علم فى العلم ، عظيم فى الإصلاح ، مخلص فى الجهاد . ذلك هو محمد خليل عبدالخالق الذى فجعت به لجنة التأليف ، وأصيبت فيه مصر فجأة أحوج ما تكون إلى مثله .
كان رحمه الله متعدد نواحى العبقرية . له فى كل ناحية من نواحيها أشياء . لكن الذى عز شبيهه فيه جمعه بين عبقرية العلم ، وعبقرية الإدارة ، وعبقرية الاقتصاد وعبقرية الإصلاح .
كان رحمه الله مصلحا عظيما . نبه الناس إلى خطر الطفيليات على مصر ، وقاد حركة مكافحتها حتى ترعرعت وبلغت من القوة والتنظيم ما هى عليه الآن . أسس قسم الطفيليات ، وأنشأ معهد الأبحاث فى الصحة ، وقام بإدارتهما حقبة من الدهر إلى جنب أعمال أستاذيته فى كلية الطب . فإذا قدر الله لمصر أن ينعم جميع أهلها بالسلامة ، من آفة البلهارسيا والإنكلستوما ؛ فإن لمحمد خليل عبدالخالق فى كل مصرى ينجو أجرآ عند الله من غير أن ينقص من أجر غيره شيئا
وكان رحمه الله إداريا لا يشق له غبار . تجلت مقدرته الفائقة فى الإدارة أول مرة حين تولى السكرتارية العامة لمؤتمر الدولى لأمراض البلاد الحارة وعلم الصحة المنعقد فى ديسمبر سنة ١٩٣٨ احتفالا بمرور مائة عام على تأسيس مدرسة الطب . ونجح ذلك المؤتمر الكبير بفضل سكرتيره العام نجاحا باهرا ؛ فهو الذى أحسن التحضير له ، وأحسن الإشراف على تنظيمه أثناء انعقاده . وعلى إخراج مجموعة أعماله فى عدة مجلدات ضخمة استغرق إخراجها على ما تقتضيه من الدقة والتحري سنوات .
وكان رحمه الله لا يعي بمشكل إن عرض له . حدث أثناء إعداد ذلك المؤتمر الدولى أن أرسلت الدعوة إلى سفارة كبيرة بالبريد خطأ ، إذ يقضى العرف فى مثلها أن يسلم باليد ، واكتشف رحمه الله الغلطة بعد وقوعها بساعات ، وأدرك ما قد تجره على حكومته من أزمة سياسية إذا فسرت على غير وجهها . فماذا تظنه فعل ؟ قام إلى سيارته وأيقظ مدير البريد من نومه وشرح له الأمر وخطره . واهتم المدير بالحادث واسترد الدكتور خليل الخطاب .
وكان رحمه الله لا يجامل ولا يحابى فى الحق ولو أغضب الرؤساء ، وفوت على نفسه بإغضابهم المنافع . كان من بين أعضاء المؤتمر العلمى المذكور آنفا عدد من كبار الأطباء الإنجليز ذوى الألقاب ؛ وأراد بعض أعضاء لجنة التنظيم أن يخصهم بحفاوة بتخصيص سيارة لكل منهم تكون تحت أمره فى التنقل . فعارض الدكتور الفقيد رحمه الله كل المعارضة ، وبين أنه لن ينفذ قرارا كهذا إن اتخذ ، مستندا إلى أن الأعضاء ذوى المكانة العقبة الواحدة سواء ، وان العرف فى إدارة المؤتمرات العلمية فى انجلترا وغير انجلترا يأبى مثل هذا الاستثناء ؛ وأصر على الاكتفاء بما أتخذته إدارة المؤتمر لانتقال كبار الأعضاء من تيسير ركوب الدرجة الأولى فى الاوتوبيس والتزام بالمجان . وليركب من لم يرقه هذا على نفقته الخاصة ما يشاء . وقد كان له رحمه الله ما أراد .
وكان رحمه الله علمي النظرة والتفكير فى الحياة فشخصيته كانت واحدة فى المعمل وخارج المعمل ، يزن الأمور بميزان الحق أيا كان الشأن الذى ينظر فيه . وهى صفة تقل حتى فى العلماء . فقد يكون للعالم شخصيتان : شخصية علمية حين يبحث ، وشخصية نفعية حين يعامل الناس .
وكان رحمه الله لا يفرط فى الحق إن كان له ، بل يطالب بحقه حتى يناله . لكنه ايضا كان لا يطلب ما ليس له بحق . بل لقد كان فى هذه الناحية كريما سخيا يبذل من نفسه لبلده أكثر من أجره الذى كان يأخذ . كان مثلا ينظر إلى إدارته معهد الأبحاث وقسم الطفيليات اللذين أسسا بمصلحة الصحة - أيام كانت مصلحة - كجزء منعم لعمله كأستاذ للطفيليات بكلية الطب ينبغي أن يؤديه بالمجان ، لأن أجره عليه داخل فى مرتبه كأستاذ ، مع أن كلا منهما كان يستنفذ من جهده ووقته غير قليل .
وقد نال رحمه الله ما كانت تصو إليه نفسه من الغني . لا عن طريق الوظيفة ، ولكن عن طريق استعمال مواهبه
فى ميدان الاقتصاد . وهذا جانب من العبقرية قل أن يجتمع مع العلم فى إنسان . وقد حكى هو تاريخ نمو ثروته عاما فعامًا لما نشر سجل حياته الاقتصادية ، جوابا مفحيما على سؤال " من أين لك هذا ؟ " الذى أثارته الخصومة السياسية فى آخر عهد وكالته لوزارة الصحة أول مرة . وفى استطاعته رحمه الله نشر ذلك السجل فى أيام معدودات من اتهام خصومه إياه ، دليل آخر على ناحية اخرى من نواحى عبقريته : ناحية النظام والتنظيم . فكم من الناس حتى ممن عملهم اقتصادي بحث يحتفظ بسجل لتاريخ حياته الاقتصادية منذ بدئها بحيث يستطيع- إذا دعت الحال - أن يرد كل حادثة فيها إلى تاريخ مسجل ومستند معروف ؟
وفى الناس من كان يود له لو ظل أستاذا فى كلية الطب طول حياته ولم يتركها إلي وزارة الصحة ولو كوكيل . لكن قبوله وكالة الصحة أيام وزارة صديقه المرحوم عبدالواحد الوكيل ليشد أزره فى خدمة بلده صحيا أثناء الحرب كان من رحمة الله بهذا البلد ، وقد دفع الله بهما عن مصر وباء الملاريا أن يجتاحها أثناء الحرب لما وفدت بعوضة الجامبيا إليها من أمريكا فى بعض طيارات الحلفاء . وكانت هذه هى حجته التى ألزم بها لجنة الحلفاء الصحية بمصر أن تقدم ما أرادت أن تضمن به من العقار اللازم لمكافحة الوباء ، معتذرة بحاجة الجيوش إليه . وأكبر الظن أنه لو استمر رحمه الله وكيلا للحجر الصحي ولم يعزل عن عمله إلى إدارة معهد الأبحاث لحال دون الكولرا ودخولها مصر ، بإقامة الرقابة الصحية على الطائرات الحربية الوافدة وعلى المعسكرات حول فايد ، كما كان يجاهد لإقامتها فى عهده الأخير .
رحم الله الفقيد وعوض مصر وأهله وإخوانه عنه خيرا وإن عز عن مثله العوض . فقد كان عاملا للعلم وللاصلاح بالعلم ، ثم يكد يكون لصبره على العمل نهاية ، وكان مجاهدا بالحق وللحق . وكان في جهاده الصامت المقتدر آية .

