جاءت مدام دى ستال فى فجر الحركة الرومانتيكية الفرنسية . وإذا أخذنا بالتقسيم الذى وضعه مؤرخو الأدب الفرنسى فيما يتعلق بالحركات الرومانتيكية فإنها توضع فى أولى هذه الحركات . وإذا عرفنا ما كانت تقتضيه هذه الفترة المبكرة فى حياة الأدب الرومانتيكى من العمل والتأليف لقلنا إنها أنسب الشخصيات لتلك الآونة وأليقها بذلك العهد .
فالحركة الرومانتيكية مقسمة إلى ثلاث فترات : أولاها هو تلك التى ظهرت فيها مدام دى ستال ( ١٧٦٦ - ١٨١٧ ) ، والثانية هى التى تزعمها فكتور هوجو من عام ١٨٢٠ حتى ١٨٣٠ ، والثالثة تنتهى عقب ذلك فى سنة ١٨٥٠ تقريبا . أما عن الفترة الثانية ، فقد حاول شعراؤها ، وعلى رأسهم هوجو ، أن يجددوا فى أساليب المسرح ، وأن يعمقوا فى
طبيعة الشعر ، وأن يضعوا للنثر أصولا ويحددوه باتجاهات خاصة . وفى الفترة الثالثة تحدد المحتوى العام فى المؤلفات الأدبية ، وقامت فلسفة للحركة الرومانتيكية ، وتوطدت دعائم المجتمع فى نفسية الأديب . فإذا عدنا نتأمل الفترة الأولى ، أعنى تلك الفترة التى ظهرت فيها مدام دى ستال ، فإننا سنجدها من أغرب الفترات فى تاريخ الحركات الانتقالية ، وسنتعرف فيها على الخصائص التى لا تستدعى ظهور الأدباء الأصلاء بقدر ما تستلزم وجود الداعمين والمحركين الاجتماعيين .
ونحن نعلم أنه فى زمن مقارب لتلك الفترة أو قبيل انتهاء القرن الثامن عشر على وجه التحديد ، هب لنج فى ألمانيا وانهال بالتجريح والنقد على مذاهب الفن والشعر والتصوير
والكتابة المسرحية حتى اقتلعها من جذورها وجعلها كالريشة فى مهب الرياح ، على الرغم مما قوبل به من كراهية بالغة ومحاربة شديدة وإنكار شنيع . وفى انجلترا عرفت الآداب هازلت وتأثرت به بتحفظ شديد ، ولكن هذا التحفظ لا يجعلنا نغفل أثره الكبير فى الآداب الإنجليزية عند بدء القرن التاسع عشر . واتجاهه فى مقاومة التراث الفنى التقليدى يظهر لنا بوضوح واختصار فى مقاله المشهور عن الأسلوب الأليف ، حيث يصارح الكتاب بأن عجزهم هو الذى يجعلهم يمشون فى ركاب المتقدمين ، وأنهم يحتمون فى الألفاظ من أجل التهرب من المعانى التى تفضح جهلهم وتكشف عن عجزهم .
أما فى فرنسا فقد امتاز الفن التقليدى برونق وجمال ، وبحلاوة وطلاوة ، وبأصالة واكتمال جعل من الصعب على المجددين أن يشقوا طريقهم ويؤثروا فى بيئتهم مثلما فعل أندادهم فى كل من ألمانيا وانجلترا . بل إن مميزات الفن التقليدى تعدت حينذاك حدود بلادهم إلى ما يجاورها ، ولم يقتصر ضغطها على الأدب الفرنسى وحده . فانتشار الأدب الرومانتيكى فى فرنسا لم يكن بنفس السهولة والسرعة التى صادفها فى ألمانيا وانجلترا بسبب القوة والنفوذ الواسع الذى كان يتمتع به الأدب القديم فى فرنسا بالذات . ولكن السياسة لم تمهلهم كثيرا ، وانبعث من جوف الثورة الفرنسية والروح العامة ما أعان الأدباء الرومانتيكيين على البزوغ ، وما مهد لآدابهم سبل التغلب والانتصار . ومن هنا ذهب الفيلسوف الإنجليزى المعاصر برتراند رسل فى كتابه عن تاريخ الفلسفة الغربية إلى أن السياسة كانت أصلا للأنماط الرومانتيكية التى ظهرت هنالك . وأنها لعبت الدور الأول فى تأييد شعرائها .
