الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 208الرجوع إلى "الثقافة"

محمد بن دنيال

Share

قبل أن نعرض للحديث عن هذه الشخصية العظيمة في تاريخ الأدب العربي المصري ، يجب علينا ان نلقي نظرة عامة على هذه الفن الذي نبغ فيه المترجم له ، أعني ( خيال الظل) .

يرجح المتصدرون لدراسة هذا الضرب من الأدب العربي المصري من المستشرقين الألمان وعلي رأسهم ) جورج يعقوب) ، ان الوطن الأصل لهذا الفن هو بلاد الهند . وان اقدم نصوص عرضت له هي تلك التي تسمى في الأدب السنسكريتي ) تبره جانا ( ، أي أغاني الراهبات ، فقد جاء ضمنها حوار لطيف بين إحدي الراهبات البوذيات وبين شخص يراودها عن نفسها ، وفي هذا الحوار يرد ذكر

هذا النوع من التمثيل ، فالراهبة تقول له : ) إنك تندفع أيها الأعمى وتتكائب علي لا شيء ، إنك تتهالك علي شجرة ذهبية رأيتها في حلم جميل ، إنك تجلس مع جموع الناس الفقيرة لمشاهدة خيال الظل ( . ويذكر عالم فلكي هندي يسمى ( اوراها مهيرا ) عاش في القرن السادس الميلادي في كتابة بركة سمعينا ( إن كسوفا سيقع للشمس ، وان

هذا الكسوف سيسبب خسائر كبيرة لطبقات مختلفة من الناس ، منهم اصحاب ( خيال الظل) . وفي غير الهند وسيلان يستطيع العلماء تتبع انتشار هذا الفن في جزائر جاوه وسيام ، وفي الصين ؛ ويرجح هؤلاء الإخصائيون أنه عن طريق الصينيين جاء هذا الفن إلي العالم الإسلامي .

وذلك أن المؤرخ الفارسي رشيد الدين المتوفي عام ١٣٨٨ م يقول في كتابه ) جامع التواريخ ( المحفوظ ضمن مخطوطات دار الكتب في مدينة ) ميونخ ( ، وتحت رقم ٢٠٧ عند ما عرض للحديث عن حاشية ابن جنكيز خان ، ان لاعبين صينيين وكانوا يلعبون خلف ستارة العابا عجيبه ،

وكان من بين الشخوص شخص يمثل رجلا ذا لحية بيضاء على رأسه عمامة شد في ذيل حصان ، فسأل ابن جنكيز خان من يمثل هذا الشخص ؟ فقيل له : أحد الثوار من المسلمين وهو يجلبه الجنود على هذه الصورة من المدن فأمر توقف اللعب ، وطلب إحضار بعض الحلى من الخزانة كما امر ايضا باحضار الكأس المطعم بالاحجار الكريمة ،

والذي يستطيع الشخص شراءه من بغداد أو بخاري ، كذلك الخيول العربية وبعض حلي العرب وجواهرهم الثمينة ، وبعض أدوات الزينة الفاخرة ، كما امر بإحضار ما يقابلها من المصنوعات الصينية الفنية . فلما احضرت الأخيرة وقارنها بالعربية ظهر الفرق الشاسع ، ثم قال :

أفقر عربي يملك الكثيرين من المماليك الصينيين ، بينما لا يملك أحد كبار موظفي الصين أسيرا مسلما واحدا ، وقد يكون هذا لحكمة شاءها الله أراد بها لان يختبر مرتبة الشعوب . كما قدرت فدية المسلم لجنكيز خان بأربعين قطعة من الذهب ، بينما فدية الصيني إذن طويلة ( حمار) ، فكيف يستطيع إنسان رغم هذه الأدلة أن يحتقر الشعوب

الإسلامية ! وبعد ذلك عفا عنهم على ألا يعودوا لمثل هذا العمل ثانيا . فمن هذه القصة التي يرويها صاحب جامع التواريخ يستشهد العلماء على العلاقة الكائنة بين الفنين الصيني والإسلامي من ناحية ، وعلي انتقال ) خيال الظل ( إلي المسلمين من ناحية أخري .

