إن كل من يفكر في الشعب العربي ومستقبله . تفكيرا خالصا من الشوائب والأغراض ، يري ان هذا المستقبل يتوقف على تقوية الروابط بين الأقطار العربية وتحقيق وحدتها . وتحقيق الوحدة العربية يحتاج إلى جهود عظيمة متنوعة . ولكن مهما عظمت هذه الجهود فهي لا تعدل مثقال ذرة بالقياس إلي الهدف السامي الذي يرمي إليه . وهو غاية نبيلة تتمكن الأقطار العربية إذا بلغتها من أن تتبوأ مكانا بين الأمم العظيمة ، ومن أن تؤدي رسالتها نحو المدنية والإنسانية .
فالوحدة العربية هدف العالم العربي ، وإليها ينبغي أن تتجه الأبصار والافكار ، وفي سبيل تحقيقها يجب أن تتضافر القوي وتبذل الجهود . على أن هناك امورا
يقتضي العمل من أجلها ، بكل قوة وعزم ، وهي لا تتطلب بحث ماهية الوحدة وكيف يجب أن تكون ، وإن كان تحقيقها في الواقع بمثابة الخطوة الأولى للوحدة العربية وهذه الأمور هي : توحيد مناهج الثقافة في البلاد العربية ، وتقوبة الروابط الاقتصادية بينها .
إن تجزئة البلاد العربية إلي أقطار ، لا رابط بينها ، قد أدت إلي اختلاف مناهج التعليم فيها . وقد حمل هذا الاختلاف بعض المتعلمين على اعتبار الثقافة في القطر الواحد منها غريبة عنها في الأقطار الأخرى ، وجعلهم يتكلمون عن وجود ثقافة مصرية وأخرى سورية وثالثة عراقية الخ . ويتحدثون عن الأدب المصري الحديث ، وعن الأدب.
العراقي الحديث وعن الأدب الشامي الحديث إلخ ، في حين ان ما في البلاد العربية من ثقافة عامة هي الثقافة العربية ، وما فيها من ادب هو الأدب العربي . ومهما حاول البعض تفريق الثقافة بالنسبة إلى الأقطار ، والأدعاء بأن لكل منها شخصية ثقافية خاصة تجعلها مستقلة عن الأخرى ، فالمحاولة غير مجدية ، والأدعاء لا يتفق مع الواقع على أننا لا ننكر أن بقاء ما تجده من الاختلاف في مناهج التعليم في البلاد العربية من شأنه ان يؤدي ، مع الزمن الطويل ، إلى تفرقة ثقافية بين هذه الاقطار ، وإلى نشوء أدب خاص في كل منها يختلف ، بعض الاختلاف ، عن الأدب العربي العام من جهة ، وعن الأدب الحديث في بقية الأقطار من جهة ثانية . ووجود مثل هذه الثقافة ومثل هذا الأدب من العوامل الهامة في التفرقة بين الأقطار العربية في النواحي المختلفة . وهذا شر لا يرمي إليه إلا من كان لا يريد للبلاد العربية خيرا ولا مستقبلا
وقد نجم عن الوضع الحالي في البلاد العربية أن صار كل قطر من اقطارها يدرس كتبا لا تدرس في مدارس الأقطار الآخر . وأدي فقدان الروابط العلمية بين المؤلفين والكتاب في الأقطار العربية إلي استقلال كل مؤلف او كاتب في ترجمة او تعريب الكلمات والمصطلحات العلمية الحديثة ، مما ادي إلي اختلاف هذه الكلمات والمصطلحات في مختلف الأقطار ، إن لم يكن في القطر الواحد ايضا ، وبالتالي إلي إيجاد صعوبة على التلاميذ في قطر ما من الأقطار العربية في فهم ما يوضع من كتب " علمية ، في الأقطار الآخرى . وهذه الحال تساعد كثيرا علي التفرقة العلمية والثقافية بين هذه الأقطار
وكما أن اختلاف مناهج التعليم يباعد بين الأقطار العربية ، فان المدارس الأجنبية فيها تفرق بين مشارب المتعلمين ووجهاتهم في كل قطر ، وتجعل الشباب يذهبون في ارائهم وأفكارهم وعقائدهم مذاهب شتى ، فتفقد