وفى هذا الجو عملت مدام دى ستال . فنبهت أولا إلى أن الحاجة إلى تغيير المشارب والأذواق أكبر من الحاجة إلى تقديم عمل فنى ممتلىء بالعناصر الجديدة ومحشو بالخصائص المستحدثة . واستطاعت أن تدرك حقيقة المشكلة التى يعانيها الشعر ، فلم تأل جهدا من أجل توجيه الأنظار إلى مهمة الشاعر الأصيلة تبعا للتغيرات التى حصلت من حوله فى المجرى اليومى للحياة . ليس هذا كل ما فى الأمر ؛ وإنما أمكنها من
ناحية أخرى أن تفهم خطورة التأثير الأجنبى على الأدب المحلى وأن تعرف أوجه الاستفادة من آداب الألمان ؛ فإذا كان روسو هو صاحب الفضل الأول فى توجيه الفرنسيين نحو آداب الإنجليز فمدام دى ستال هى صاحبة الفضل الأول فى توجيه الفرنسيين نحو أدب الألمان .
نشأت فى جو من اللفظ والحديث ، وتربت فى صالونات الأدب على قوم من الأعلام الذين كانوا يترددون بانتظام على بيت أبيها . فتعلمت الكلام والجدل أكثر مما تعلمت أى شئ آخر ، ولم تستحوذ على القدرة الكتابية التى تؤهلها للارتفاع عن درجة البسطاء من محترفى الأدب . وهى تشيد عادة بهذه الملكة - ملكة التحدث إلى الناس - وتعتبرها من ضرورات الروح ، وتلتفت إليها دائما فى الشخصيات التى كتبت عنها . بل لقد كانت المقدرة على الكلام غالبة على كل قواها الأخرى ، إلى درجة أفسدت عليها الانتفاع بأشياء كثيرة وأدهشت الذين اتصلوا بها من كبار الكتاب .
مثال ذلك ما حدث عندما التقت بجوته . ويحكى أنها ذهبت إلى ألمانيا فجالست مرة الفيلسوف فخته وسألته أن يعطيها لمحة عن مذهبه فى ( الأنا ) بصورة موجزة . فأخذ الرجل فى الكلام بلغة فرنسية متهالكة ؛ ولم يكد يمضى من الوقت عشر دقائق حتى فاجأته بقولها : (( هذا يكفينى يا سيدى ، لقد فهمت . لقد ارتسم مذهك فى عقلى . إنه نوع من إسقاط الذات ... )) وهنا بهت الرجل وحملق فى المخلوقة التى لا تستطيع أن تنسى أنها من باريس .
ولكن الحركة الرومانتيكية كانت أحوج إلى هذه المخلوقة من أى إنسان سواها ، وكان يلزمها الكثير من هذه الطباع والأخلاق . فلا بد دائما فى بدء النهضات الفنية أن تصاحب العوامل الاجتماعية والعناصر الحيوية عمل الأديب ، وتزامله فى اتجاهه ، حتى لا يكون هناك تردد أو تأخر عند بعض الطوائف . إن الشعر يتأثر بالارتقاء العلمى والصناعى والتجارى ولا يقتصر على مجالات الروح من ناحية المجاوبة والاتفاق . ومن هنا آمنت مدام دى ستال بأن التقدم الملحوظ فى ميدان العلم الخالص كفيل بإحداث تغيير جوهرى فى طبيعة الفن الشعرى . والمظاهر الروحية من أى نوع إنما تخضع فى تكوينها وتطورها للعوامل المادية .
ومما لا شك فيه أن الخيال يتعرض فى هذه الأثناء لمضاعفات كثيرة وأنه يخسر ما من شأنه أن ينضم إلى الجانب العقلى فى الحياة . بيد أن الشعر ليس خيالا فحسب ، وإنما هو مزاج من العقل والنفس والحساسية والأخلاق كما جاء على لسانها فى مقدمة الطبعة الثانية من كتابها عن الأدب .