ولعل أقدم اشارة في الأدب العربي إلي هذا الفن ، حسب رواية صاحب كتاب فوات الوفيات ، الجزء الاول ص ٢٤٨ ، طبع بولاق عام صح ١٢٨ ه ، هي تلك التي جاءت في الآبيات الثلاثة المنسوبة لوجيه الدين ضياء بن عبد الكريم الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي . والتي ذكرها الآبشهي في المستطرف باب ) في ذكر الدنيا وأحوالها ، وتقلبها بأهلها ، والزهد فيها ( ؛ وقد شبهها بعضهم ( بخيال الظل ) فقال :

رأيت ) خيال الظل ( أعظم عبرة

                                لمن كان في علم الحقائق راقي

شخوصا وأصوانا يخالف بعضها

                                 لبعض وأشكالا بغير وفاق

تجيء وتمضي بابة بعد بابه

                                وتغني جميعا والمحرك باق

ولم يقتصر ذكر هذا الفن المسرحي على ( فوات الوفيات ) و ( المستطرف) ، بل هناك كثير من المصادر العربية خاصة تلك التي عنيت بمصر ، تاريخها وأدبها ، كابن إياس والمقريزي ، التى تحدثت عنه حديثا فياضا ، ولا سيما بعد أن أصبح هذا الفن حرفة مصرية ، فإن إياس يذكر في تاريخه أنه في عام٨٥٥ ه (١٤٥١ م ). رسم ( جقمق )

السلطان بحرق شخوص ( خيال الظل ) جميعها . وفي موضع آخر يقول ابن إياس : ( اشيع ان السلطان سليم شاه لما كان بالقياس احضر في بعض الليالي ) خيال الظل فلما جلس للفرجة قيل إن المخابل صنع صفة باب زويلة وصفة السلطان طومان باي لما شنق عليها وقطع به الحبل مرتين ، فانشرح ابن عثمان لذلك ، وانعم على المخابل في تلك الليلة بثمانين دينارا ، وخلع عليه قفطانا محملا بالذهب ،

وقال له : ( إذا سافرنا إلي استنبول فامض معنا حتى يتفرج ابني علي ذلك) . ويرجح أن هذا هو أول عهد الأتراك ( بخيال الظل) ، كما أن ذلك العصر كان فاتحة دخول هذا الفن في أوربا عن طريق تونس ، إيطاليا ، ألمانيا ، فرنسا

ثم ابن إياس يفهم ان هذا الفن اصبح في مصر حرفة ، وأصبح في استطاعة ( الخيال ) أن يعبر به عن الأحداث التاريخية ، لكن ليس معني هذا أن عهد المسرح المصري به يرجع إلي ذلك العهد ، فلدينا بعض المسرحيات المصرية التي يرجع تاريخها إلي القرن الثاني عشر الميلادي مثل : ( لعب حرب السودان )  و ( لعب حرب العجم)، ( لعب المركب ) و ( لعب الدير) وأخري وضعت في

القرن الثالث عشر وهي تعتبر احسن ما كتب في هذا الفن ، اعني فن الأدب العربي المصري المسرحي ، وهي ( طيف الخيال) ، و ( عجيب وغريب)، و ( متيم) ؛ وكلها من وضع الأديب المسرحي الشيخ شمس الدين أبي عبد الله

محمد بن دنيال بن عبد الله الخزامي الموصلي المتوفي سنة عشر ( أو إحدي عشرة ) وسبعمائة ه ( ١٣١١ م . ) وكان طبيبا مصريا للعيون ، وشاعرا من اهم الشعراء الذين عرفتهم الكنانة في ذلك العصر ؛ ومن شعره في حرفته :

ياسائل عن حرفتي في الوري                   وضيعتي فيهم وإفلاسى

ما حال من درهم إنفاقه                       يأخذه من أعين الناس

أما مسرحياته فكلها هزلية وهي من مخلفات العصور الوسطى ، وقد وضعها أيام الظاهر بيبرس ( ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م . ) ويرجح أنها ألفت مباشرة بعد عام ١٢٦٧ م كما يتضح لنا ذلك من مقدمة المسرحية الأولى المعروفة ( بطيف الخيال) . أما اللغة التي استخدمها ابن دنيال في تواليفة هذه فهي الشعر والنثر المسجع . ومن حسن الحظ أن المواضيع التي تناولها يتفق معظمها والأحداث

التي يعرضها لنا أحد مؤرخي ذلك العصر كابن إياس أو المقريزي . ففي ( طيف الخيال ) نجد المؤلف يعرض لعصره فيصوره لنا في المقدمة تصويرا يتفقي مع ما ذكره ابن إياس عندما عرض للحديث عن سنة خمس وستين وستمائة ؛ فإبن دنيال يقول : ) لما قدمت من الموصل إلي الديار المصرية في الدولة الظاهرية سقي الله من سحب الإنعام عهدها ،

