ألف هذا الكتاب باللغة الفرنسية الدكتور عثمان أمين وكان موضوع رسالته في الدكتوراه وينفرد الكتاب بميزات كثيرة : منها انه الأول من نوعه في موضوعه لان الذين كتبوا عن الأستاذ الإمام حامل لواء النهضة الاصلاحية قليلون جدا . ومنها ان المؤلف يحاول ان يجعل من محمد عبده فيلسوفا ، وللشرق ان يفخر بأنه قد انجب فلاسفة . ومنها انه باللغة الفرنسية حتى يتسى لعلماء أوربا أن يطلعوا على الفكر الشرقي في حقيقته ، لأننا لا نضمن مهما يكن علم المستشرقين ورسوخ قدمهم في الإلمام بديانة الشرق وتاريخة ، ان يحسنوا فهم روح الإسلام ، خالصين من شوائب التعصب والهوي . ولقد كان من العجيب حقا أن يكتب عن فلسفة المسلمين ودينهم وتاريخهم أجانب عنهم . أحسن من كتب عن ابن رشد فيلسوف قرطبة هو رينان ، واوسع من الف عن ان سينا الشيخ الرئيس هو كارادي فو
ومن آيات التقدم والنهوض أن نري مصريين يلحقون بالغربين فيؤلفون الكتب ويعقدون الدراسات التى تمتاز بالأصالة والعمق والنفاذ .
والطريقة في التأليف بديعة والأسلوب أخاذ يري الدكتور عثمان كما قال في خاتمة الكتاب أنه " لكي نحسن تقدير محمد عبده قد استفدنا من جميع المصادر التي يمكن الرجوع إليها ، سواء ما كان منها خاصا بشخصه أم بمعاصريه . وإذا كانت مؤلفات محمد عبده تيسر لنا التعرف على محمد عبده الفيلسوف ورجل الدين والمصلح ، فان رسائله ودروسه واحاديثه تكشف لنا عن محمد عبده الإنسان وهذه هي الأهمية الكبرى ، لان المذهب الصادق ليس مجموعة من المجردات ، بل هو قبل كل شئ
" العمل الأخلاقي " وليس له من قيمة في نظرنا إلا بواسطة الرجل ، وما أضافه الرجل إليه " ..
بهذا الروح الحي عقد الدكتور عثمان فصول كتابه ، فتكلم عن الرجل وفصل سيرته منذ مولده إلي موته ، وتكلم عن الفيلسوف وذكر اراءه في المنطق والنقد والحرية والخير والاجتماع والسياسة ، ثم تكلم عن رجل الدين فشرح وجهة نظره في الإسلام وفلسفة تاريخ الاديان والدفاع عن الإسلام وتفسير القرآن والتصوف . ثم انتقل إلى المصلح وما فعله في الأزهر واللغة العربية . وانتهى إلى الأستاذ ومدرسته في مصر والشرق
هذه الطريقة تجعل من محمد عبده محور البحث بحيث تدور حول شخصه الآراء ، وهذا هو السر في حياة الكتاب
وأكبر الظن أن الدكتور عثمان قد فعل ذلك قصدا ، لأنه يري ان فلسفة محمد عبده في سيرته أكثر منها في آرائه المجردة . ولعله كان متأثرا بسقراط في ذلك ؛ إذ المعروف ان فيلسوف اليونان لم يكتب في حياته شيئا ، ومع ان فلسفته هي التي أخرجت للعالم افلاطون ثم ارسطو ، وهما أعظم شخصييتن في تاريخ الفكر الإنساني
وقد تساءل المؤلف في مستهل الفصل الخاص عن محمد عبده الفيلسوف : اهو فيلسوف حقا ، وهل نجد عنده مذهبا فلسفيا ؟ ثم أورد أقوالا كثيرة لمعاصرين له مثل مستر بلنت وغيره ينعتونه فيها بأنه فيلسوف وانه حكيم الإسلام ، إلى أن قال يدافع عن إثبات الفلسفة لمحمد عبده : إنه لم يكن يرمي إلى تشييد فلسفة صورية أو إلى إحياء المدرسية وهي فلسفة القرون الوسطى التي تزدري بالتجربة ، أو إلى بناء ميتافيزيقا تعيش منطوية على نفسها . على العكس من ذلك اصطنع محمد عبده للفلسفة صورة هي أحدث الصور وأقدمها أيضا ، صورة محبة الحكمة وأداء الفضائل الأخلاقية خلال السلوك في الحياة .