فمن هذا كله نرى أن مدام دى ستال كانت أول من واجه العاصفة بين الرومانتيكيين ، وأنها نقطة الفصل بين تاريخين أو بين عهدين من العهود الأدبية . وكان من الضرورى بالتالى أن تناقش مسألة القديم والجديد . وفهمها لهذه النقطة من أدق وأخطر ما ظهر فى تاريخ الأدب العالمى ، وليس فى تاريخ الأدب الفرنسى وحده . هذا مع أنها هى نفسها لم تكن جديدة فى أعمالها الفنية إلى الحد الذى نتصور أن تكون عليه زعيمة لنهضة من النهضات . وحينما تعرضت للشعر القديم وصفته بأنه شعر ممتاز حقا من ناحية معينة ، وهى تلك الناحية الخاصة بالوصف الحى للأشياء الخارجية .
أما الشعر الحديث فقد برز من الجانب الحركى فى الروح الباطنة ، ومن الوجه العاطفى للعقلية الكامنة . وتمخضت دراساتها الخاصة ومباحثها فى الآداب الألمانية ونصوصها الشعرية عن رأى خاص بها فى فن الشعر نحن أحوج ما نكون إليه فى هذه الفترة من حياتنا الأدبية حيث زاغت أمام عيوننا الحقائق وبارت فى أيدينا المقاييس . قالت : إن الشعر الحق لا يكون عادة فى النظم مهما كانت درجة اتساقه ، ومهما بلغت الروعة فى نسجه ، ومهما عظم الكمال فى تركيبه . إذ ليس الشعر غير حالة داخلية فى القلب ، وهذه الحالة قد تقبل أن تمتثل فى كلام وأن تصاغ فى عبارة وقد لا تقبل ، ويمكن ترجمتها فى قالب شعرى أو فى أسلوب منثور ، وقد يبلغ النثر فى التعبير عنها مرتبة لا يتوصل إليها القريض .
والشعر عندها تقديس للشعور أو تبجيل للعاطفة . وكما يتوصل الإنسان إلى الحالة الشعرية عليه أن يطير فى الأجواء الأثيرية بواسطة الأحلام ، ناسيا ضجيج الأرض ومنصتا لانسجام السماء ، وناظرا إلى الكون بأكمله على أنه رمز لانفعالات الروح . والموضوع الأبدى فى تفكير الشاعر هو مشكلة المصير الإنسانى ، ومن ثم فقد كان من
طبيعة الشعر أن يعطى طابع الزمانية لتلك اللحظة الرفيعة التى يرتفع فيها البشر فوق الآلام واللذائذ فى الحياة . فالتجربة الشعرية إذا حالة من حالات الابتهاج خصوصا ؛ وإذا اتسمت العبقرية الشعرية بشىء فإنما تتسم بالطابع الروحى والمشرب الوجدانى . ويتكون الشعر عامة من استخلاص العاطفة السجينة فى قرار النفس البشرية ، وترجمة المشاعر الحية العميقة ترجمة طبيعية لا تكلف فيها .
وكانت تؤمن فضلا عن ذلك بأن الشعر لا يحسن بالبراعة فى نظمه والجودة فى تأليفه بقدر ما يعلو على حساب الروح المستعرة فى أطنابه ، والحساسية المرهفة بين أنغامه . ولذلك اعتقدت فى اتجاهها النقدى بأن المكانة الأولى فى نظم الشعر للخيال . وكان عملها ذلك رد فعل مباشر لحالة الشعر فى الزمن السابق عليها وللخطة التى انتهجها بوالو Boileau فى كتابه عن فن الشعر حيث خلط بين الشعر كعمل أدبى والشعر كنظم لغوى . وقد دفعها منطق الفكرة التى سعت من أجل توطيدها فى النقد إلى أن تعلن شيئا ذا خطر ، وهو تفضيلها للشعر الغنائى على كافة أنواع الشعر الأخرى ، وانتهى الأمر بها إلى حد الاعتقاد بأن هذا الضرب وحده هو الذى يمكن أن يتسمى بالشعر .
