الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 604 الرجوع إلى "الثقافة"

محنة الامتحان

Share

وأخيرا أراد الله وسمحت الظروف فأشرق علينا ذلك القلم الموهوب قلم الفيلسوف الأديب الدكتور زكى نجيب محمود ، بإحدى مقالاته الشائقة بعد احتجاب دام خمسين يوما ، استكان فيها هذا القلم واستسلم للقدر المحتوم الذى لا مفر منه . لكن هذا القلم المحبوب قد جرى بما آثار فى النفس شجونا .

فى مثل هذه الأيام من كل عام تجد أقلام مئات من زملاء الدكتور الفاضل فى الجامعات المصرية ، بل وأقلام آلاف من شركاته فى مهنته الشريفة بمراحل التعليم الأخرى ، تجند هذه الأقلام وتلك فى سلسلة أعمال شاقة ، من وضع امتحانات وطبعها ، ثم تصحيح إجاباتها ، وتقدير درجاتها . واستخراج نتائجها . تظل هذه الأقلام تعمل جاهدة على تسجيل وتنفيذ ما يدور فى هذه الأدمغة الفنية المفكرة أسابيع طوالا ، وهى فى ذلك مطالبة بأعظم دقة وأقصى سرعة . مجهود شاق فى عمل جدى أقل ما يوصف به أنه عنصر هام فى تقرير مصار شباب الامة ومستقبل كل منهم . كما قد يوصف بأنه يقرر المستقبل القريب للأمة نفسها على يد قادتها وحكامها من هؤلاء ، الشبان أنفسهم بعد ربع قرن أو أقل قليلا أو أكثر قليلا .

يتفانى الأستاذ فى وضع امتحان فى مادته متقن غاية الإتقان لقياس مواهب الطالب وتحصيله فى هذه الناحية . ثم يقوم الطالب بالإجابة على هذا الامتحان ، فيتسلم الأستاذ إجابته ويسهر على تصحيحها تصحيحا دقيقا غاية الدقة . يخرج منه الطالب بدرجة معينة أو تقدير خاص . وهكذا الحال مع كل واحد من زملائه الأساتذة الآخرين ، كل يعمل جادا فى ناحيته لتقدير مستوى الطالب فى مادته . ثم تضم هذه التقديرات بعضها إلى بعض وفقا لنظام خاص يتفاوت فى

الأماكن المتفاوتة ، كما يختلف غالبا فى الأزمنة المختلفة . يسفر هذا الضم عن تقدير عام للطالب ، فإذا هو راسب أو ناجح . وللرسوب درجات مختلفة ، كما أن للنجاح طبقات متباينة .

يخط الأستاذ على ورقة الطالب تقديرا يكون بمثابة حكم عليه . هذا الحكم ، إن جاء فى غير صالحه ، قابل للاستئناف الذى ينظر ويصدر الحكم فيه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر فى امتحان الدور الثانى . وحكم الاستئناف ، إن جاء مرة أخرى فى غير صالح الطالب ، أمكن نقضه بعد سنة دراسية أخرى .

ولكن هل هذا الأستاذ بعد كل هذا الإتقان فى وضع الأسئلة وهذه الدقة فى تصحيح الإجابات ، هل هو راض كل الرضا ، مرتاح كل الارتياح إلى حكمه النهائى ؟ لا أظن ذلك

الامتحانات فى الواقع كلها غموض فى غموض . وقد لا أعدو الحقيقة إذا قلت إنها غامضة على الأستاذ مثلما هى غامضة على الطالب . فالأستاذ لا يدرى شيئا عن الظروف المتعددة التى تحكمت فى إجابة الطالب بجانب استعداده الطبيعى ومدى تحصيله . فهو لا يعرف شيئا عن صحة الطالب يوم الامتحان ولا قبيله . وهو لا يعرف شيئا عن الحالة النفسية للطالب يوم الامتحان أو قبيله . وهو بالاختصار لا يعرف شيئا عن هذه الأمور ولا الكثير من امثالها مما له أثر كبير ، من قريب أو من بعيد ، على إجابة التلميذ التى عليها يتوقف هذا الحكم الذى يصدر له أو عليه .

