عثرنا في المكتبة الخالدية في بيت المقدس على مخطوط نفيس رقم ٣ باسم " الفاضل في الآداب والبلاغات " لابن الأعرابى المعروف بالوشاء . وقد جاء في اخر الكتاب ) فرغ من نسخة لثمان بقين من ذي القعدة سنة تسع وثمانين وخمسماية ( 1) ( ، فيكون عمر الكتاب اليوم سبعمائة وأربعا وسبعين سنة .
وقد انتقلت ملكية الكتاب أكثر من مرة ، ويظهر أن هذه النسخة الفريدة كانت ملكا لسريجا بن بدر الدين محمد بن سريجا الملطي ) ٢ ( ثم البارودي ، الذي كان من اعيان بلاده في الفقه والقراءآت والأدب ، وله تصانيف منها شرح الأربعين النووية سماه ) نشر الفوائد المربعين النبوية في نثر فوائد الأربعين النووية ( ، وجنة الجازع وحبة الجارع ، وسد باب الضلال وصد باب الغلال في ترجمة الغزالي . ونظم قصيدة في القراءات السبع بوزن الشاطبية ، مات بماردين سنة ٧٨٨ وله ثمان وستون سنة ؛ وقد اخذ عنه ولده عقيل الذي مات سنة ٨١٤ (3) . هذا وقد ظهر خط سريجا على الصفحة الأولى من الكتاب ، كما ظهر خط ولده عقيل . وانتقل الكتاب بعد ذلك إلى محمد بن على القرشي المتطبب والحسن بن علي الحصني سنة ٩٩٣ وغيرهم .
وقد تبين من دراسة الكتاب أن المؤلف قد ألف
كتبا لم يأت على ذكرها ابن النديم ، حاشا الكتاب الخامس . أما الكتب فهي :
١ - المرتضي في حسن عفو الأدباء عن هفوات الأخلاء
٢ - أخبار بني هاشم . ٣ - الابتهاج في الصبر المؤدي إلي الانفراج ٤ - البلاغة من وصايا المحتضرين ذوي الآراء والعقل الرصين .
٥ - القلائد في أخبار متظرفات الولائد . ٦ - البلاغة من سائر العجم وما يؤثر عنهم من بارع الحكم .
٧ - البلاغة من ذوي الرشاد في حسن وصايا الاولاد . والمؤلف هو أبو الطيب محمد بن أحمد بن إسحاق الأعرابي الوشاء أحد الأدباء الظرفاء ؛ وكان نحويا معلما لكتب العامة ) ١ ( . والغالب عليه تصنيف كتب الأخبار كالشعر والمقطعات ، وله من الكتب : كتاب مختصر في النحو ، كتاب جامع في النحو ، كتاب المقصور والمدود ، كتاب المذكر والمؤنث ، كتاب الفرق ، كتاب خلق الإنسان ، كتاب خلق الفرس ، كتاب المثلث .
وأما كتبه الأدبية الأخبارية فهي : كتاب أخبار صاحب الزنج ، كتاب الزاهر في الانوار والزهر ، كتاب الحنين إلي الأوطان ، كتاب حدود الطرف الكبير ، كتاب الموشي كتاب أخبار المتظرفات ، كتاب السلوان ، كتاب الموشح ، كتاب سلسلة الذهب ) ٣ ( . ويلاحظ من هذا أن كتاب أخبار المتظرفات هو ذات الكتاب الذي يشير إليه المؤلف في كتابه الفاضل . وقد جاء في معجم الأدباء ج ١٧ -
ص ١٣٢ ان ابا الفرج بن الجوزي يقول في تاريخه إن أبا الطبيب الوشاء مات سنة ٣٢٥ ، وله ابن يعرف بابن الوشاء ولم يذكر تاريخ ميلاده
وأبو الطيب ابن الأعرابي هذا النحوي المعلم غير أبي عبد الله بن زياد المعروف بابن الأعرابى اللغوي الكوفي ، ربيب المفضل الضبي ، وصاحب كتاب النوادر (1) والمتوفي سنة ٢٤١ ه ) (2) . فالنحوى المعلم هذا ينقل عن ابن الأعرابي اللغوي الأديب ويروي عنه أكثر من مرة ، وبينهما قرن كامل كما لا يخفى
وقد اشتمل الكتاب على ٣٥ بابا من أبواب البلاغة عدا المقدمة ، فبحث في : صفة البلاغة ، وفضل الفصاحة ، وبلاغة الخطباء والوفود والأساري ، وبلاغة البلغاء ، اللسن ، ومكاتبات ذوي الألباء ، وبلاغة الحكماء والخلائف الاموية وخلفاء بني هاشم ، وبلاغة المعزين والمهنئين والمحتضرين والعلماء والمجانين والمتطرفات والغلمان والأكاسرة والعجم والأمراء والعلماء الخ الخ وبالجملة فلم يترك بابا إلا طرقه .
