وأخيرا أراد الله وسمحت الظروف فأشرق علينا ذلك القلم الموهوب قلم الفيلسوف الأديب الدكتور زكى نجيب محمود ، بإحدى مقالاته الشائقة بعد احتجاب دام خمسين يوما ، استكان فيها هذا القلم واستسلم للقدر المحتوم الذى لا مفر منه . لكن هذا القلم المحبوب قد جرى بما آثار فى النفس شجونا .
فى مثل هذه الأيام من كل عام تجد أقلام مئات من زملاء الدكتور الفاضل فى الجامعات المصرية ، بل وأقلام آلاف من شركاته فى مهنته الشريفة بمراحل التعليم الأخرى ، تجند هذه الأقلام وتلك فى سلسلة أعمال شاقة ، من وضع امتحانات وطبعها ، ثم تصحيح إجاباتها ، وتقدير درجاتها . واستخراج نتائجها . تظل هذه الأقلام تعمل جاهدة على تسجيل وتنفيذ ما يدور فى هذه الأدمغة الفنية المفكرة أسابيع طوالا ، وهى فى ذلك مطالبة بأعظم دقة وأقصى سرعة . مجهود شاق فى عمل جدى أقل ما يوصف به أنه عنصر هام فى تقرير مصار شباب الامة ومستقبل كل منهم . كما قد يوصف بأنه يقرر المستقبل القريب للأمة نفسها على يد قادتها وحكامها من هؤلاء ، الشبان أنفسهم بعد ربع قرن أو أقل قليلا أو أكثر قليلا .
يتفانى الأستاذ فى وضع امتحان فى مادته متقن غاية الإتقان لقياس مواهب الطالب وتحصيله فى هذه الناحية . ثم يقوم الطالب بالإجابة على هذا الامتحان ، فيتسلم الأستاذ إجابته ويسهر على تصحيحها تصحيحا دقيقا غاية الدقة . يخرج منه الطالب بدرجة معينة أو تقدير خاص . وهكذا الحال مع كل واحد من زملائه الأساتذة الآخرين ، كل يعمل جادا فى ناحيته لتقدير مستوى الطالب فى مادته . ثم تضم هذه التقديرات بعضها إلى بعض وفقا لنظام خاص يتفاوت فى
الأماكن المتفاوتة ، كما يختلف غالبا فى الأزمنة المختلفة . يسفر هذا الضم عن تقدير عام للطالب ، فإذا هو راسب أو ناجح . وللرسوب درجات مختلفة ، كما أن للنجاح طبقات متباينة .
يخط الأستاذ على ورقة الطالب تقديرا يكون بمثابة حكم عليه . هذا الحكم ، إن جاء فى غير صالحه ، قابل للاستئناف الذى ينظر ويصدر الحكم فيه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر فى امتحان الدور الثانى . وحكم الاستئناف ، إن جاء مرة أخرى فى غير صالح الطالب ، أمكن نقضه بعد سنة دراسية أخرى .
ولكن هل هذا الأستاذ بعد كل هذا الإتقان فى وضع الأسئلة وهذه الدقة فى تصحيح الإجابات ، هل هو راض كل الرضا ، مرتاح كل الارتياح إلى حكمه النهائى ؟ لا أظن ذلك
الامتحانات فى الواقع كلها غموض فى غموض . وقد لا أعدو الحقيقة إذا قلت إنها غامضة على الأستاذ مثلما هى غامضة على الطالب . فالأستاذ لا يدرى شيئا عن الظروف المتعددة التى تحكمت فى إجابة الطالب بجانب استعداده الطبيعى ومدى تحصيله . فهو لا يعرف شيئا عن صحة الطالب يوم الامتحان ولا قبيله . وهو لا يعرف شيئا عن الحالة النفسية للطالب يوم الامتحان أو قبيله . وهو بالاختصار لا يعرف شيئا عن هذه الأمور ولا الكثير من امثالها مما له أثر كبير ، من قريب أو من بعيد ، على إجابة التلميذ التى عليها يتوقف هذا الحكم الذى يصدر له أو عليه .