الوحدة ويتكون الخلاف . . وليس السبب في ذلك أن للعلم أثوابا مختلفة متباينة الألوان بالنسبة إلي الأمم والقوميات ؛ بل لأن المدارس الأجنبية في الشرق لا تلقن تلاميذها وطلبتها العلم الخالص ، وإنما تغذبهم عادة بالعلم المنقوص المشوه بالآراء والنزعات القومية الخاصة بها ، وتجعل من معظم تلاميذها وطلابها شخصيات غريبة ، لا هي عربية خالصة كما قد ينبغي ، ولا هي فرنسية أو انكليزية أو أميركية الخ ، إن كانت تلك المدارس تابعة لإحدي هذه الأمم . أما العلم الخالص فواحد لا يختلف ولا يتغير لونه باختلاف الأمكنة . والشباب الذين يتعلمون في الغرب ، وينالون من العلم الحقيقي قسطا وافيا ، يظلون عادة محافظين على شخصياتهم القومية ، غير مختلفين بعضهم عن بعض حسب اختلاف البلاد الأجنبية التي تعلموا فيها . وإن بدا عليهم مثل هذا الاختلاف ، فلا يعد دليلا على أن مادة العلم وتأثيره في قطر يختلفان عما هما عليه في آخر ، وإنما يعني أن هؤلاء الشباب الذين عاشوا في بيئات مختلفة وتعرضوا لتأثيراتها المتباينة ، تأثروا بمظاهر الحياة فقط ، ولم ينالوا العلم الخالص . إذ العقل العلمي واحد ، وصاحبه يستطيع التفاهم والعمل مع أصحاب العقول العلمية ، مهما كانت جنسية الجامعات التي نشأوا فيها
إن اختلاف مناهج التعليم في البلاد العربية من ناحية ، والوضع الحالي للمدارس الأجنبية فيها من ناحية ثانية ، يضران بالعرب وبمستقبل بلادهم . ولذا ينبغي اتخاذ الوسائل لاتقاء الأضرار الناجمة عن الوضع التعليمي الحالي ، والمحافظة على وحدة الثقافة في البلاد العربية .
إننا نعتقد مع الكثيرين ان توحيد مناهح التعليم في البلاد العربية امر ضروري ، ولا بد منه إن رمنا توحيد الأفكار والمحافظة على الثقافة العربية من التفرقة
والتنائي . وتوحيد المناهج يحتاج إلي درس واف عميق ، يشترك فيه نخبة من رجال التعليم في مختلف الأقطار العربية . وعلى من يتولى درس هذا الموضوع ، ويضمن له النجاح ، من الناحية العملية أن يدعو إلي عقد مؤتمر في القاهرة ، العاصمة الثقافية للبلاد العربية ؛ ويمثل الأقطار العربية في هذا المؤتمر فريق من رجال التربية والتعليم ، وعدد من قادة الفكر . ومما يدعو إلي الاغتباط ان حكومة جلالة الملك فاروق الاول قد درست هذه الفكرة ، وهي جادة في تنفيذها .
وللإشراف على تطبيق مناهج التعليم بعد توحيدها ، أو بعبارة أخري علي سير التعليم في البلاد العربية ، يشكل مجلس يدعي " مجلس التعليم العام " ، يختار أعضاؤه من رجال التربية والتعليم في مختلف الاقطار العربية ، ويكون مركزه القاهرة ، على أن يكون له مكتب خاص دائم ؛ اما الأعضاء فيجتمعون لدي عقد دورانه . ومتى تكون التحالف العربي ، وتشكل " مجلس الدول العربية المتحالفة " الذي تحدثنا عنه في الفصل السابق ، كان " مجلس التعليم العام " مسئولا أمام مجلس التحالف
ومن الأمور الجوهرية التي ينبغي أن تحتوي عليها مناهج التعليم الموحدة تدريس تاريخ العرب والحركة العربية خلال القرن التاسع عشر ، والقرن العشرين في الدورتين الدراسيتين : الابتدائية والثانوية . أما في الدورة الجامعية في كليات الآداب والحقوق ، وإعداد المدرسين فتدرس الحركة الاستقلالية العربية خلال القرن التاسع عشر حتى عام ١٩١٨ مفصلة تفصيلا تاما ؛ و كذلك وضع البلاد العربية بعد هذا التاريخ ، وما ينبغي عمله لتأمين مستقبل الامة العربية وتبوئها المكان اللائق بها بين الأمم العظيمة
وتتوحيد مناهج التعليم يساعد كثيرا علي توحيد الكلمات والمصطلحات العلمية التي تترجم من اللغات
الأجنبية ، غير أنه للوصول إلي التوحيد التام ينبغي وضع قاموس واسع يشمل هذه الكلمات والمصطلحات ، ويكون بمثابة مرجع رسمي للكتاب والمؤلفين . وللسير مع الحركة العلمية ، وتوسع مفردات اللغات ، يقتضي أن يكون هناك مجمع لغوي نشيط يقدم للكتاب والمؤلفين ما يحتاجون إليه من ترجمات المفردات والتعابير الحديثة في اللغات الأجنبية . والمجمع اللغوي في القاهرة ، المؤلف من شخصيات ذات مكانة في الاقطار العربية ، ومن بعض كبار المستشرقين ، يستطيع القيام بهذه المهمة إن قويت همته ، وعظم نشاطه ، ودخلته عناصر الشباب العالم العامل
