الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 469الرجوع إلى "الثقافة"

مخاطر المهنة

Share

كنت أتحدث إلى صاحب يوما ، فجرنا الحديث إلي ذكر المهن المختلفة ومخاطرها . وكان من رأي أن كل مهنة لا تخلو من مخاطر خاصة تهدد صاحبها في صحته وسلامته . ولم يكن هذا رأي صاحبي . فجعلت أستعرض له بعض المهن لأبين له ما تنطوي عليه من مخاطر ، وضربت له الأمثال . .

قلت : إني لا أحدثك عن الطيران مثلا . فمخاطره ظاهرة معروفة لا تحتاج إلى شرح ولا بيان . وبحسب الإنسان ما يسمعه كل يوم عمن غرق من ركابه ، وعمن احترق . ولا أحدثك عن البنائين المعلقين بين السماء والأرض ، وهم يشتركون في تشييد المباني الشاهقة ، وما قد يصيبهم إذا طاح منهم رأس ، أو زلت بهم قدم . ولندع كل محلق في السماء ، ثم لنهبط إلي الأرض ، فنستقر على ظهرها لنتظر في تلك المخاطر الدفينة الخفية ، التى لا تكاد تخلو منها مهنة واحدة ، مهما سفل صاحبها ومهما علا .

فللوزير مخاطر مهنته كما ( للسباك ) الذي يقوم بإصلاح مواقد البترول ، يكون الأول رجلا مستورا في بيته ، هادئا في معيشته . ثم لا يكاد يضع رجله في الركاب حتى يصح في أفواه الناس مضغة يتسلون بعلكها وإعمال أضراسهم فيها ؟ فأبوه كان كذا - وزوجته كانت كذا - وهو يتردد على فلان وفلانة - ومنزله الذي بناه جاء بثمنه من كيت وكيت - وأرضه التي اقتناها لم يحصل عليها إلا بالغذر والغصب . وهكذا ينهش عرضه في السر والعلن ، ويخوض في ( خصوصياته ) من يعرفه ومن لا يعرفه . وقد يفلح ( السباك ) إذا اخذ حيطته الواجبة ، فلا تنفجر في وجهه المواقد التي يقوم على إصلاحها . أما صاحب السلطان ورجل الوزارة ، فلن يفلح في دفع ألسنة الناس عن سلقه ونهشه .

وصناعة الطب لها مخاطرها . تلك المهنة الإنسانية التي تقوم على النجدة والمواساة . والتي يتطلع الناس إلى أصابع أصحابها كما يتطلع الغريق إلى منطقة النجاة . لا تخلو هي الآخرى من المفاجآت والمخاطر . والمبضع الذي يمسكه الجراح لتخليص مريضه من آلامه قد يشتط فيغمز صاحبه غمرة مهما بلغ من رفقها فإنها قد تحمل الموت في ثناياها . والأشعة السينية التى يفحص بها الطبيب مرضاه ويكشف بها خبايا أحشائهم الباطنية كثيرا ما تسببت في تفتيت أطراف طبيبها ، وكثيرا ما أكلت من لحمه وعظمه .

وعمال النسيح الذين تضطرهم مهنتهم إلي العمل في الأماكن الرطبة آفنهم السل .

والطهاة الذين يقضون جل وقتهم أمام النار والأفران قل بينهم من يخلو من مرض يتوطن في بطنه بسبب تأثر بطونهم بالحرارة ، واضطرارهم إلى التنقل من مكان إلى مكان ، وما قد يستتبعه ذلك من تعريض بطونهم الحارة إلى تيارات الهواء البارد .

والموسيقى النافخ الذي ينفخ المزامير مصيره عادة إلى الصمم بحكم مهنته . فإن النفخ الشديد المتواصل يؤثر أسوأ تأثير على أجزاء الأذن الباطنة ، ولا يلبث أن يذهب بحاسة السمع كلها .

وذلك العامل الذي يعمل في ( تبيض) الجدران ورشها بالجير مصيره في الغالب إلى العمي بحكم مهنته ، وما يتعرض له وجهه وعيناه من رشاش الجير ، والمواد الكاوية الأخرى التى يستعملها في صناعته .

