الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 410 الرجوع إلى "الثقافة"

محمد على الكبير, وفاروق الكبير

Share

ما قرأت إحصاء لأعظم عظماء العالم إلا ورأيت اسم محمد على الكبير يحتل بينهم مكانا كريما بين أرفع ملوك العالم وعلمائه قدرا ، مع أن مصر حين ترفع ذلك الملك العظيم على عرشها كانت بلدا فقيرا محتل النظام ، لا تزيد قدرا عن أقدار غيرها من أجزاء السلطنة العثمانية ، كان سكانها نحو مليونين من السكان يعيشون فى خطر دائم داهم من الفوضى التى كانت تشيع فى أرجاء البلاد ، يشيعها المماليك والولاة العثمانيون وقادة الجيش العثمانى الذى كان يقيم في البلاد ليحفظ عليها سيادة بلاده ، وكانت ميزانية مصر - إن صح أن تسمى الأموال التي كانت تجنيها الحكومة في غير نظام ولا استقرار وتصرفها بغير قانون ثابت ميزانية - كانت تلك الميزانية لا تبلغ مليونين من الجنيهات .

بلد هذا حاله لا يؤهل الملك الذي يتربع على عرشه لأن يدرج في سجل أعظم عظماء التاريخ ، لولا أن ذلك الملك جعل مدة ملكه مدة انقلاب خطير في شؤون هذا البلد حتى خلق منها دولة قوية نهابها الدول العظمى ، ولولا أنه نهض بأهلها وأرضها نهضة لفتت إليه أنظار المؤرخين . ولست أريد أن أتحدث عن تفاصيل المعجزة التي تمت على يدى محمد علي الكبير فى مصر ، فإن تلك التفاصيل قد استغرق بسطها مجلدات ضخمة ، ولكننى أريد أن أتحدث عن شماع واحد من أشعة ذلك العقل الجبار التي أضاءت كل ناحية من نواحى حياة مصر التى كان يكتنفها الظلام ، ذلك الشعاع هو تفكير محمد على في خزن ماء النهر في مجراء حتى يستعمله في الرى طول السنة .

لم يسبق محمد على إلي هذا العمل الجليل أحد من ملوك مصر من أول فرعون إلى آخر وال من ولاة اسطنبول ، فبقيت أرض مصر تزرع مرة واحدة عقب الفيضان

آلاف السنين : لم يفكر بناة الأهرام في إقامة سدود على النهر يخزن الماء أمامها لينتفعوا به في رى الأرض وزرعها طوال السنة ، ولم يفكر بناة المعابد والكنائس والمساجد من الملوك فى ذلك ، فبقيت أرض مصر كما هي خلال تلك القرون الطوال تزرع مرة واحدة كل عام .

ذلك لأن أولئك الملوك لم يكن مقدرا لهم من الخلود ما قدر لمحمد على الكبير ، وذلك لأن عقولهم لم تهتد إلى ما هداه إليه عقله حين فكر في خزن الماء في مجرى النهر . اختار محمد على مفرق الفرعين ليقيم عنده السد الذى سماه القناطر الخيرية ، هذا الاسم الذي يدل على ما كان محمد على يبنى على خزانه من آمال كبار ، إذ يستطيع أن يزرع أرض الدلتا طوال السنة ، حتى يتمنى له زرع المحاصيل الصيفية والشتوية على السواء . وإذا كان فن البناء لم يسم إلى مستوى تفكيره وقصر عن تحقيق غايته ، فلم تحقق القناطر الخيرية غايته السامية لضعفها من أن تتحمل ضغط الماء ، وإذا كان محمد على الكبير انتقل إلي الرفيق الأعلى قبل أن يرى بعينه ثمرة تفكيره الجبار ، فإن العلم بفن البناء تقدم من بعده حتى استطاع أن يقوى تلك القناطر ، فحجز الماء أمامها وتحولت أرض الدلتا إلى مزارع لا ينقطع عن وجهها الزرع طوال العام . وهكذا تحققت فكرته وجنينا نحن ثمارها

