى هاته الكلمة ، أو إلى هاته المرأة التى قلت لها : " أحبك " ألف مرة من يوم عرفتها ، وأنا أعتقد أن كلمتى هاته معناها : (اريدك).. صرت احبها.. ؟ !
. . " اندرى جيد " يقول عن الحب : (انه وليد الخيال ، فاذا صار الانسان يتخيل انه أحب فانه سيحب حقيقة ! "
لقد تخيلت الف مرة انى أحبها . لكي اجعل لكلمة الحب التي تسمعها مني رنين الاخلاص . فهل ساحبها ؟
ان هذا مما لا اوده ، لان قصة الحب ستنتهي كما بدأت ، لبس فى ترديدها سوى طلاء زائف من الحق . . ستنتهى فيما أظن . . ولكن ما علي؛ وأنا أخاف التكهن بالمستقبل ، وأنا أختار الواقع الحاضر "
وقد قال لنا " محمد " نفسه من قبل ما هو " الواقع الحاضر . . " وهو - كما يتضح . واقع لا يدع لمحمد إلى التوجه نحو الزواج مجالا . هذا من الوجهة النفسية والسلوكية ، اما من الوجهة المادية الخالصة ، فلست اجد مبررا لاعيد ان العريبي كان من جلاس " تحت السور.."!
لم يكن محمد اذن متزوجا ، ولم يوجه عنايته نحو الزواج ، ولكنه مع ذلك كان ينفق على المرأة ، بسخاء ، وينفق معها على عائلة هو رابع افرادها . وان كنا على شك فى انهم كانوا جميعا فى كفالته .
ان له أما ، وأختا ، وأخا ليس عند عارفي محمد من بعيد من أفاد باخباره اليوم ، ومآله بعد أخيه الراحل ، إلا انه يعيش فى فرنسا .
هذا ما نجيب به عن ثانية النقطتين اللتين نصبناهما من قبل مستفهمين . اما أولاهما : " هل كان العريبى مؤلفا مسرحيا ؟ " فاننا نعتبر الجواب عنها إيجابيا بالطبع لاننا ألمعنا عندما تناولنا الحديث عن ادباء تحت السور ان اولئك الادباء او جلهم - لم يكونوا يملكون الاولوج الابواب التى يفضى اليها " تحت السور " واستخدام البضاعة التى تروج فى سوقه . وقلنا ان من ابرز ما ينفق فى سوق " تحت السور " تأليف المسرحيات . فكان محمد العريبي مضطرا بحكم وجوده فى هذا المقهى الى ان يتناول المسرحية كما يتناول المقالة وسواها . وخضوعا لمقتضيات هذا السوق اقتبس للمسرح رواية ( ٥ - ملاين) التى كان لها ما بعدها إثر موته ، واحدثت زوبعة افضت الى التقاضى . وقد سجلنا ان العريبى ألف رواية (ما نحبش نتزوج) التى أثارت هذا الاستفهام .
هيأت له ظروف تحت السور ان يكون " أديبا بالرغم عنه " اذ كان لا كاتبا مسرحيا فحسب ؛ بل كاتبا قصيصا عالج القصص القصير ، ونشر منه في مجلة " المباحث " التونسية وسواها ؛ وكان شاعرا حرا . . بكل ما تحتمله كلمة الحرية من معان كان حرا فى اشكاله ومضامينه . . لا يتقيد بالعادات ، ولا يقف عند التقاليد ، ولا حتى حدود الدين . . الدين الذى طالما اخلص له واتبع مبادئه وكان يعض عليها بالنواجذ الدين الذى كان شديدا فيه أصبح لا يحفل به ، بل لعله اصبح يستهين بتعاليمه ونظمه .
ان العريبى في طوره الجديد اصبح يمثل البوهيمية الكامله فى سلوكه . وينهج منهج التحرر المطلق في اعماله واقواله على السواء .
واذا شئت دليلا جديدا على تحرر العريبى غير ما فى قطعة (جيب.. وقلب . .) - اذا شئت دليلا جديدا على تحرره المطلق فى المضامين ، واولى فى الإشكال فليس أوضح من قصيدة (صلوات بين قدميها)
اقرأ هذه القصيدة ، فستجد عليها مسحة التجديد ، وتحس بان منشئها عالج فيها تجربة تحريرية فى تعديد الاوزان وتنويع القوافى وعدم التقيد بواحد منهما ، ولكنك ستجد فيها كلفة بادية ، ونقصا اكاد أقول فادحا ، من حيث الشكل ، وستوحى لك بصراحة الشاعر الداعرة ، وان لم تبلغ فى هذه القصيدة مبلغها في قطعة (جيب... وقلب) وهذه هي :
" صلوات بين قدميها "
رغم حكم السما ، ورغمك انت انت لي كلما هجرت وجرت
انت لي رغم كل صب عشيق نال منك الذى على منعت
انت لي رغم كل (..) طقوس لا لغيري يا هذه قد خلقت
***
انت حوائى التى قد خلقت من خيالي ومهجتى وقصيدى
انت منذ (آلازالي) لحنى وفنى انت من قبل ان اراك نشيدى
انت (او تدرين ) يا انت ماذا؟ كنت لي انت من زمان بعيد
***
كنت حلما في غفوتي و (آمالا) في يقظتى
وشعاعا في ظلمتى ونشيدا فى ثورتى
ونديما في سهرتى وانيسا فى وحدتى
***
ثم بعد رأتك عيناى حسما ضاحك الثغر باهر القسمات
راقصا يملا الحياة حبورا داعيا للهوى وللقبلات
فاتحا معبد الغرام لقلبي فجثوت ورحت أتلو صلاتي
صارخا : " انت لي ، ولي قد خلقت
رغم حكم السما ورغمك انت !