قلت لصاحبي :

- وما ذا تريدني أيضا أن أستعرض لك من صنوف المهن الأخرى ، والحديث قد لا ينتهي إذا أنا استرسلت معك في ضرب الأمثال ؟

قال الخبيث متبسما :

- إنك رجل تشتغل بالقضاء . وهذه مهنة ولاشك

كسائر المهن ، ولست أظنك تزعم أن في هذه المهنة شيئا من المخاطر !

قلت : يا صاحبي ! إن هذه المهنة بالذات ليست لها مخاطرها ، وما قد يتعرض له صاحبها من صنوف البلاء على يد المتقاضين فحسب ، بل لقد أصبح لها أمراضها المتوطنة ، كما للمناطق الحارة أمراضها سواء بسواء . فهنا الملاريا ، ومرض النوم ، وما إلى ذلك . وهناك : السكر ، وضغط الدم ، والذبحات الصدرية ، والسكتات القلبية ، وباقى تلك السلسلة من الأدواء ، أصبح يطلق عليها اسم "داء القضاة " كما يطلق على " النقرس " اسم (داء الملوك ) ! وذلك لأن القاضي بحكم مهنته قد يضطر إلى العمل وهو جائع ، كما قد يضطر إليه وهو مكتظ . وعمل القاضي ليس من قبيل الأعمال الجسمانية . بل هو إلى حد ما قد لا يعتبر من قبيل الأعمال العقلية وحدها ؛ لأن ما يتطلبه ذلك العمل من تعبئة الأعصاب كلها ، وحشد هذه القوة العصبية تلك الفترات الطويلة التي يستغرقها عمل القاضي في أيام  (جلساته ) ، ثم ما يترتب على تلك الحيرة التي يظل يتقلب فيها القاضي أيضا بحكم مهنته ، وهو يحاول أن يتلمس طريق الحق بين الغريمين المنازعين - كل ذلك يفسد جهازه العصبي كما يفسد أجهزته الأخرى رويدا رويدا . وأول ما يمسه الفساد من هذه الأجهزة ، هو في العادة جهاز الهضمي . وينشأ مرض السكر في الغالب بسبب هذا الاضطراب وما يصحبه من الهم والتفكير المستديم .

أما ضغط الدم فإنه في العادة يسير في ركاب العمل الكثير مع الإنفعالات التي تهز النفس وتزلزل الكيان . ولقد أصبح من المعروف الآن أن الحالات النفسية حالات معدية ، فأنت تصيبك عدوى صاحبك الضاحك فتضحك معه . وتصيبك عدوي المقبض فتضيق لانقباضه . ورواد السباق  إزما يرتادون حليته ليشاركوا الفرسان في انفعالاتهم وليشعروا شعورهم - وهم على أرائكهم متكئون ! وانظر

إلي نفسك وأنت تشهد حفلة ملاكة مثلا بين اثنين من أبطال هذه الرياضة . وتأمل كيف يكون خفقان قليك متى دق الجرس وتهيأ الخصمان للنزال ، ثم انظر كيف يظل نفسك مضطربا معلقا كلما اشتبك هذان الخصان . وكيف يظل قلبك صاعدا هابطا كلما كال أحدهما لغريمه لكمة - كل ذلك وأنت في مكانك آمن على نفسك مطمئن . ولكنها هي عدوي الانفعال لا يمكن أن يسلم منها أمتن الناس عصبا ولا أكثرهم رصانة ورزانه .

والقاضي في أبسط صوره حكم بين اثنين بتلاكمان إنهما بطلان لا يلبسان " القفازات "ولكنهما يتهيآن للنزال بلبس " الأرواب " . فهو لا يجلس جلسة المتفرج النادي الذي تصبه عدوي الانفعال من بعيد ، ولكنه يلقي بنفسه في الحمأة طائعا أو كارها ليتعقب كل " لكمة " أو كل " كملة ، وليشترك في كل حركة ، وليحول بين الغريمين إذا اشتبكا ، وليعد لكل واحد منهما ( نقطه) ليصدر حكمه إذا ما انتهت الجولات بين الطرفين . على أن الخصمين قد ينسحبان إذا انتهي دورهما فيجدان من يلعق لهما جراحهما ، ومن يمد إليهما يد الرحمة والإسعاف والمواساة ، أما هذا " الحكم " فإنه مضطر أبدا إلى الوقوف وسط الساحة يتلقي " زوجا " من بعد " زوج " من هؤلاء المصطرعين ليعيد مع كل " زوج " نفس الدور ، وليعيش معه أقسى لحظاته ، وليتلقى عنه أعنف انفعالاته . ثم ينسحب الخصمان دواليك ويبقى  هذا ( الحكم )دائما في مكانه .