ألا يحدث كثيرا أن يرسب تلميذ كان الجميع يتوقعون نجاحه ، أو ينجح آخر كان الكل ينتظرون رسوبه ؟ وكثيرا ما يكون الأستاذ نفسه فى الحالين بين المدهوشين
لهذه النتيجة . أيصح مع هذا أن يقال إن الامتحان مقياس عادل دقيق يعتمد عليه ؟ .
ثم إن الامتحان فيه غموض من ناحية أخرى هامة . فماذا يقصد الأستاذ عند ما يضع على ورقة الطالب ٧ - ضعيف ، أو ١٤ - جيد ، أو ١٩ - ممتاز ، وهى درجات مقدرة من عشرين ؟ هل هو يعنى بذلك أن الطالب الضعيف قد قام بتحصيل سبعة أجزاء فقط من عشرين جزءا مما قام الأستاذ بتدريسه لهم طول العام ، والطالب الجيد قد استوعب أربعة عشر جزءا من عشرين جزءا ، أى ضعف الطالب السابق ، والطالب الممتاز قد هضم مما درسه تسعة عشر جزءا ، أى أنه لم يفته أكثر من جزء واحد من عشرين جزءا من المنهج أي ما يعادل خمسة فى المائة منه فقط ؟ أم هل يعنى الأستاذ بتقديراته هذه أننا إذا قمنا بترتيب الطلبة فى هذه المجموعة ترتيبا تصاعديا من الضعيف إلى القوى ، فإن الطالب الضعيف الذى حصل على سبعة يكون ترتيبه بالنسبة إلى المجموعة السابع إن كان بالمجموعة عشرون طالبا ، أو الرابع عشر إن كان بها أربعون ، أو الخامس والثلاثون إن كان بها مائة . وهل هو يعنى إذا أن الطالب الممتاز الحاصل على تسع عشرة درجة لا يوجد فى مجموعته من يفوقه فى هذه المادة سوى خمسة فى المائة منها ؟ هل الأستاذ يعنى بتقديراته هذا أو ذاك أو شيئا آخر يختلف كل الاختلاف عن هذا وعن ذاك ؟ .
أغلب الظن أن هذه التقديرات تعنى شيئا آخر قد لا يمت إلى هذا أو إلى ذاك بصلة من قريب أو من بعيد ، إن الأستاذ عند ما يقوم بتصحيح الامتحان تكون فى ذهنه إجابة نموذجية له بصورة صريحة او متضمنة ، وهو يقيس إجابة كل طالب بهذه الإجابة النموذجية شعوريا أو لا شعوريا . فإن وافقتها تمام الموافقة حصل الطالب على الدرجة كاملة ، وإن وافقتها نصف موافقة بالضبط حصل الطالب على نصف الدرجة بالضبط ، وهكذا . فالامتحان لا يقيس مقدرة الطالب الحقيقية إلا على قدر شموله النقط الهامة بالمنهج وحسن إلمامه بها .
ليس هذا كل ما يمكن أن يقال عن الامتحانات ، بل هناك الكثير والكثير جدا . ومجمل هذا كله أن الامتحانات قليلة المزايا كثيرة العيوب . ولكن بالرغم من ذلك فإنه لا يمكننا الاستغناء عنها ، فهى حتى الآن الوسيلة الوحيدة لتقدير القيمة العلمية للطالب . وإلى أن نوفق إلى وسيلة أخرى لذلك تكون أقل عيوبا وأكثر مزايا ، علينا أن نبرر هذا الأسلوب العتيق ، أسلوب الامتحان . فإذا طعن فى الامتحان بأنه يتأثر إلى حد كبير بعاملى الحظ والمصادفة ، فما أسهل أن نجيب : " وأى شأن من شئون الحياة لا يتأثر إلى حد كبير بعاملى الحظ والمصادفة ؟ .