وضع محمد على فكرة خزن الماء في مجري النهر ، وأصبحت الفكرة التى استحال تنفيذها في عهده عملا عاديا ، فأقيمت الخزانات واحدا بعد الآخر ، وحوات أراضى الصعيد ما عدا جزءا بسيطا من أرض حياض إلي أرض كأرض الدلتا تزرع طوال العام ، وما هو إلا أن يبنى خزان جديد بين خزانى إسنا وأصوان حتى يتحول ذلك الجزء الباقى من أرض حياض تزرع مرة واحدة إلى مثل سائر أرض مصر ، أرضا تزرع طوال السنة ، وبذلك تتم المعجزة التى نبتت فكرتها فى ذلك العقل المتوهج الحبار ، وتسير

مصر سيرة عادية بأرضهامن غير تغيير ، الملهم إلا أن تضاف قطع من أطراف الصحراء اللاصقة للأرض الزراعية إلى هذه الأرض ؛ ذلك لأن الخزانات مهما تعددت قدرة محدودة على خزن الماء لا تتعداها ، فلكل خزان سعته من الماء إذا ملئ لا يمكن أن يضاف إليه شئ . ولكن سعة الخزانات إذا قيست بما يأتى به النهر كل عام أيام القبضان من ماء ولا تبلغ شيئا يذكر ، فخزان أصوان وهو أعظمها وأ كثرها أتساعا يتسع لخمسة آلاف مليون من الأمتار المكعبة .

وقد قرأنا أن التصرف اليومى للنهر أثناء الفيضان فى بلاغات وزارة الأشغال التى نذيعها كل يوم - قرأنا أن ذلك التصرف يبلغ ألف مليون من الأمتار المكعبة كل يوم ؛ وإذا فالخزان العظيم يكفى لملئه ما يأتى به النهر فى خمسة أيام أو ستة على أ كثر تقدير . فإذا قدرنا لباقي الخزانات ضعف هذا المقدار أو ثلاثة أمثاله - لأن سعة هذه الخزانات ليست أمامى الآن - كان ما نخزنه من الماء كله لا يزيد عما يأتى به الفيضان في خمسة عشر يوما . وأما باقى الماء ، ومدة الفيضان نحو أربعة أشهر ، فلا تنتفع منه بشيء . لقد فكر محمد على فى حزن ماء النهر في مجراه وهانحن أولاء نقترب من نهاية تحقيق فكرته ، وما يزال لدينا من الماء المضيع ما يحتاج إلى التفكير من جديد

وثمة شئ آخر يجب ألا يغيب عن البال ، وهو أن خزن الماء يبدأ عادة في أواخر الفيضان أما ماء الفيضان فتفتح له أبواب الخزانات ليمر منها مسرعا نحو مصيره الذي ألفه من آلاف السنين - نحو البحر الأبيض .

فكرة تخزين مياه النهر سيطرت على العقول من يوم أن أوجدها عقل ذلك الملك العظيم حتى اليوم ، فلا يدور بحث إلا حولها ، ولا نسمع إلا أحاديث عن خزن الماء في وادى الريان أو إقامة خزان عند بحيرة نانا أو على هذا

الجزء من النهر أو ذاك ، أما شئ آخر عن ماء النهر فلا نسمع .

لقد تقدمت الميكانيكا والكهرباء وأصبح رفع الماء امرا سهلا ، وتقدمت أساليب قطع الصخور حتى أصبح الصخر لا يحسب له حساب عند التفكير في شق طريق أو حفر قتال ؛ وبجانب مجرى النهر جبل يقرب ويبعد ويعلو ويرتفع ، ويلي ذلك الجبل اودية الصحراء الغربية ومنبسطها الذي لا حد لاتساعه ، فلماذا لا يرتقى تفكيرنا من خزن الماء إلى تحويله جاريا كما هو إلى الصحراء ؟ ! سيعترض المشروع تلك التلال ، ولكن ما فائدة العلم إن لم يذلل هذه العقبة ؟ .