وأي دم لا ينضغط في مواجهة كل هذه الأزمات ؟ وأي قلب لا يكل من ممارسة كل هذه الانفعالات !

قلت لصاحبي :

- على أن للأمر وجها آخر - فهل أتاك حديث القضية التي قتلت قاضيها ؟

قال : وهل في القضايا ما يقتل القاضي ؟

قلت : لقد كان !

قال : وكيف كان ذلك ؟

قلت : كنا ثلاثة نجلس في محكمة واحدة . فإذا فرغنا من نظر قضايانا في الجلسة وخلونا بعد ذلك لأنفسنا لندرسها ولنصدر أحكامنا بها ، تقاسمنها فوزعناها بيننا بالسوية كما يوزع ورق العب على اللاعبين . وكما أنه يحدث من اللاعبين أن يقع ( الجوكر ) في يد أحدهم فيفرح به ، وتقع ورقة أخرى خاسرة في يد لاعب غيره فيغتم لها ، كذلك كان يحدث لنا أن تقع القضية الخفيفة في نصيب أحدنا فيفرح لها ، وتقع القضية الثقيلة أمام واحد آخر فيرد لها وجهه ويخفق قلبه .

واتفق أن جلس معنا في وقت من الأوقات قاض حديث ، كان وكيلا للنيابة قبل أن يجلس للقضاء ، فكان بحكم تكوينه في عمله القديم يحتاج إلي مران طويل قبل أن يتصدى للقضايا الثقيلة - ولكنه كان قاضيا مجتهدا ، وكان حساسا ، وكان غيورا على كرامته ؛ فحدث وأنا أوزع القضايا بالتناوب أن وقعت أمامه قضية ضخمة ، كان ارتفاع أوراقها إذا وقفت وحدها لا يقل عن نصف متر . وكان على القاضي الذي تقع في نصيبه هذه القضية أن يدخلها من أولها فيدرس أوراقها ورقة ورقة ، وأن يتتبع النزاع فيها خطوة خطوة ، وأن يحل مشاكلها عقدة عقدة ، حتى يتسنى  له ان ينفذ منها آخر الأمر ويخرج من جانبها الآخر وفي يده مشروع للحكم فيها ( يتناقش فيه مع  زملائه ) .

ولاحظت أن عبء، هذه القضية سيكون ثقيلا علي زميلى الجديد فسحبتها من أمامه ووضعتها في نصيبى وأعطيته ملفا آخر بدلا من ملفها . ولكنه ساءه هذا التصرف . وأحس بأن فيه ما يمس كفايته وكرامته ، وأصر على أن تسير الأمور في مجراها الطبيعى ، وأنه يود أن يجرب حظه مع هذه القضية الضخمة لعل فيها ما يعينه على تحصيل

أكبر قدر من الخبرة في أقل فترة من الوقت . وكان له ما أراد

وحل موعد اجتماعا المناقشة و ( المداولة ) كما يسمونها - وحمل كل واحد منا قضاياه وجلسنا نستعرضها ونتشاور فيها . ولما جاء دور القضية ( إياها ) اعتذر صاحبنا من عدم عرضها في ذلك اليوم وطلب أن يعطي مهلة أخرى ليتم دراستها ، فوافقناه ومددنا أجل الحكم فيها ، وحل موعدها مرة أخرى وتكرر طلبه فأعطيناه مهلة جديدة .

وانتهزت خلوة بيني وبينه ، فعرضت عليه من جديد أن يرسل إلي ملف هذه القضية لعلي أعاونه في دراستها . ومازحته قائلا : وضعيفان يغلبان قويا ! - ولكنه لم يجد معه مزاح ، وأ كد لي أنه لابد سيفرغ من دراستها هذه المرة ، وأنه لخص جميع الملفات الفرعية المنضمة إليها ، وأنه حصر جميع نقط النزاع التى أثارها الخصوم ، وأنه راجع بعضها في كتب المراجع وأنه لم يبق أمامه إلا أن يراجع بعضها الباقي ، ولم أجد بدا من النزول على إرادته مرة أخرى .