سيجبهنى قراء مجلة " المباحث " التونسية بان هذا القصد ل " ابن تومرت " وليس للعريبي ، وساصادق على مقالهم ، ولكنى سأتمسك باسناده الى العريبى ، لانه هو عينه " ابن تومرت " فى اسمه المستعار الذى كان يوقع بعض آثاره
ولاختياره اسم " ابن تومرت " سبب واضح ، يزيدنا يقينا بما لهذا الفتى من تعلق ببلاده وتشبث بوطنه الحبيب .
لقد اشرنا فى مبدأ حديثنا الى ان العريبي من " تيهارت " فى القطر الجزائري وتيهارت هذه هى مركز الداعيه الفاطمي الشهير " المهدى ابن تومرت " فليس
عجيبا ان يحيى العريبى ذكره بتذليل بعض ما ينتج من الادب باسمه . بقى ان نكشف عن جانب آخر من جوانب العريبي الادبية هو جانب اشعاره الغنائية ، فقد عنى فيما عنى به من الوان الانتاج بانشاء مقطوعات للغناء قليل منها بالعربية الفصحى وباقيها ازجال من " الشعر الملحون . ."
وصديق العريبى الاستاد الهادى العبيدى يؤكد أن آخر ما نظم العريبي قبل موته كان زجلا من تلك الازجال ذات اللهجة الشعبية الدارجة ، نشرته مجلة " الثريا " إثر وفاة الشاعر
ولكن . وقع ل " الفكر " أثر شعري بخط العريبى نفسه (يجد القراء مصورا منه مع هذا المقال) يؤكد الذين ظفروا به فى مخالفات الشاعر انه هو اخر ما نظم ، وينم النفس الذي يتلمحه القارئ من هذا الاثر ايضا على انه آخر ما نظم :
اجل ! حل الشتاء بقلبه ، وانطفا قبسه فارسل الروح لترود لها فى العالم العلوي موطئا أمينا وتبحث عن نفسها عن مستقر ومستودع ، ولكنها ظلت تائهة حينا من الدهر ولبثت فى التيه بضع سنين ، ثم استسلمت الى بارئها طوعا او كرها .
كان ذلك في باريس . في (مدينه النور . .) الحضارى ، والمفاتن الصارخة والمباهج الغالية ؛ وقد استسلم " محمد " الى بوهيميته العمياء ، واطلق لنفسه العنان والقى لها الحبل على الغارب ، وراح يذرع ارض باريس يائسا من العيش ، كارها للحياة ، راغبا في ان يتخلص منها بكل ثمن
ستسألنى وكيف وصل باريس ؟ ولجواب هذا السؤال قصة لا يسعنا إلا أن نوجز القول فيها ، لنصور آخر حقبة من حياة هذا الاديب العاثر الحظ ، التائه الروح ، الجائل الضمير قصة نهاية العريبي هي قصة جانب أخير من نشاطه الادبي والقلمي والفني على العموم . . قصة " العريبى المذيع "
فى سنة ١٩٣٨ - عندما انشئ القسم العربي للاذاعة الفرنسية بتونس... دعى العريبى فيمن دعوا للعمل في برامجه بقسط ، والضرب فيها بسهم ما ، والقى بدلوه مع الدلاء فى هذا المرتزق الجديد ، فاصاب منه مغنما لم يكن له عنه غناء .
وكان العريبى قد طلق المساجد إلى غير رجعة ، واتخذ لنفسه مجالس أخرى يغنم فيها زمانه ، وينهب عمره القصير ، ويعب الحياة عب الظامىء العجلان . وفي بعض مجالسه تلك التقى بضابط فرنسى يدعى (القبطان قاطو) . . التقى به في إحدى الحانات ، وتعرف إليه ، ونادمه ، ثم اتصل به خارج الحانة ، فاصطحبا على نحو من الصحبة لا نعرف كنهه .
وسنحت للقبطان قاطو فرصة بدا له فيها ان صديقه العربي الاديب . . العربى ، الذى يعمل بالاذاعة العربية فى تونس ، هو أحق من يقترح لشغل منصب محترم في (اذاعة برازافيل)
وانتقل محمد الى برازافيل ولكن إقامته فيها لم تطل اكثر من عام واحد ، وجد بعد : السبيل ممهدة امامه لينتقل راسا إلى " باريس " للعمل فى اذاعتها . وهناك لقى حمامه .
ولا يخلو موت العريبي من غموض ؛ أتراه مات أم انتحر؟
لقد وجد في بيته المتواضع النزل الذي يتخذه مقرا له مسجى على سريره ، وفي جو البيت طبقات كثيفة من الغاز تلبد جو الحجرة ، وصمام " الغاز " ما يزال مفتوحا .
والمعروف عن محمد في باريس انه لا يكاد يصحو . فهل تكون هذه الفعلة من وحي الخمرة ؟ قد تكون ، وقد تكون طبعية ايضا ، ولكن ليس ثمة ما يؤكد انها لم تكن انتحارا مقصودا ، باعثه البرم بالحياة ، والضيق بالعيش المقتر ، والرزق المقدر ، واليأس الدفين ؛ فهو اذن ضحية " من ضحايا النبوغ الباكر " (1) أو الياس الكافر ، او الكاس الزعاف القائل . فمتى تلقى عليه الانوار الكاشفة ؛ وتقال عنه الكلمة العارفة ؟