وتبادل المنتوج الفكري بين الأقطار العربية امر حيوي لتقوية الوحدة الثقافية . ونحن بينما نري المنتوج الفكري في مصر ، من جرائد ومجلات وكتب ، ينتشر اليوم في جميع الأقطار العربية ، لأسباب متنوعة ، نجد قليلا من المنتوج الفكري في بر الشام أو العراق الخ ، يطلع عليه قراء الأقطار الآخر ، لقلة الدعاية له ولعدم معرفة القراء به . فمن الواجب الثقافي ، والحالة هذه ، تعريف القارئ العربي بجميع الكتب التي تنتجها المطبعة العربية في كافة الأقطار . ولتحقيق ذلك يقتضي إنشاء مجلة كبيرة ، رفيعة المستوي ، تأخذ على عاتقها تعريف القراء بالمؤلفات العربية الحديثة ، وتتولى نقدها على أن يكون ذلك النقد حسب قيمة الكتاب الحقيقية ، لا حسب ما لمؤلفه من شهرة ومكانة
ما أكثر ما نري النقاد والكتاب اليوم يتخذون النقد وسيلة للتزلف إلي كبار المؤلفين ، ووسيلة للتقرب . منهم ونيل رضاهم . وكم من مؤلفات لكتاب شهيرين ، لا قيمة لها ، ولا فن فيها ، نالت إعجاب كثيرين من رجال الأدب وقادة الفكر وإطرائهم ، وخدعت القارئين وسلبت أموالهم . ولو أن هذه الكتب بعينها نشرها كتاب
ليس لهم مكانة مؤلفيها لكان حظها التقبيح ، وأرسال عليهم التشنيع . وكم من مؤلفات ثمينة لكتاب قديرين لا يتخذون الدعاية لأنفسهم مهنة ، كان حظها انها ظلت مجهولة مهملة ، ولم تلفت الانظار إليها ، ولم يعترف بقيمتها احذ .
ولنجاح مثل هذه المجلة ، يقتضي أن لا يعتمد موردها المالي الرئيسي على قيمة الاشتراكات فيها وثمن ما تبيع من أعداد ؛ لأنها إن اكتفت بذلك انحط مستواها ، لاضطرارها إلي النزول إلى مستوي جمهرة القراء بل ينبغي أن تسندها مؤسسة ثابتة ، فردية كانت أم حكومية ، كلجنة التأليف والترجمة والنشر ، أو كالمجمع اللغوي في القاهرة ، أو " كمجلس التعليم العام " بعد إنشائه . ومتى وجدت هذه المجلة يبعث المؤلف العربي إلى إدارتها نسخة أو اثنتين من مؤلفه ، وتكل إدارتها إلي كتاب قديرين أمر درس الكتاب ونقده وتعريف القراء به . فان كان للكتاب قيمة أسهبت في التقريظ ، تقريظا علميا خالصا ، وإلا اكتفت بكلمة عنه أو بذكر اسمه . وهكذا يقف القراء علي المنتوج الفكري في مختلف الأقطار العربية ، ويقرأون منه ما يطيب لهم ؛ وبذلك يتم تبادل المنتوج الفكري الذي هو من عوامل تقوية الوحدة الثقافية في البلاد العربية .
وينبغى ، لجعل الوحدة الثقافية تامة قوية ، ان يقضي على الأضرار الناجمة عن المدارس الأجنبية في البلاد العربية . وفي إمكان هذه المدارس أن تكون مفيدة لتلاميذها إذا هي اتبعت ، إلى حد كبير ، مناهج التعليم الموحدة ، واعتنت باللغة العربية وآدابها ، وبتاريخ العرب بقسميه المدني منه والسياسي ، وخضعت للتفتيش الوطني ، كما هي الحال في البلاد التركية
فالمحافظة على الوحدة الثقافية في البلاد العربية عامل رئيسي في تقدم هذه البلاد والوصول بها إلى الوحدة
المنشودة . ولا يمكن أن تقام وحدة سياسية أو اجتماعية يكتب لها البقاء ، إن لم تدعمها وحدة التفكير والشعور . والثقافة الموحدة هي التي تخلق لنا هذه الوحدة العقلية الروحية ، وهي التي تبرز مواهب الامة العربية ، وتجلو الصفات التي تميزها عن غيرها . وإننا لا نعدو الحق إذا قلنا إن إيجاد الوحدة الروحية ، والمحافظة على الوحدة الثقافية ، والوصول إلى الوحدة السياسية ، كل هذه تبلغ بالأمة العربية إلي مكانتها السامية ، وتمكنها من ان تقوم في المستقبل تمثل الدور الانساني العظيم الذي قاءت به في الماضي .
