الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

محمد على الكبير، وقراءاته التاريخية

Share

لعل أهم فائدة لعلم التاريخ أنه صورة ودراسة لتجارب الإنسان في عصوره الماضية ، لهذا عرف عن كبار الملوك والأمراء والقادة شغفهم بقراءة التاريخ ، وخاصة تاريخ أندادهم السابقين ، والأمثلة كثيرة لا تعوز الباحث. وسنتخير منها اليوم شخصية محمد على الكبير ، ومدى إهتمامه بقراءة التاريخ ، لتحاول إحصاء الكتب التي قرأها وتبين نوعها ، فقد يكون لهذا البحث فائدة لمن يحاول دراسة شخصية هذا العاهل العظيم ومقوماتها الثقافية . فيما لا شك فيه أن للكتب التي يقرأها أي إنسان أثراً قوياً في تكوين شخصيته ، وتوجيه حياته ، وتكييف أعماله لا يقل عن أثر البيت أو المدرسة ، أو البيئة أو الأصدقاء . . الخ .

عني محمد على بعلم التاريخ عناية كبيرة فقد كان يرى نفسه - وهو منشئ دولة جديدة ، وصاحب سياسية إصلاحية جديدة - في حاجة إلي أن يقرأ ويدرس تراجم أمثاله من القواد والملوك والمصلحين ليفيد من خبرائهم ويتجنب أخطاءهم . وإنا لنرى أنه أفاد من هذه القراءة حقا ، وهذا هو الفارق الكبير بينه وبين القائد العظيم نابليون ؛ كلاهما من أبناء عصر واحد ، ومن غمار الشعب ، وصلا إلي العرش بجهودهما - وخاصة الجهود الحربية - ولكل منهما تاريخ مجيد في الإصلاح الداخلي ، غير أن نابليون لم يقدر قيمة القوة التي وقفت في سبيله ، فلم يعترف بالهزيمة ، فقضت هذه القوة عليه وعلى ملكه . أما محمد علي فقد ناضل حتى أيقن أن لا فائدة من النضال ، فخضع مكرهاً ، وقنع بولاية مصر مضطراً ، وبهذا إحتفظ لنفسه ولأسرته بالملك .

يقول رفاعة بك الطهطاوى في كتابه " مناهج الألباب ": إن محمد على (تعلم القراءة والكتابة في أقرب وقت ، وعمره خمس وأربعون سنة إذ ذاك ، جبراً لما فاته في زمن الصغر وتداركاً لما يزيد في مجده في زمن الكبر ، فرغب في مطالبة التواريخ ، ولا سيها تواريخ الفاتحين : كتاريخ إسكندر الأكبر المقدوني ، وكتاريخ بطرس الأكبر إمبراطور الروس - أي الموسكو - وتاريخ نابليون الأكبر ، وغير ذلك من التواريخ المترجمة إلي التركية ، مع المواظبة على الإطلاع على ما في الكازبطات الأفرنجية التي كانت تترجم له ، وكان صاحب فراسة ، إذا تكلم أمامه أحد بلغة أجنبية فهم من النظر إلي حركاته وإشاراته مقصده يستشير العقلاء والعلماء في جل أموره ...)

ويبدو أنه كان أكثر شغفاً بتاريخ الإسكندر وقراءته يقول رفاعة بك في نفس المرجع : ) ولما كان محمد على يحس من نفسه بأن عزمانه إسكندرية ، كان متولعاً بقراءة تاريخ اسكندر ، ومنكباً عليه ؟ وشبيه الشئ - كما يقال -

منجذب إليه ، وفي الحقيقة كان بينهما من جميل الصفات والشمائل ما شهدت به الشواهد ، ودلت عليه الدلائل ) .

