الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

محمد والتوحيد

Share

إن اردنا ان نلخص الإسلام في كلمة قلنا : " التوحيد " . وإن اردنا ان نوجز عمل النبي ( ص ) من بدء مبعثه إلى يوم وفاته ، قلنا : " العمل على التوحيد " .

وإن اردنا وصف الناس عند دعوته ووصفهم عند أن اسلم روحه لخالقها ، قلنا : إنه تعدد وتفرق لا حد له ، أخذ يزول شيئا فشيئا ، ويتجمع شيئا فشيئا ، حتى حل التوحيد محل التعدد

هذه هي العرب في جزيرتها  يوم تسلمها ، قبائل متعددة لا تربطها رابطة ، لكل قبيلة لغتها ؛ ولكل قبيلة صنمها ، ولكل قبيلة مكانها ومرعاها ، وشيخها وتقاليدها ؛ إن عرفت قبيلة قبيلة اخري فانما تعرفها يوم تغار عليها ، ثم يكون الحرب والقتال والأخذ بالثار ، وكف المغلوب على مضض ، وكف الغالب حتي يستعد للوثبة ، وهكذا غرض الفرد في الحياة أن يأكل ما يجد ، وينهب إذا لم

يجد ، ويقاتل مع أفراد القبيلة إذا قاتلت ؛ وغرض شيخ القبيلة أن ينعم بطيبات المغانم ويرأسها في القتال وغرض القبيلة ان تستعد للوثبة يوم تغير ، والدفاع يوم يغار عليها ! وهذا ملخص حياتها

فماذا فعل الإسلام لتوحيد الكلمة ، وماذا فعل محمد ؟ أسس الإسلام عقيدة عامة يجب أن يعتنقها كل مسلم ، فليس الإله إله قبيلة ، ولكنه رب العالمين ؛ وليس الفخر بالقبيلة ولا بالأنساب ولا بالمال والبنين ، ولكن بالعمل الصالح ، والعمل الصالح هو ما يحسن العلاقة بين الإنسان وربه ، والإنسان والإنسان ، وكل إنسان مسئول عن عمله : " من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " . الغني والفقير سواء ، والقرشي والباهلي سواء ، وبنت محمد وبنت غيره سواء ، والرجل والمرأة سواء ، لا يعبأ الله بقبيلة ولا يعبأ بنسب -لا لات

ولا عزى ، ولا قرابين ولا أوثان ، ولكن لا إله إلا الله ، هو الخالق وهو المحاسب ، وهو الغرض : " فأينما تكونوا فثم وجه الله  - إذن فالفروق بين القبائل لا معنى لها متى اتحد الغرض واستوت الأفراد ، والأصنام التي تميز بين القبائل لامعنى لها لأنها آلهة باطلة ، والاعتزاز بالحسب والنسب والقبيلة لا معنى له لأنه لا يدخل في ميزان الأعمال .

وطبيعي أن تحدث مثل هذه الدعوة اختلافا بينا بين مؤمن بالتعاليم الجديدة وكافر بها . ولكن مهما كان فقد نشأ تطور جديد حتي في الخلاف ، فبعد ان كان الخلاف بين قبيلة وقبيلة اصبح الخلاف بين معتقدين بالدين الجديد ومحافظين على الدين القديم ، وهذه طائفة مهما تعددت قبائلها ، وتلك طائفة مهما تعددت قبائلها ؛ وأعلن رسول الله ان المؤمنين إخوة ، وأن الكفر ملة واحدة . وكان لهذا الخلاف فضل ، إذ جعل جزيرة العرب معسكرين اثنين بعد أن كانت المعسكرات بعدد القبائل

وجدت في الدعوة الإسلامية نقطة ارتكاز ، قوامها الرسول وطائفة معه قليل عددها قوي إيمانها ، تدعو دعوتها في سلام ، وكل وسائل اقناعها الحجة والبرهان ؛ ماذا تغني اللات والعزي ، وما يغني التكاثر بالمال والبنين ، وما الفخر بالنسب إلي نحو ذلك ؟ !