وكما أن توحيد مناهج التعليم في الأقطار العربية ممكن دون التعرض للوحدة العربية ، فانه من الممكن أيضا تقوية الروابط الاقتصادية بين هذه الاقطار والانفاق على إقامة نظام شامل لها ، دون الاضطرار إلي بحث العلاقات السياسية . وفي بعض البلاد سبق الاتحاد الاقتصادي الاتحاد السياسي ، وكان ممهدا له . فاتحاد الزولفرين Zollverein : قد جمع بين مقاطعات جرمانية مستقلة ، قبل نشوء الدولة الألمانية الحديثة وقام الاتحاد الجمركي في استراليا بين المستعمرات الست ، واستمر ست سنوات ، قبل اتحادها سياسيا عام ١٩٠٠ .
والوصول إلى نظام اقتصادي مشترك ، أو اتحاد اقتصادي بين البلاد العربية ، يتطلب تنازل هذه البلاد عن قسم من سيادتها الاقتصادية إلي مجلس مشترك يدعي " المجلس الاقتصادي " ويؤلف من اعضاء ممثلين للبلاد المشتركة في الاتحاد الاقتصادي . وعلي هذا المجلس ان يدرس الحالة الاقتصادية ، في جميع الأقطار العربية دراسة دقيقة مستفيضة من نواحيها المختلفة . وهو يقرر موارد كل من الأقطار وحاجاتها الاقتصادية ، وطريقة تنسيقها ، ويبحث العلاقات التجارية القائمة بين هذه
الأقطار وقدرتها على تشكيل منطقة تجارية واحدة ، ويقرر الصلاحيات الاقتصادية التي تترك للسلطات المحلية ، ومدى خضوع أجزاء الاتحاد للرقابة المركزية . ومتى تم التحالف السياسي العربي ، يكون هذا المجلس مسئولا أمام " مجلس الدول العربية المتحالفة "
ومما لا ريب فيه أن الاتحاد الاقتصادي بين الأقطار العربية ، يجعل هذه الأقطار إلي حد كبير ، متممة بعضها بعضا ، وفي ذلك خير لها جميعا . وموضوع الاتحاد الاقتصادي موضوع هام عظيم . وبيان ما تجنيه الأقطار العربية من فوائد يحتاج إلي فصول علمية عديدة وإحصاآت دقيقة . وإننا نرجو أن يقوم الاختصاصيون في المسائل الاقتصادية في الشرق العربي ببحث هذا الموضوع والكتابة فيه ، فنتضح للرأي العام العربي مزاياه وبلمس فوائده .
جلوت ، في هذا المقال ، الخطوة الأولى نحو الوحدة العربية ، ودعوت فيه إلى اتخاذها دون نوان ، وأملي ان يكون ذلك قريبا ، وان تتلوها الخطوة الأخرى . وبه تنتهي هذه الفصول التي وضعتها في هذا الموضوع الخطير ،
ودعوت فيها إلي الفكرة العامة . ولست أجحد أنها بمجموعها ليست سوى معالم الموضوع أو هيكله . وكم أكون سعيدا إذا قام الأكفاء بدرسه دراسة علمية حقة ، وبيان خطورته وما يعود به تحقيقه على البلاد العربية من الفوائد والخيرات . وعلي كل حال ، فاننا على يقين تام من أنه ليس للبلاد العربية مستقبل لامع إلا بوحدتها ، وإن عظمة الأمة العربية وتبوءها مكانتها بين الأمم الكبيرة ، وقيامها بالواجب الذي عليها نحو المدنية والإنسانية ، كل هذا متوقف على توحيد بلادها ثقافيا ، واقتصاديا ، وسياسيا ، فهل لقادة الفكر في البلاد العربية أن يجتمعوا ويضعوا ميثاقا قوميا عربيا . يعلنونه على الملا أجمع ، ويدعون إلي تحقيقه ، دون هوادة أو وجل ، فتتلقاه الأمة العربية ميراثا نحرص عليه وتعمل به ، وتنتهز الفرص لتحقيقه ، حتى تبلغ الغاية المنشودة ؟ وهل للحكومات العربية بصورة عامة ، وللحكومة المصرية بصورة خاصة ، أن تبادر إلى القيام بما عليها من الواجب الأسمى ، فتوحد هدفها ، وتعمل في سبيله ، وتتخذ الإجراءت لتحقيقه ، والفرصة سانحة ، والظروف ، مواتية
) تم البحث (
) القدس (