أما أن الفلسفة هي محبة الحكمة ، وكذلك كان القدماء يتصورونها ، فهذا صحيح ولكن دلالها في العصر الحديث مختلف اختلافا كبيرا ، ولم تعد مقصورة علي السيرة الفاضلة ، أو علي العلم الذي يجب ان يؤدى إلى العمل . بل اصبحت تتطلب العلم الواسع بكثير من المعارف لأنها تنشد البحث فيما وراء الطبيعة ، لمعرفة العلل الاولي التي تقصر عن معرفتها العلوم الطبيعية ، وكشف الغايات البعيدة لأن العلم لا يعني بالغايات
وإذا كان ما يقوله الدكتور صحيحا ، فأغلب الناس فلاسفة ، لأنهم يعيشون ولأنهم احياء ، ولان لهم نظرة في الحياة ، ولأن لاكثرهم سيرة فاضلة
ولم يدع محمد عبده نفسه أنه فيلسوف أتي بالجديد ، ولكنه نظر في آراء السلف وحررها من الحواشي التي أثقلتها وجعلتها جامدة ، أو كتبها بشكل جديد يلائم روح العصر . وهو القائل في مقدمة رسالة التوحيد إنه لما دعى إلي تدريس علم التوحيد بالمدرسة السلطانية رأي أن المختصرات في هذا الفن ربما لا تأتي على الغرض من إفادة التلاميذ ، والمطولات تعلو على افهامهم ، والمتوسطات الفت لزمان غير زمانهم " ، ثم نظر فيما كان قد املاءه فإذا هو قريب مما يجب على اختصار فيه مقصود ، ووقوف عند حد من القول محدود ، قد سلك في العقائد مسلك السلف ، ولم يصب في سيرة آراء الخلف ، وبعد عن الخلاف في المذاهب .
وواضح من كلام محمد عبده نفسه أنه كان يحاول تحرير الفكر الإسلامي من عبء التقليد ، وتصفية الآراء الإسلامية من الفاسد ، واستبقاء الصالح . وليس هذا بالعمل اليسير
وأصول الإسلام الثمانية التي ذكرها محمد عبده ونقلها عنه المؤلف ليست جديدة . خذ مثلا المبدأ الثامن وهو التوفيق بين الدين والدنيا ، وان الدنيا سبيل الآخرة ، تجد أنه من المبادئ التي ذكرها كثير من القدماء منهم
الراغب الأصفهاني في كتابه التربية إلي مكارم الشريعة . والمتصوفة وحدهم هم الذين حقروا من شأن الدنيا.
وتختلف مع الدكتور عثمان في تفسير " المصلحة " بمذهب البراجمانزم ؛ فقد قال : " إن الدين الإسلامي بما فيه من براجمانزم يضع مبدأ المصلحة موضع العمل ، لا يتجه فقط إلى الدار الآخرة ، بل إلى ما يطابق مصالح الناس في حياتهم الدنيوية ، وإلى ما يحقق سعادتهم الأخروية
وعند الفقهاء أن المصلحة هي ما طابقت الشرع قال الغزالي في المستصفي أما المصلحة فهي عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة . ولسنا نعنى به ذلك ، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق ، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم . لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع . .
العقل والشرع ، وظاهر القرآن وباطنه ، من المسائل الدقيقة التى كانت موضع خلاف كبير بين المسلمين فمنهم من غلا في التأويل ، ومنهم من اخذ بظاهر الشرع ، ومنهم من وقف موقفا وسطا . ومحمد عبده يجعل الكتاب والسنة أصلين يستفي منهما معرفة الدين ، مع تحكم العقل . وفي ذلك يقول في رسالة التوحيد خاصا بالدين الإسلامي : وما سندي فيما أقول إلا الكتاب والسنة القويمة " وشرح الدين الإسلامي بقوله : " إن الدين الإسلامي الذي جاء محمد ) ص ( وعقله من وعاء عنه من صحابة ومن عاصرهم ، وجري العمل عليه حينا من الزمان بينهم ، بلا خلاف ولا اعتساف في التأويل
وبعد فإن النهضة الحديثة دينية وسياسية واجتماعية إنما ترجع إلي مدرسة الأستاذ الإمام محمد عبده كما هو
مفصل في الباب الأخير من الكتاب سعد زغلول وقاسم امين ، ورشيد رضا ، هم الاعلام الذين ترتكز عليهم النهضة الحديثة .
وتستطيع أن نضيف إليهم من الأحياء الشيخ مصطفي عبد الرازق الذي يجري علي منهج محمد عبده في التحرر من التقليد ، وتصفية الدين الإسلامي من الشوائب والبدع التي أثقلت كاهله زمنا طويلا
لهذا نعتقد أن كتاب الدكتور عثمان يعد سجلا للنهضة الحديثة ، يبصر العاصرين بحكيم الإسلام الذي أخذ بيد الشرق في طريق الخير والتقدم.