ولكن القوم خرجوا من مقارعة الحجة بالحجة إلي مقارعة الحجة بالسيف ، فالرسول يضطهد ، والمؤمن يعذب والدعوة تكبت .

فلا بد - إذن - من مقابلة القوة بالقوة ، والسيف بالسيف ، والحرب بالحرب ؛ فاتسعت الدائرة ، واصبحت العقيدة الجديدة تحميها القوة المادية بجانب القوة الروحية ، ويتمثل جيشها في المهاجرين والانصار ؛ كما احتمت العقيدة القديمة بالقوة ، وتمثل جشها فى صناديد قريش . ووجد مركزان للقوتين : " المدينة " للمسلمين و مكة للكافرين

إذن لا بد من الدعوة ، ولابد من القوة تحمى الدعوة . وظلت القوتان تتقاتلان نحو عشر سنوات انجلت عن نصرة الإسلام وتوحد جزيرة العرب تحت لوائه ، تدين كلها بدين واحد ، وتؤمن بعقيدة واحدة ، وتخضع لنظام واحد ، ويدوي في أرجائها كلها : لا إله إلا الله .

لم يكن السيف وحده هو القوة الفعالة ، فقد كان سيف اعدائه اقوى من سيفه ، ولا كانت القوة المادية وحدها هي العاملة في هذا التوحيد ، وإنما كانت هناك خطط توضع بعيدة الغرض صحيحة القصد ، تعين على الوصول إلى هذه النتيجة ، فما هي ؟ ؟ .

أول كل ذلك تعاليم الدين نفسه ، فاتحاد الغرض ، وهو إعلاء كلمة الله الذي يتمثل في اتحاد القبلة وتوجه المسلمين كلهم جهة واحدة ، جعلهم قلبا واحدا ، يسعي بذمتهم ادناهم ، وهم يد علي من سواهم ؛ ثم ضم الآخرة إلى الدنيا في الحساب جعل الحياة رخيصة في سبيل المبدأ ، فهو يجاهد بكل قلبه وبكل قوته ، فإن عاش عاش سعيدا ، وإن مات فهو شهيد ، فالتضحية العظيمة في النفس والمال اتحدت مع الأنانية في سعادة باذلها ، فإذا دميت الإصبع قال قائلهم :

ما أنت إلا إصبع دميت      وفي سبيل الله ما لقيت

وإذا ذهب المال قال صاحبه : " إن المال عرض زائل " . وإذا اشرف على الموت في الجهاد تمثل يقول الشاعر :

لبث قليلا يلحق الهيجا حمل      لا بأس بالموت إذا الموت نزل

ثم قيادة حكيمة حازمة رحيمة ، لا تضحي جندها لخيرها ؛ ولكن تضحي نفسها وجندها لعقيدتها ؛ ولا تسخر جيوشها لتجلس على أكداس غنائمها ، وإنما غنائم الجيش له وللمسلمين ، وقائدهم احدهم ثم قوة في القيادة عظيمة علمت عظمتها الجنود كيف يطيعون ولا يختلفون ، فلكل  مركزه كما رسمه القائد الأعلى ، ولو كان عمر في جيش اسامة ،

وكل يؤدي واجبه ولو أمر عليه عبد حبشي كأن رأسه زبيبة

فاتحاد الغرض وحد القلوب ، ووحد بين الرئيس والمرءوس ، ووحد في التضحية بين القائد والجندي ، فأصبحت جزيرة العرب واحدة ، لأن كل شئ في إدارتها كان يرمي إلي التوحيد - الفرص متكافئة لكل رجل ،

ولو كان من أوضع قبيلة ، ليتفوق بحسن عمله ؛ ومن بلال ومن صهيب ، ومن سلمان الفارسي ، لولا تعاليم الإسلام باهدار الدم والجنس والقبيلة ، والمناداة بأن أكرمكم عند الله أتقاكم ؟ !