وأعذب مشارب وردها ، فوجدت مواطن الأنس دارسة وأرباب اللهو والخلاعة غير آنسة ، ومن لذة العيش آيسة ، وهزم أمر السلطان جيش الشيطان ، وتولي الخوان وإلي القاهرة إهراق الخمور وإحراق الحشيش ، وتبديد المزور ، واستتاب العلوق واللواطي ، وحجر البغاة والخواطى وشاعت بذلك الاخبار ووقع الإنكار ، واختفي المسطول في الدار ، وقد اذي الخلاعة غاية الاذية ، وصلب ابن الكازروني

وفي رقبته نباذية (1) فدعاني بعض أصدقائي إلي محله . وأنزلني من عياله وأهله ، واعتذر إلي عن تقصيره في الإكرام ، إذ لم يأتيني بمدام ، وقال قد غلب على ظني ان أباسرة ( الشيطان ) قد مات وعد من الرفات ، فقم بئسا تبكية وتصف الحالة وترثيه ، فابتدأت وقلت في معنى هذه الواقعة التي وقعت :

مات ياقوم شيخنا إبليس          وخلا منه ربعه المانوس

ونعاني حدسي به إذ توفي          ولعمري مماته محدوس

هو لم يكن كما قلت ميتا         لم يغير لأمره ناموس

ومن ثم تري الشاعري يستمر في تصوير إبليس وما حل بأنصاره واعوانه من الخمارين والحشاشين ، كم ينتقل إلي الخليعين والخليعات ، فيقول :

وفتي قائل لقد هان عندي

                         بعد هذا في شربها التجريس

كم خليع بقبول ذا اليوم يوم

                       مثل ما قيل قمطرير عبوس

وقضيب ونرجس وسعاد

                     باكيات وزينب وعروس

ذي تنادي حريفها لوداع

                     لا عناق لا ضم لا تسويس

وهكذا نري الأفق يتسع أمام الشاعر، فيحلق فيه ، ويسجل لنا حياة اللهو والفجور في تلك العصور تصويرا دقيقا رائعا ، ثم يختم قصيدته بقوله .

ارحلوا هذه بلاد عفاف      وسعود الخلاع فيها نحوس

من لنا بعد ذلك الشيخ إلف       وسمير ومؤنس وانيس

لا تري فني ضاحك السن        وكل يبدو له تعييس

وحدث آخر من الأحداث التاريخية التي وقعت أيام الظاهر بيبرس ، ونجد صداها عند ابن دنيال هو وصول الإمام أبي العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسي من بغداد واحتفاء السلطان كما هو مدون في المقريزي ، الجزء الرابع ص ٩٤ وما بعدها ، طبع المليحي ؛ فقد تناول شاعرنا هذا الموضوع وخلعه على شخصية من شخصيات مسرحيته ، أسماها ) الأمير وصال ( يقدمها للنظارة بعد مرتبته لأبي مرة .

فطيف الخيال ينادي : " يا أمير وصال " . فيدخل جندي عليه شربوش ، ) برووي المقريزي أنه يشبه تاجا مثلث الاضلاع ويلبس دون عمامة ( ؛ ويقدم نفسه كالامير وصال ويتحدث عن نفسه وخصاله فهو كالأفعي ، ويلوط أكثر من أبى نواس ، ويصفع أقلاما أكثر من الخباز ، ويفترس أكثر من النار ، ويشرب اكثر من الرمل ؛ وانه اظهر من كوكب ، وأدور من لولب ؛ فيمدحه طيف الخيال

ويقول له ما معناه : من يترك من الآثار مثل ما ترك لن يموت أبدا . ثم يلتفت الأمير وصال بعد أن مدح الأيام الخالية ، وخاطب طيف الخيال ، مكلفا إياه إخبار كاتب سره ( التاج بابوج)( ، فيظهر ( التاج بابوج)( ، ويقبل يد الأمير ، فيكلفه إحضار مكتوب خاص ؛ فينادي ( التاج بابوج) : سركيس ! احضر حافظة الورق وحافظة النقود ،

فيحضرها العبد ، فيقرأ ( بابوج) : بأمر طيف الخيال تقليدا وفيه يعين ( وصال المحبة ) ملكا علي المجانين ، ويمتد ملكه فيشمل خرائب وأكوام مصر العتيقة ، والأهرام وما جاورها من تلال ومقابر وبعد ذلك يقول طيف الخيال

يا شيخ بابوج اين نسخة من القصيدة التي وضعها الشاعر : ( صر بعر)( ١ ) فيخرجها التاج بابوج من جيبة وينشدها ؟ فنجد أن الأمير وصال يريد الزواج ، فيستدعي قواده