قال محمد علي للدكتور بورنج (Bowring)في حديث له : ) لقد أخبرني الكولونيل دوهامل (C. Duhamel) أنني أصبح رجلاً عظيماً إذا قرأت التاريخ ، وألممت بالألفاظ اللطيفة التي يمكن أن أعثر عليها في الكتب ، ولكنني الآن لست رجل الفاظ ، بل رجل أعمال...)ثم عاد فقال في نفس الحديث : ( لقد نصحني الكولونل أن أدرس التاريخ لأتعلم فن الحكم ، ولكنني وصلت سناً لا تسمح لي بدراسة التاريخ ؛ لقد كتب إلي ولدي يطلب تعليماني عند ما أحاطت ، الصعاب ، غير أنني رأيت أن خير تعليمات هي أن أذهب بنفسي ، وقد سافرت إلي يافا ، وأخضمت الفتنة حالا ، وهذا هو الحكم العملي ) .

هذه هي خطة محمد على في الحكم : العمل لا الكلام ، غير أن تاريخه ينئا بأنه لم يهمل هذه النصيحة ، بل لقد أقبل على كتب التاريخ والتراجم ونظم الحكم بوازع أول من نفسه ، ووازع ثان من هذه النصائح .

وإذ كانت الكتب العربية خالية من الحديث عن تاريخ الدول الأوربية التي يحاول أن ينهج نهجها في الإصلاح ، ومن الحديث عن قواد وملوك الغرب الذين حاول أن يترسم خطاهم ، فقد أمر بأن تترجم له الكتب التاريخية من اللغات العربية والإيطالية والفرنسية إلى لغته الأصلية التركية - أو إلي اللغة العربية - ، فترجمت له كتب في سيرة النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفي تاريخ الإسكندر و نابليون وكاترين ملكة الروسيا ، وترجم له تاريخ إيطاليا ، وتاريخ فرنسا... الخ .. الخ .

وفيما يلي بيان تفصيل بما ترجم له من هذه الكتب ، وقد ترجمها جميعاً موظفون بجيدون الفرنسية - أو الإيطالية  إلى التركية ، وهم مجموعة عجيبة ، فيهم السوري ، واليوناني ، التركي ، وبعض هذه الكتب قد طبع - إما في مطبعة

بولاق في القاهرة ، وإما في مطبعة سراي رأس التين باسكندرية - والبعض الآخر لا يزال مخطوطاً ينتظر من يعني بنشر ، ودراسته :

١ - ترجمة " مظهر التقديس بخروج الفرنسيس" تأليف المؤرخ المصري الكبير، الشيخ عبد الرحمن الجبرتي  ترجمه عن العربية إلي التركية السيد أحمد عاصم أفندي ، وفرغ من ترجمته في غرة ربيع الأول ١٢٢٥(٦ أبريل ١٨١٠ ، ولا يزال هذا الكتاب ( الأصل العربي والترجمة التركية ) مخطوطاً في دار الكتب الملكية بالقاهرة ، تحت رقم ٨٨٥٤ .

٢ - (الأمير في علم التاريخ والسياسة والتدبير ) ، تأليف " مكيافلي " ترجمه عن الأيطالية إلى العربية الأب رغابيل أنطون زاخور راهبة ، ولا تزال نسخته المخطوطة - بخط المترجم (١)- محفوظة في دار الكتب الملكية ، تحت رقم ٤٣٥ تاريخ وقد أمر محمد على كذلك أن تترجم له مقدمة أبن خلدون إلى اللغة التركية ليقارن بينها وبين كتاب الأمير ، وله رأي طريف في تفضيل " المقدمة " على " الأمير " .