ألا يحدث كثيرا أن يرسب تلميذ كان الجميع يتوقعون نجاحه ، أو ينجح آخر كان الكل ينتظرون رسوبه ؟ وكثيرا ما يكون الأستاذ نفسه فى الحالين بين المدهوشين

لهذه النتيجة . أيصح مع هذا أن يقال إن الامتحان مقياس عادل دقيق يعتمد عليه ؟ .

ثم إن الامتحان فيه غموض من ناحية أخرى هامة . فماذا يقصد الأستاذ عند ما يضع على ورقة الطالب ٧ - ضعيف ، أو ١٤ - جيد ، أو ١٩ - ممتاز ، وهى درجات مقدرة من عشرين ؟ هل هو يعنى بذلك أن الطالب الضعيف قد قام بتحصيل سبعة أجزاء فقط من عشرين جزءا مما قام الأستاذ بتدريسه لهم طول العام ، والطالب الجيد قد استوعب أربعة عشر جزءا من عشرين جزءا ، أى ضعف الطالب السابق ، والطالب الممتاز قد هضم مما درسه تسعة عشر جزءا ، أى أنه لم يفته أكثر من جزء واحد من عشرين جزءا من المنهج أي ما يعادل خمسة فى المائة منه فقط ؟ أم هل يعنى الأستاذ بتقديراته هذه أننا إذا قمنا بترتيب الطلبة فى هذه المجموعة ترتيبا تصاعديا من الضعيف إلى القوى ، فإن الطالب الضعيف الذى حصل على سبعة يكون ترتيبه بالنسبة إلى المجموعة السابع إن كان بالمجموعة عشرون طالبا ، أو الرابع عشر إن كان بها أربعون ، أو الخامس والثلاثون إن كان بها مائة . وهل هو يعنى إذا أن الطالب الممتاز الحاصل على تسع عشرة درجة لا يوجد فى مجموعته من يفوقه فى هذه المادة سوى خمسة فى المائة منها ؟ هل الأستاذ يعنى بتقديراته هذا أو ذاك أو شيئا آخر يختلف كل الاختلاف عن هذا وعن ذاك ؟ .

أغلب الظن أن هذه التقديرات تعنى شيئا آخر قد لا يمت إلى هذا أو إلى ذاك بصلة من قريب أو من بعيد ، إن الأستاذ عند ما يقوم بتصحيح الامتحان تكون فى ذهنه إجابة نموذجية له بصورة صريحة او متضمنة ، وهو يقيس إجابة كل طالب بهذه الإجابة النموذجية شعوريا أو لا شعوريا . فإن وافقتها تمام الموافقة حصل الطالب على الدرجة كاملة ، وإن وافقتها نصف موافقة بالضبط حصل الطالب على نصف الدرجة بالضبط ، وهكذا . فالامتحان لا يقيس مقدرة الطالب الحقيقية إلا على قدر شموله النقط الهامة بالمنهج وحسن إلمامه بها .

ليس هذا كل ما يمكن أن يقال عن الامتحانات ، بل هناك الكثير والكثير جدا . ومجمل هذا كله أن الامتحانات قليلة المزايا كثيرة العيوب . ولكن بالرغم من ذلك فإنه لا يمكننا الاستغناء عنها ، فهى حتى الآن الوسيلة الوحيدة لتقدير القيمة العلمية للطالب . وإلى أن نوفق إلى وسيلة أخرى لذلك تكون أقل عيوبا وأكثر مزايا ، علينا أن نبرر هذا الأسلوب العتيق ، أسلوب الامتحان . فإذا طعن فى الامتحان بأنه يتأثر إلى حد كبير بعاملى الحظ والمصادفة ، فما أسهل أن نجيب : " وأى شأن من شئون الحياة لا يتأثر إلى حد كبير بعاملى الحظ والمصادفة ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية