أريد من هذه الكلمة أن تكون ملحقا لكتابى الذى أصدرته عن الأستاذ محمود تيمور فى " ديسمبر " الماضى ، ملحقا يكمله ويوضع ناحية منه لم تلق عليها دراستى الضوء الكافى .
فلقد كانت السمة الغالية على تيمور ، كما صورته إذ ذاك سمة النفس الهادئة اللينة ، الململمة على ذاتها تجتنب الشر وتخشى العاصفة ، وكانت هذه الملاحظة - وهى ملاحظة فحسب - لا مدح فيها ولا ذم - تستند على لمحات فى أقاصيصه ، أو فكرة عابرة فى مقالة له . أما كتابه الأخير(1) فهو زاخر بالمادة لمن يريد إذ يحلل تيمور أن يؤكد هذه الناحية من نفسه . ولكنه ، من وجهة أخرى ، خصب مما يسهل معه أن نثبت العكس ، وأن نبرهن أن لدى تيمور استعداد الرجل العملى المغامر ، الثائر بالأوضاع الغائمة ، والذى يرى فى الرياضة ، فى الحركة ، أقوى مظاهر الشخصية وأدناها إلى الحياة الحقة . وليس هذا بعبث أطفال ولا هو ألفاظ نلهو بتقليبها كما نريد . فالواقع أن فى تيمور هذين الشخصين فى آن واحد ، فإنه فنان : يعيش فى حياته الهادئة الحلم اللين ، ويعيش فى أحلامه الراغبة الحياة الصاخبة . ولقد وجد تيمور ، تيمور وحده ، وجد أخيرا " الصيغة " التى يجمع فيها نفسه ويرمز بها إلي طبيعته : فهو ، كما يسمى كتابه عطر ودخان . هو " عطر " فيه من الفن رائحة المرأة ، الأنثى التى يمثل الرجل لديها القدر ، فهى طيعة ترتضى حكمه . ولكنه ، من حين إلى حين ، يثور بهذا القدر الذي يضطره إلى اللين ويحبسه
على سلبية الفن ، فاذا هو ط دخان " تبتعثه النار وتخلقه نزوات المحارب . فأنت لا تكاد ترى لتيمور مقالة يمجد فيها " الرجعية الحميدة " أو يدعو فيها إلى أن نتقبل دنيانا " كما هى بخيرها وشرها " تحيا فيها كما شاءت لنا " مسوقين بنيارها الجارف " حتى نقرأ له إلى جانبها رسالة ينادى فيها بالعصيان على التقاليد ، واجدا فى هذا العصيان " سر الحياة كله " وتراه لا يكاد يعجب بدنيا المرأة المعتزلة ، ويمجد " النوافذ المقفلة " التى تحجبها وراءها ، حتى ينتقل بك إلى الشاطىء فيتغزل بالمرأة المتنزهة هناك فى لبوس البحر ، ترفه يمر بها عن " ذلك المارد الضخم الذى سجنته فى قمقم من تلافيف عقلها الباطن " .
وإذا كانت هذه " المتناقضات " كثيرة فيما أنتج تيمور ، وبخاصة فى كتابه الأخير ، لأنه مجموعة من المقالات كتبت فى أوقات مختلفة ، فانما هى ضرب من الأزدواج الظاهرى يخفى وراءه الانسجام الكامل . ولقد أصبح مبتذلا أن تررد أن " حياة الحلم " تكملة ضرورية لحياة الواقع ، مناقضة لها بالضرورة ، وأن الإنسان فطر على ضرب من الحسد الحميد يجعله ساخطا فى الغالب على عيشه ، تواقا فى الغالب إلى حياة الآخرين . . .
هذا الأزدواج الطبيعى يصوره " عطر ودخان " خير تصوير فأدب المقالة هنا يهيىء لتيمور الهمزة التى كانت تعوزه فى مجال القصة ، وإذا كانت المقالة أقل الفنون الأدبية شأنا فى آداب الناس ، لأنها عمل فكرى وفى لا يقتضى الجهد الممطول والعمل المرهق ، فان النجاح فيها ليس دائما بالأمر السهل ، وليس كل أديب يستطيع أن يقدم للناس المادة الدسمة فى المدى الضيق . ولهذا نحمد لتيمور كثيرا من المقالات التى يضمها كتابه الجديد . وأنا أنصحك أن تعنى بقراءة رسائل " عزوز " والصور
الوصفية الأربع التى ينتهى بها الكتاب ، فلن تلبث أن ترى فى بساطة هذا الفن التيمورى مدرسة لا يصح إهمالها .
ومن الطريف أن هؤلاء الفنانين ، الثائرين أبدا على القانون ، هم أبدا أول من يفرض قانونه على الناس . فأنت ستخرج من قراءة " عطر ودخان " ، وفى نفسك شعور خفى بأن تيمور يريد أن يجعل من المرأة مشكلة الحياة الكبرى ، والمحور الذى يدور عليه الكون ، فكل ما على الأرض فروع من هذه الشجرة ، تحمل صفاتها
مصغرة أو مشوهة . وهذا " القانون " المصنوع ، المائع فى أثواب تزعم الثبات ، يهيىء لتيمور مقارنات ومشابهات طريقة تسمو بأسلوبه ، لفظية فى أكثرها ولكنها عميقة الدلالة على القصد . وسنتهى منها جميعا ، مع تيمور ، إلى هذه النتيجة المحتومة المرضية : وهى أن نجمع الحياة كلها ف عطف قانون وحيد ، ثابت كالدستور فى بناء الأمة ، وهو قانون الازدواج وتلاقى العطر والدخان فى حنايا القمقم الواحد .