٣ - " التلخيصات المتعلقة بتدبير أمور سلطنة الدولة العثمانية " ، تأليف " الأمير فوجه مصطفى بك الكورجه لي " - فاتح بغداد ومن أصحاب السلطان مراد خان الرابع - ألفها وقدمها له حين وقع الأختلال وظهرت الفتن في أوائل سلطنته ؛ ترجمه إلي اللغة العربية عبد الله افندي عزيز بن خليل - الكاتب والمترجم بديوان الخديو باسكندرية - وكتب له مقدمة فى صورة " عرض حال " ، ورفعها إلي محمد على باشا ؛ أتم ترجمته في سنة ١٢٤١ ه (١٨٢٥-١٨٢٦ ) ، ولا يزال هذا

الكتاب مخطوطاً - ومعه الأصل التركي - في دار الكتب الملكية

٤ - " فترينه تاريخي " تأليف المؤرخ الفرنسي كاسترCasteraوهو كتاب في تاريخ الامبراطورة " كاترين الثانية " وبه مقدمة قصيرة عن تاريخ الروسيا ، ترجمه عن الفرنسية إلي التركية "جاكوفاكي أرجيروبولو) الموظف والمترجم بالديوان الخديوي ، وقد طبع في بولاق في جزء واحد ، في سنة ١٢٤٤(١٨٢٩) ، ثم أعيد طبيعة في ظنة ١٣٤٦(١٨٣١) تحت عنوان : " ابكتجي فتربنه" نام روسية اييرا تريجه نك تاريخي " بعد أن راجعه وصححه سعد الله آسدي أفندي

٥ - تاريخ نابليون بونابرته " ، وهو مذكراته التي كتبها بنفسه حين كان منفياً في جزيرة " سانت هيلانة " ترجم عن الفرنسية إلى التركية ، وطبع في بولاق في سنة ١٢٤٧(١٨٣٢) ، ولم أعثر على أسم مترجمه.

٦ - ترجمه سير الحلبي " وهو ترجمة السيرة النبوية الحلبية المشهورة ، ترجمها عن العربية إلى التركية " سعيد أحمد بلم أفندي " وطبعت في بولاق في سنة ١٢٤٨ (١٨٣٨).

٧ - " ترجمة تاريخ دولة إيطاليا " تأليف المؤرخ الإيطالي "بوتا Botta" ترجمه إلي اللغة التركية عبد الله أفندي عزيز بن خليل وحسن أفندي ، الكاتبان بالديوان الخديوي ، وطبع في مطبعة سراي رأس التين باسكندرية سنة ١٢٤٩(١٨٣٤).

٨ - تاريخ نابليون بونابرته ، تأليف الدوق دي روفيجو Duc de Rovigo -ترجمه  عن الفرنسية إلى التركية المترجمان السابقان - عبد الله أفندي وحسن أفندي - وطبع في مطبعة سراي رأس التين باسكندرية في سنة ١٢٤٩(١٨٣٤) .

٩ - (سفارت نامه رفاعة بك ) ، وهو رحلة رفاعة

إلي باريس ، ترجمها إلي التركية - بأمر محمد علي - للولي رستم أفندي بسيم " العرضحالجى " بالدائرة السنية الخديوية وطبع في بولاق سنة ١٢٥٥(١٨٤٠).

١٠ - " شرح قصيدة البروة " ترجمه عن العربية إلي التركية أحمد أفندي مصطفي ، وطبع في بولاق سنة ١٢٥٦ ه ( ١٨٤١ م ) .

هذه هي الكتب التاريخية التي ترجمت في عصر محمد على ، وبأمره ، إلى اللغة التركية ، تبين في وضوح إتجاهه نحو تثقيف نفسه ثقافة تاريخية واسعة ، ونستطيع أن نضيف إليها ما ترجمه (١) خريجو الألسن إلي اللغة العربية من كتب كثيرة في تاريخ أوربا في عصورها المختلفة، وتاريخ فرنسا ، وبطرس الأكبر . . الخ . الخ ، فبما لا شك فيه أن كثيراً من هذه الكتب قد ترجم إجابة لرغبة محمد علي ، وأنها كانت تقرأ له ، أو تعرض عليه فيقرها قبل طبعها .

اشترك في نشرتنا البريدية