معروفة تسمي ( أم رشيد)، فتخبره عن فتاة ، ويرضي بها ، فيحضر العاقد ( المأذون ) ويقرأ خطبة النكاح ، ويتم العقد ، ويتضح بعد ذلك أن الأمير وصالا فقير ، ( مال المال ، وحال الحال ، وذهب الذهب ، وفضت الفضه . وسلب السلب ) في وفي ليلة الزفاف تبين للأمير قبح العروس فغضب وهاج ، وحد الدبوس ، وضرب المواشط ،

والعروس ، وهذه زوج أم رشيد ( الشيخ عفلق ) بالضرب ثم يلتفت طيف الخيال إلي الشيخ عفلق ويقول : إنما تحتاج إلي الطبيب ( بقطينوس ) لأنه في رأينا لا يقل عن جالينوس . ثم يتكلم الأمير وصال مع طيف الخيال ، ويخبره انه لم يبق إلا السفر للحجاز ، لكي يغسل ذنوبه بماء زمزم ، ويزور مقام إبراهيم ، وروضة محمد ، فيختفيا من المسرح

وبذلك تنتهي الرواية أو البابة بلغة ذلك العصر . لكن قبل ان اختم الحديث عن هذه الرواية وانتقل إلي الاثنتين الآخريين اللتين وضعهما ابن دنيال أيضا ، أقرر أنه من حسن حظ العالم ان يملك منها ما لا يقل عن ثلاث مخطوطات في مصر واستنبول والأسكوربال فهذه المسرحيات تشهد حقا للشاعر بالعبقرية ووفرة الثروة

اللغوية ، إلي جانب تبريزه في فني العرض والتمثيل . فإن دنيال يضع أغاني مسرحياته وألحانها ، ويفرض على المحرك للشخوص طريقة العرض وكيفية الأداء . ففي مقدمته لرواية ( طيف الخيال ) نراه بعد البسملة يحدثنا عن الواعز إليه في هذا التأليف فيقول : ( كتبت إلي أيها الآستاذ البديع ، والماجن الخليع ، لا زال سترك رفيعا ،

وحجابك منيعا ، تذكر أن ( خيال الظل ) قد مجنته الأسماع وثبت عنه لتكراره الطباع ؛ وسألتي ان اصنف لك من هذا النمط ، ما يكون بديعا من اشخاص السقط ، قصدني الحياء فيما رمته مني ، ان ترويه عني ، ولكن رايت تمنعي من هذا المرام ، يوهمك انى قاصر عن هذا الاهتمام ، واهن

الفكرة ، عاجز الفطرة عن غزارة الينبوع ، وإجابة الخاطر المطبوع ؛ فجلت في ميدان خلاعتي ، واجبت سؤلك لساعتى ، وصنفت لك من بابات المجون والأدب العالي لا الدون ، ما إذا رسمت شخوصه ، وبوبت مقصوصه وخلوت بالجمع ، وجلوت الستارة بالشمع ، رايت بديع

المثال يفوق بالحقيقة ذلك الخيال ، فإذا دعيت إلي مجلس السرور ، فأخرج طيف الخيال مكان الفور ، " فتحات مستديرة في الستارة " ، واستبد بالنشيد ، وغن في راست بهذا القصيد ( ، وبعد أن ذكر المؤلف النشيد تراه ينتقل إلي ( الريس) ، فيقول له : ( فإذا فرغ الريس من هذا

الإنشاد ، يشرع فيها بني وشاد ، ثم ينادي : يا طيف الخيال ياكامل الاعتدال ؛ فيخرج شخص احدب ، وينقض كالبازي الأشهب ، فيسلم سلام القادم ، ويقف مطرفا كالواجم ، فيرد الرئيس عليه السلام ، ويتلقاه بهذا المديح قبل الكلام) .

وهنا نري ابن دنيال يتمدح بالأحدب والحدبان ، ويتغني بهم وبخصالهم ، وهو يجمع في هذه القصيدة بين الهزل والجد ، فمنها قوله

أم هل يزين المتن إلا ردفه

                                 حسنا فكيف بمن له ردفان

والعود أحدب وهو آلهي مطرب

                                 ولقد سمعت بنغمة العيدان

وكذا سفين البحر لولا حدبة

                                 في ظهره لم يقو للطوفان

ومدبر الأكسير يدعي أحدا

                                 في علمه والقسط بالميزان

وإذا اكتسي الإنسان قبل تمثلا

                                 بالمدح قامت حدبة الإنسان

وبعد أن يفرع الريس من هذا النشيد ، يأخذ في عرض شخوصه .

اشترك في نشرتنا البريدية