ليس هناك نظام للطبقات تؤسس على الغنى والفقر ولا طبقات تؤسس على الفروق بين الحاكم والمحكوم ، ولا طبقات تؤسس على الدم والحسب والنسب ؛ بل كل يقوم بعمله ، و رب اشعث اغبر ذي طمرين تنبو عنه اعين الناس لو اقسم على الله لأبره " . وراء المادة روح ،

ووراء العمل قلب ، ووراء الأعمال الظاهرة بواعث نفسية ، وأمام كل مسلم غرض هو إعلاء الحق وكلمة الحق وتطهير النفس وهذا الغرض الواحد امام الجميع  يوحد الأعمال ، وإن اختلفت مظاهرها .

ثم هذا الإسلام ، وهذا محمد ينادي بالأخوة في العقيدة ، ويعمل عليها وينشرها في جو الجزيرة العربية ليستنشقها كل مسلم - إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين اخويكم - المسلم اخو المسلم - المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوي - المؤمن يألف ويؤلف ، ولا  خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، وخير الناس أنفعهم للناس المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه . وهكذا - ومنذ أن ظهر الإسلام ومحمد يؤاخي بين الصحابة ويراعي في ذلك مزاج المتآخيين ؟ وعدم الفروق المالية والقبلية ، فهذا مكن لهم في تعاطفهم وتوحدهم اخوة بين الفرد والفرد ، وبين القبيلة والقبيلة ، وبين الفرد

والحاكم ، وبين الرجل والمرأة ، حتى كادت الاخوة تكون شعار الدين .

ثم القرآن وحد اللغة كما وحد الدين ، فضعفت اللهجات الأخرى غير لهجة قريش ؛ وماجت الجزيرة العربية بأهلها في الحرب وفي السلم ، وكثر تقابلهم وتحادثهم وامتزاجهم ، و كثرت تلوتهم للقرآن والحديث ، فإذا اللغة متحدة أو متقاربة كالدين .

لقد تسلم " محمد " جزيرة العرب وهي " أقطاع " تقتطع كل قبيلة منها قطعة تستقل بها ، وخلفها امة واحدة في دينها وفي لغتها وفي غرضها ، تخضع لنظام واحد وتشريع واحد ، وليس هذا بالأمر اليسير ؟ فتوحيد بلاد الفرس في امة او بلاد الرومان في امة ، ايسر الف مرة من توحيد سكان جزيرة العرب في أمة ، لبعد ما كان بين بعضهم وبعض في الأرض وفي النفس ، ولأنهم لم يخضعوا لنظام سابق ، ولم يمرنوا على الخضوع لحاكم ولا لإطاعة احد غير شيخ القبيلة ، وكل واحد منهم ملك في نفسه معتز بدمه وعصبيته ولغته وإلهه ، فتوحيد اشتات كهؤلاء وجعلهم أمة فيها كل خصائص الأمة معجزة المعجزات ، وصدق الله إذ يقول : " واذ كروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " .

وقد اعلن ) محمد ( في خطبته في حجة الوداع الاسس التى بني عليها توحيد العقيدة ، وتوحيد الجزيرة ، وكيف وصل إلي الغرض ، ففيها :

" أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " . " إن دماء كم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم " . " فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلي من ائتمنه عليها " " إنما المؤمنون إخوة ، ولا يحل لامريء مال اخيه إلا عن طيب نفس منه " .

" إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لادم وادم من تراب ، أكرمكم عند الله أتقاكم " .

اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا " . هذه هي وحدة العقيدة ، وهذه هي الأخوة ! ثم أعلن هدم نظام الطبقات من اساسه ، فلا ربا ، لانه يساعد على نظام طبقات من غني وفقير ؛ ولا فخر بحسب ، لانه يعين على تأسيس طبقات على أساس الدم ، فقال :

" إن ربا الجاهلية موضوع ، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . " وإن مأثر الجاهلية موضوعة ، غير السدانة والسقاية " ثم أشاد بهذا النظام الذي اسس على هذه المبادئ وأوجب التمسك به : " لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، فقد تركت فيكم ما إن اخذتم  به  لن تضلوا بعده " .

" إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه " . فالتوحيد أول كلمة في الإسلام وآخرها ، وأول عمل من أعمال الرسول وآخره .

لقد رعي الإسلام أن يوحد العالم بعد ان وحد جزيرة العرب ، وما الذي يمنع من ذلك ؟ إن رب العرب رب العالمين ، ورب السماء والأرض ورب الطبيعة كلها - فلو عبد الناس كلهم ربهم الحق لتوحدوا في العقيدة ، واصبح العالم وحدة ، وما يمنع الناس أن يؤمنوا بهذه العقيدة إلا دين انحرف عن القصد ، وربانيون تجار ، وملوك يحتفظون بملكهم ، فيجارون شعور شعبهم وسلطة ربانيهم

إن الإسلام مرتبط بالطبيعة أشد ارتباط ، يذكر دائما بالنظر إليها والعبرة فيها والأستدلال منها على خالقها فيدعو إلى التفكير في السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، والأرض كيف سطحت ، والسحاب المسخر بين

السماء والأرض ، والشمس والقمر يتعاقبان ، والبحار والأنهار تجري بأمره ، فماذا يحول بين الناس وبين خالقهم في كل بقعة من بقاع الأرض ان يفكروا فيعبدوا الله وحده خالق هذا الكون ومبدعه ؟ اقرءوا إن شئتم : " والشمس وضحاها ، والقمر إذا تلاها ، والنهار إذا جلاها ، والليل إذا يغشاها "

ثم هذا الإسلام يؤمن بكل ما آتي به الأنبياء من قبل ، من آدم إلي عيسي ، ويعظمهم ويمجدهم ، ويرى انهم رسل كمحمد ، وان الله الذي ارسله ارسلهم ، وان دعوته ودعوتهم واحدة عمادها التوحيد وعدم الشرك ، ومن آمن بدعوتهم صحيحة كان كمن آمن بدعوة محمد : " ولقد أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " إن الذين هادوا والنصاري والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ، ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون .

فالأساس واحد كما أن إله الجميع واحد ، وما فرق بين الناس إلا الأغراض والشهوات ، وحب الدنيا وحب الرياسة : " وما كان الناس إلا امة واحدة فاختلفوا " فلم لا يزول هذا الخلاف في العقيدة ، وتتحد عقيدتهم كما توحد خالقهم

هذا جانب العقيدة . أما الجانب العملي في الحياة فكذلك ؛ اليس من الخير ان يسود الناس العدل فلا يكون ظلم ، ويعلى شأن الفرد فلا تكون عبودية ، وتكون الحكومة للفرد لا الفرد للحكومة ، ويسوي بين الناس ، فلا يقوم الرجل إلا بعمله ؟ ! فما بال من حول جزيرة العرب من فرس وروم واحباش تسوء حالة رعاياهم ، فغني مفرط بجانب فقر مفرط ، وإسراف حكام في الملاهي والملذات على حساب الشعوب ، وطبقات عالية تستولي على الخيرات ولا تترك للطبقة الدنيا إلا الفتات

ما بال العالم لا تتوحد قواعده الأساسية في الحكم كما تتوحد في العقيدة ، فيكون عدل مطلق ، وحرمة للرعية

دقيقة ، وأمن شامل ، ونظام شامل ، وأخوة شاملة ؛ وإهدار للجنسية ، فلا عرب ولا روم ، ولا فرس ولا احباش ، ولكن خلق الله يتآخون افرادا ويتآخون أمما ، وتحل الإنسانية محل الجنسية ، وعبادة الله الحق وحده محل الآلهة المصطنعة المتعددة ، فيكون توحيد في العقيدة ، وتوحيد في العمل ، وتعاون في العالم ؟ !

