إن المنتجات الخشبية أي الآثاث والأدوات وغيرها من الأشياء المصنوعة من الخشب لا تتجاوز في مقدارها ثلث الخشب المكون للأشجار التي قطعت لتصنع منها تلك المواد الخشبية ، أما الثلثان الباقيان فيضيعان هدرا ويذهبان هباء ، في اللحاء ( القشر ) وفي النشارة والساحة ، وفي القطع الصغيرة التي تتخلف في الأطراف ، وعند تشكيل الخشب علي الصورة المطلوبة ، إلي غير ذلك .
وقد كانت أغلبية هذه المتخلفات لا ينتفع بها إلا في الحريق في بعض المصانع والأفران بنسب ضئيلة ، أما الباقي فكانت تضيق به مصانع الخشب ذرعا ، وتعد لحرقه حفرا وأفرانا خاصة تشتغل ليلا ونهارا لتخلص المصنع من هذا الحمل الثقيل .
أما اليوم فقد تغيرت الحال وأصبحت تلك الفضلات الخشبية علي جانب عظيم من الأهمية ، وقل بالتدريج ما يحرق منها ، واصبحت تستخدم في الصناعات فتستحيل إلي مواد نافعة كما سنبينه بعد ، بحيث أصبح استخدام مثل تلك الفضلات في الحريق ، حتى في مصانع الخشب نفسها ، سفها اقتصاديا ، ولذا تفضل هذه المصانع ان تشتري وقودا آخر لتنتفع بتلك المخلفات الخشبية انتفاعا يدر عليها ربحا وافرا
خذ مثلا لذلك النشارة التي يستحيل اليها نحو 13 % من الكتل الخشبية التي تتولي قطعها ونشرها الآلات المخصصة لذلك ، هذه النشارة التي كان تراكمها يضايق مصانع الخشب كما قدمنا ، قد اكتشفت لها استعمالات قيمة ، فيها أمكن صنع حامض الاكساليك ، وحامض الخليك ، والكحول المثيلي ، والآثيلي ، وسكر الخشب .
وحديثا أخذت طرق إنتاج سكر الخشب والكحول تلفت النظر ، فهناك عدة عمليات صناعية لاستخراج هاتين المادتين من نشارة الخشب وغيرها من متخلفاته ، وقد تقدمت هذه العمليات في ألمانيا منذ الحرب العالمية الماضية حتى أصبحت من مقومات الإنتاج لهاتين المادتين فيها . وقد فر كثير من رجال تلك الصناعة من المانيا ولجئوا إلي الولايات المتحدة حيث وضعوا تجاربهم تحت تصرف البلاد التى أووا إليها . ومن هذه الطرق والعمليات ما نشأ في الولايات المتحدة من أول الأمر وكان محل دراسة وتعليق واهتمام
خذ مثلا آخر اللحاء ( القشرة ) فلم يكن يعرف أحد له فائدة الم إلا استخدام بعض أنواعه من قديم الزمان في استخراج العفص المستعمل في الدباغة ، وفيما عدا ذلك كان يلقي به في المهملات ؛ إلا انه منذ عامين أو ثلاثة خطر ببال أحد رجال صناعة الخشب الأحمر في كاليفورنيا ان يستخدم
لحاء هذا الخشب في صنع مادة عازلة ، وسخر لذلك بعض الباحثين من الكيمائيين ليحققوا له غرضه ، وقد ابتكروا بالفعل عملية يفتتون بواسطتها هذا اللحاء بالفرقعة وتم لهم بها ما أرادوا تحقيقه
إلا أن الطريف في المسألة أنهم حصلوا بصفة عرضية غير متوقعة على نتاج ثانوي اخر ، وهو الياف قد امكن استخدامها في النسيج ، وقد فحصت عينات القماش الذي امكن إنتاجه بخلط هذه الألياف القشرية مع بعض انواع الصوف بنسبة تتراوح بين ٢٥ إلي ٥٠ في المائة من الاول وبين ٧٥ و ٥٠ في المائة من الثاني - فحصت هذه العينات فوجدت من حيث الدفء ، كالمنسوجات الصوفية الخالصة ، وهي تمتاز برخص ثمنها ؟ وقد اهتمت الحكومة الأمريكية بهذه النتيجة اكبر اهتمام لتستعين بها في حل مشكلة كساء الملايين من جنود الجيش
ومما هو جدير بالملاحظة ان الصوف الخالص الذي تنتجه امريكا الشمالية والجنوبية سنويا يبلغ وزنه نحو مليون ونصف مليون من الارطال ، بينما إذا استخرجت الالياف اللحائية التي يحتويها كل الخشب الأحمر الذي يستخدم في صنع الالواح الخشبية ، وحولت إلي نسيج فإنها تضيف إلي مادة النسيج الخام بأمريكا سنويا ما زنته نحو ١٢٠ مليونا من الأرطال .
هذا عن تحويل متخلفات الخشب إلي مواد أخري نافعة . وهناك طرق عملية ابتكرت للانتفاع بالخشب من غير محويل في مادته ، وإنما بإحداث محويل في صورته بواسطة الضغط العالي .
ففي إحدي هذه العمليات تسحق النشارة والمساحة والقطع الصغيرة حتى تصير مسحوقا ناعما يزج به بطريقة ميكانيكية في جهاز يعرضه لضغط يبلغ نحو عشرين الف رطل على البوصة المربعة ، فيحيل هذا المسحوق الناعم إلى
كتل كثيفة متماسكة ، تكون في الغالب علي شكل قوالب أسطوانية قطرها نحو أربع بوصات ، وطولها نحو ١٢ بوصة ، تستخدم وقودا جيدا في مواقد التدفئة بالمنازل ومواقد الطبخ وغيرها ، بدلا من الفحم ومن الخشب العادي .
وهذه القوالب تمتاز بسهولة تناولها ونظافتها ، وقلة الرماد المتخلف عن احتراقها ، ويصدر عن الرطل منها من الحرارة ما تبلغ قيمته ما بين ٨٠٠٠ و ١٠٠٠٠ من الوحدات الحرارية (B.T.U) . وبالولايات المتحدة عدة مصانع لهذه القوالب ، وعليها طلب كثير ، لان الناس تهافت على استخدامها لمزاياها تلك
وفي عملية أخري يحول الخشب وفضلاته بالضغط إلى ألواح وصفائح صلبة جامدة قوية تستخدم في البناء ، ويستهلك منها سنويا ملايين من الأقدام المربعة ، أغلبها يبلغ سمكه 1/8 البوصة ، وإن كان من السهل لحم الطبقات بعضها فوق بعض ، حتى تتكون الشرائح المطلوبة من اي سمك يراد
وهذه العملية بدأت كغيرها من العمليات بقصد استخدام التخلفات العادمة التي كانت تتراكم في المصانع ، التى تشتغل في خشب الصنوبر ، ولكنها قد اتسعت الأن اتساعا عظيما ، بحيث يجلب لها الخشب الخام بدلا من الاقتصار على مخلفاته ؛ ولذلك فإن اصحاب تلك الصانع يطلبون ويشجعون زرع الغابات ليضمنوا على الدوام موارد خشبية لصناعتهم
وفي هذه العملية أيضا يفتت الخشب قطعا صغيرة ، وهذه القطع تتعرض لفرقعة بواسطة ضغط البخار ) البالغ1000 رطل على البوصة المربعة ( فيحيلها إلي ألياف رفيعة متناثرة ، تنظف وتكرر ، ثم تكبس تحت تأثير الحرارة والضغط فتتحول إلي شرائح أو صفائح كما قدمنا .