وإننا نكتفي هنا بأن نورد مقدمة الكتاب كنموذج لأسلوب المؤلف ، الذي يمثل أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع وبين اسلوبه في هذا الكتاب وكتاب الموشي تشابه كبير ، ولكن هذا الكتاب أغزز مادة وانفس قيمة .
قال : ) بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه أستعين . أطال الله في ظل افناء السلامة بقاك ، وحجب عن غير نوائب الدهر نعماك ، وجعلك لمستحق شبوب النعمة ولأملي الأفضال منك موئلا ، ومتعك بوفاء عهود اودائك ، وبلغك الغاية من تأميل
ذوي المروءة من أولئك قرأت متعك الله بالسلامة ، وحباك بالزلفة والكرامة ، ما كنت تشتكيه إلينا في كتابك من قلة الثقة في أصحابك ، وسأمتك من معاناة تلون الصديق ، وسرعة ملل الرفيق ، وثقل دالة الحميم ، وشراسة خلق النديم . وسألت أن أختار لك نوعا متأدبا كريما تستعين به على طواريء غمومك ، وتتقي به متكاتف همومك ، وتفرغ إليه في سهرك ، وتدعو إليه عند ضحرك ، وتعتمد عليه في أمورك ، وتستمده لسرورك ؛ فرأيت استفراغ المجهود في ذلك عوزا ، ووجدان من ترتضى خلائقه لمنادمتك عسرا . وأحببت أن أحبوك بنديم يروقك منظره ، ويسرك مخبره ، وتطيب مشاهدته وتكثر محادثته ، إذا دعوته أسرع ، وإذا حدثك أمتع ، وإذا سألته أجاب ، وإذا تكلم أصاب ، وإذا استنطقته نطق ، لا يرهقك عسرا ، ولا يحملك إصرا ، يلقي عنك مؤونه الحشمة ، أمين على المال والحرمة ، أستدعي به منك دوام الإخاء ، وأوجب به عليك جميل الثناء ؛ فصنعت لك كتابا في البلاغة والإيجاز والبراعة ، ضمنته موجزات الخطب ، ومنتخب بلاغات العرب ، مما حفظ من مليح كلامها ومختصر ألفاظها ، وموجز خطبها ، وبراعة أدبها ، ونادر حظ أدبائها ، ومسرع جوابها ومعجب بدائهها ، إلي بلاغة البلغاء وبراعة الفصحاء ، وجواب الأدباء وإيجاز الخطباء ، ومحاورة الخلفاء وتهادي الظرفاء ، ومكاتبة الأمراء ، ونوادر الشعراء ، وحصافة ذوي الألباب ، وثقافة أذهان الكتاب ، ورصانة عقول النساء ، وتكامل أدب الإمام . ونظمته بما انتظم به من الحكم المحفوظة عن حكماء العجم ، ووصايا المحتضرين ، وحكم المجانين . وقدمت ذكر بلاغة العرب على غيرها من الناس ، لتقدمها على سائر الأجناس ، ولأن الله تعالى ذكره قد شرفها برسوله ، وفضلها بتنزيله ، وخصها بالخطاب المعجز ، واللفظ الموجز ، والسؤال الشافي ، والجواب الكافي ؛ فهم أمراء الكلام ، ومعادن العلوم والأحكام ؛ إليهم ترد البلاغة ، وعنهم تؤخذ الفصاحة ؛ فالناس بلغتهم مقتدون ولأثارهم متبعون . وترجمته بكتاب الفاضل لفضله على كل كتاب ، وأرسلت به إليك
لا ممتنا به عليك ، لتجعله بدلا من الجليس ، وخلفا من الأنيس . وقد صدرت ما ضمنته لك من ذلك كلاما جزلا في صفة ألسنة البلاغة ، وفضل الفصاحة والبراعة . فقف على ما فيه من فضله ، وتثبت في معرفته ومقدار نبله ، لتعلم إذا انعمت الاختبار أني قد احسنت لك الاختيار ( . انتهي .
وستنشر في فرصة أخري بعض أبواب من هذا الكتاب النفيس . وأنا لنرجو أن نوفق لطبعه وتعميمه في يوم قريب .
بيت المقدس