وحل موعد القضية الأخيرة الذي اتفقنا عليه . ولكن زميلنا لم يحضر في ذلك اليوم ، وسألنا عنه فقيل لنا إنه مريض . فحملنا مرضه على محمل البرد الذي لم يكن يخلو  أحد من بعض آثاره في تلك الفترة من السنة ,

ولكن غيبة الزميل طالت . وامتدت إلي أسابيع ثلاثة ، وترددنا عليه ، وعلمنا من طبيبه أنه يشكو احتقانات باطنية تحتاج إلي الراحة والعلاج مدة أخرى .

ولم تكن هذه الظروف تسمح بالخوض في ذكر ما عنده من القضايا أو في طلب استردادها وإعادة توزيعها ، فانتظرنا حتى كتب الله له أن يشفى ، وأن يستأنف جهاده معنا ؛ ولكنه لم يكن في هذه المرة على غيرته الأولى وحماسته التى بدأ بها العمل ، وبدأت أسمع منه ما يفيد أنه أصبح يفضل عمل النيابة على عمل القضاء .

فأدركت بيني وبين نفسي إلي أي شيء يشير ، ووضعت إصبعي على مكمن دائه ، ولكني لم أستطع أن أفاتحه مرة أخري في شأن ( تلك القضية ) ، فهو كما بينت شديد الحساسية ، عظيم الثقة بنفسه ، وخشيت إن أنا عاودت حديثي معه عنها أن أسئ إليه ، فسكت على مضض .

وتطوع هو للكلام ، فأفضي إلي بأن الوعكة التي أصابته ، إنما أصابته عقب انقطاعه نحو عشر ساعات متواليات في تقليب أوراق تلك الدعوى ، وتركز موضوعاتها وتحديد طلبات أطرافها ، وأنه قام عقب جلسته تلك وهو يشعر بتحطيم وغثيان ودوار ، وأنه لم يتداركه إلا نوم ثقيل حمله الله فوق رأسه ، فراح به في سبات عميق . على أنه حين أفاق من نومه لم يستشعر شيئا من نشاط الصاحين الذين استوفوا قسطهم من الراحة ، فراح ينام من جديد ، ولم ينقذه هذا النوم الجديد مما أحس أنه يغشاء من الضعف والإعياء ، فاستدعي الطبيب ، وكان هذا هو السبب الذي من أجله تخلف عن المحكمة حوالى أربعة أسابيع ؛ فاكتفيت بأن أشرت عليه بضرورة تجنب الإجهاد ، وتحميل نفسه ما لا تطيق . ولم أستطع أن أفصح له عن حقيقة ما أريد .

ومضى هو في عمله معنا أياما أحس بعدها أنه لا بد له أن يقول لنا شيئا عن ملفات القضايا الباقية عنده . والتي تعطل صدور الحكم فيها بسبب غيابه . فقال إنه سيفرغ منها كلها في ظرف أسبوعين وإنه سيحملها إلينا في هذا الموعد المضروب .

وبر بوعده لنا - ولكن فيما يتعلق بباقي قضاياه . أما " تلك " فإنه قال إنه رأي أن يتخلف بها عن أخواتها أسبوعا آخر لينفرد بها فيه . فتمنينا له النجاح والفلاح ، وأوصيناه بنفسه خيرا . وانصرفنا على أن نلتقي بعد أسبوع . . .

ولكنه في هذه المرة لم يحضر أيضا . وسألنا عنه فقيل لنا : إنه دخل المستشفى إثر نوبة قلبية . . وإن حالته

لا تسمح لنا بزيارته ، فأجفلنا . . وانتحيت أنا بنفسي جانبا وقلت لها : إني أعرف " المجرم " وإني سوف اتولي امره بنفسي بعد اليوم ولا أخلي بينه وبين زميلى أبدا . . وقطعت على نفسى هذا العهد  . . .

واستطعت أن أبر يشقه الأول . فإني طلبت " ملف القضية " - القاتلة - لأقوم على كتابة حكمها . . .

أما الشق الثاني - فوا أسفاه -  لم يتسن لي تحقيقه . . لأني وصلت إلي نجدة زميلي متأخرا . وبعد أن فات الأوان

إنه لم يعد إلينا قط - رحمه الله ! .

اشترك في نشرتنا البريدية