على هذا الأساس أرسل محمد ) ص ( كتبه إلي ملوك العصر المجاورين للجزيرة : هرقل عظيم الروم في الشام ، والمقوقس في مصر ، و كسرى  في فارس ، والنجاشى في الحبشة ، يدعوهم إلى التوحيد ، فإذا وحدوا توحد العالم .

يقول في هذه الكتب التي ارسلها للنصاري منهم قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله " .

ففي العقيدة الأولى الدعوة إلي الوحدانية ، وفي الثانية الأخوة وعدم الطبقات . ثم في كل الكتب يحمل الملوك تبعة الرعية ، ففي استطاعتهم قبول الدعوة ، وإذا رفضت فالأثم عليهم لأنهم يبغون حظ أنفسهم ففي كتابه إلي هرقل : " فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسين ) ١ " وفي كتابه إلى المقوقس : " فإن توليت فعليك إثم  القبط " وفي كتابه إلي كسري : " فإن أبيت فإنما إثم المجوس عليك "

ولكن أني يلبي هؤلاء الملوك الدعوة ومقياس الأشياء عندهم المظهر لا المخبر ، فكيف يجرؤ عربي بدوي في الصحراء ملتف بإزاره ان يدعو من يغرق في الترف ، وينعم في الحضارة ، ويرفل في الدمقس وفي الحرير ، ويسير في الجنود والبنود ، ويرث الروم في مدنيتهم ، او الفرس في عظمتهم وفخفختهم ؟ ! بل كيف يلبون الدعوة ، وهي تدعو إلى إزالة الفوارق

ومساواة السيد بالعبد ، والراعي بالرعية ، والحاكم بالمحكوم ، وتلغي الطبقات وهي عماد الدولة في نظامها وتشريعها وماليتها وكل شئ فيها ؟ !

لا ! لا ! مزقوا الدعوة احتقارا ، أو ردوا الرسول محملا ببعض الهدايا استخفافا

وهكذا صدوا عن أسمى فكرة ، وهي التوحيد في العقيدة والعمل ، ولصقوا بالتقاليد في التعديد في العقيدة والعمل فلما لقي محمد ربه ، نفذ بعض الخطة خلفاؤه

أما بعد ؛ فلا يصلح آخر الدين إلا بما صلح به أوله ، كان التوحيد هو الأساس ولا يزال هو الإصلاح . كل تعاليم الإسلام باقية ، ولكن فقدت روحها ، واحتفظت بجسمها ولكن ضعفت حرارة قلبها - قد كانت عقيدة " لا إله إلا الله " تعنى توحيد المعبود ، فأصبحت الآلهة متعددة عملا ، وإن لفظ التوحيد لفظا ؛ فالمال معبود ، والسلطان معبود ، والشهوة معبودة ، والدنيا معبودة ،

فلا بد أن تكسر هذه الأصنام آخرا  كما كسرت أولا - وكان هناك توحيد فى العمل ، فالقيادة واحدة ، والنظام واحد ، والرأي - بعد الشوري - واحد ، فإذا كل رأس رأس   قائد ، وكل متكلم زعيم ، وكل زعيم مستبد ، وحب الشهوة يلعب ، والآنانية تلعب ، والدسائس للتفريق تلعب ؛ وكان في الإسلام أخوة تبعث الحب ، والحب يوثق الصلة ، فإذا العداوة في كل جو ترضع مع اللبن ، وتتنفس مع الهواء ؛ ولم تكن هناك طبقات فتعددت الطبقات من كل جنس ، على أساس الدم والمال والمنصب والسياسة ؛ وعلى الجملة ،

فكل دعوة إلى التوحيد تقابل بألف مشكلة من انصار التعديد ، وكل تعديد فرقة ، وكل فرقة ضعف ، وكل ضعيف عرضة لان يلتهم ، ولا عظة بالتاريخ ، ولا عبرة من

أحداث الزمان ، فيالله للمسلمين

اشترك في نشرتنا البريدية