لقد زادت أرض مصر المنزرعة بواسطة خزن الماء في مجري النهر من مليونين من الأفدنة تزرع مرة واحدة إلي نحو ستة ملايين تزرع طوال العام ، كل ذلك تم بواسطة السدود التي أقيمت في مجري النهر ، وهي كما قلنا لا تتسع إلا لما يأتي به النهر من ماء في خمسة عشر يوما ، فمادا تكسب مصر من ماء باقى أيام الفيضان إذا حولت ذلك الماء او جزءا منه إلى الصحراء ؟ ! إن الأرض الى تكسبها مصر من تحويل ماء الفيضان إلى الصحراء سوف تجعل الوادي الذي نعيش فيه كالحديقة الصغيرة بجانب المزرعة الواسعة .

لقد وضع محمد على الكبير أساس خزن الماء في النهر وتحويل ارض مصر من أرض حياض إلى أرض تزرع طوال السنة ، وقد قاربت فكرته ان تتم في عهد الفاروق . ونحن نأمل أن يضع الفاروق في عهده أساس فكرة تحويل ماء الفيضان إلى الصحراء بتدفق فيها ألى شاء ، فتتحول الصحراء بما يرسب على وجهها من الطمى وما يستقر في جوفها من الماء إلى أرض تنبت العجب العجاب ، حتى يصبح لمصر بدل الوجهين البحري والقبلى وجه غربى واسع الأرجاء يبدو الوجهان بجانبه كالخال على الخد .

تريد خطوة واحدة نحو تحقيق هذا المشروع . نريد لجنة فنية تذهب إلى أصوان وتبحث مجرى النهر حتى حلفا وتبحث عن أصلح الأمكنة لشق ترعة بين مجرى النهر ومنبسط الصحراء خلف الجبل ، وتريد أن تعدد تلك اللجنة ما واجهها من صعاب وعقبات حتى تتسابق العقول فى تذليلى تلك الصعاب والعقبات ، فإذا بالفكرة تصبح مشروعا وإذا الفيضان ينساب إلى الصحراء بدل أن يغرق فى البحر الأبيض .

قد يقال إن هذا حلم ؟ ولكن أمعن أحلام الإنسان فى الخيال والاستحالة قد تحقق ؛ فبساط الريح إن صح وجوده أيام سليمان يخشى أن يحلق اليوم فى الجو حتى لا تمزق أجنحته الطائرات الحديدية ؛ وقس عليه غيره من أحلام البشرية التي حققها العلم

استحق محمد على لقب( الكبير ) بما أضفى علي بلاده وشعبها من خيرات وبما ثم فى عهده من جليل المشروعات . ولعل أبقاها على الزمن هو تفكيره في رى أرض مصر طوال العام بواسطة خزن الماء في مجرى النهر

ولقد حفل عهد الفاروق بجلائل وعظائم ولكن تحويل ماء الفيضان إلي الصحراء ورفع مساحة أرض مصر من ستة ملايين من الأفدنة إلى عشرات الملايين حين ينطلق ماء الفيضان في تلك الصحارى ؛ هذا العمل الضخم الذى يحيل مصر إلى نيوزيلاندا أخرى لا يعرف أهلها الفقر ، حين تملك كل أسرة من الفلاحين عشرات الأفدنة أو مثانها ، هذا العمل هو الذى سيجعل اسم الفاروق خليفا بأن يضيف إليه التاريخ لقب الكبير كجده

إن المجازقات الضخمة لا يقوم بها أفراد الشعب ، ولكن يقوم بعينها الملوك - فقد حقق كاوميس فكرته بمساعدة ملك ، وزرعت أرض مصر طوال السنة بفكرة ملك . وسيتحول ماء الفيضان إلى الصحراء بنفحة الملك العظيم بإذن الله .

اشترك في نشرتنا البريدية