والحركة النقدية التى تذكر بها مدام دى ستال فى تاريخ الأدب الفرنسى هي حركة من طراز فريد ، ومن نوع خاص يلائم البيئة التى نشأت فيها والظروف التى كانت تحيط بها والآراء السائدة فى ذلك الوقت . وهى بالإضافة إلى هذا حركة واعية تقوم على أساس من فهمها للشعر ، ولا تكاد تنفصل عن إدراكها لحقيقة الفن الأدبى . وقد جرها إلى هذا الموقف رأيها فى أن الشعر فن لا يقف عند حد ، ولا ينتهى إلى وضع ، ولا يبقى على حال ، وإنما هو فن متأثر بالأحوال الخاصة وبالأجواء المحيطة ، وينبع من صميم البناء الحيوى فى الأفراد . ومن هنا تقول إن الشعر من عمل الناس فى بيئة معينة وفى عصور معينة . وإذا كان الأمر كذلك ، فهو متقلب متغير ، محكوم عليه بالتحول والتطور ، خاضع لسنن الحياة فى الاختلاف الذى ينشأ عن سير الزمن ونمو الحياة . وشأن الشعر فى هذا بطبيعة الحال
شأن كل المظاهر الحيوية وشأن الفنون الأخرى فى المجالات المتباينة .
ولما كان الأمر فى اعتقادها على هذا النحو ، فقد آمنت بعد هذا بأن النقد الأدبى هو الآخر لا يكون خاضعا للقواعد التقليدية والأصول النظرية الموضوعة . فالنقد قائم على أساس العمل الأدبى ، والعمل الأدبى غير ثابت على حال أو راكد عند مرحلة ، فلا بد إذا من أن يتأثر النقد أيضا بالمحيط المتجدد بتجدد الأيام والثقافات والأذواق . النقد خاضع لما يصيب الشعر ، والشعر متغيرا بتغير الأحوال والمقامات ؛ فالنقد هو الآخر لا يمكن أن يكون جامدا إلى الأبد . إن الشعر فى رأيها كما ذكرنا يعتمد كلية على الأخلاق العامة والسياسة القائمة والروح الشائعة . وكذلك يقوم النقد على كل هذه العوامل والعناصر الفعالة فى ضمير الهيئة الاجتماعية .
وهذا طبيعى جدا من ناحيتها بإزاء الانحلال الذى تبدى لها فى النقد الأدبى حيال أعمال الأقدمين . لقد كتموا أنفاس العمل الأدبى بمجموعة من الأصول والأحكام القديمة ، وضغطوا على روح الشعر بالأنظار التقليدية العتيقة . فلم تشأ مدام دى ستال أن تترك النقد الأدبى فى تلك الصورة من الهبوط والتلف ، وأرادت أن تنقذه من مهاوى التأخر والتفكك . إذ كانت موقنة بأن ترقية الأداة الناقدة سيؤدى بدوره إلى إنعاش الفكرة العامة للأدب وإصلاح الخطوط الوضعية للأعمال الشعرية . بل ذهبت إلى أبعد من هذا ، فزعمت أن أى حركة تقدمية فى العمل الأدبى لا تستند إلى حركة مماثلة لها فى الجانب النقدى الخالص ، من شأنها غالبا أن تضيع بين صرخات الدعاة المغرضين . وأفادها الذكاء فى اتجاهها هذا بحيث استطاعت أن تدرك ما ينبغى لها وسط هذه التيارات المتزاحمة ، عرفت أنه من الضرورى بالنسبة إليها أن تبدأ من الواقع وألا تكتفى بكونها من أصحاب النظريات ، فبدأت تشتق أصولها النقدية من الأعمال الأدبية ، وجعلت تتحسس الجمال فى مواطن الإبداع من دواوين الشعر بغير ارتكان إلى قاعدة معروفة وبغير احتكام إلى شىء آخر سوى الذوق والإحساس البريئين . ولم تكن تأبه - فى خطتها هذه - لما يظهر من التفاوت بين فهمها للعمل الأدبى وفهم الأقدمين له .
ولكننى فى النهاية لا أستطيع أن أنكر شيئا ذا بال فى هذا المقام ، وهو أنه إذا كان لمدام دى ستال أى أثر فى المجال الأدبى فقد رجع ذلك إلى شخصيتها أكثر مما رجع إلى آرائها ، وكان نجاحها من أثرها فى الكلام أروع من نجاحها عن طريق القلم والبيان . لقد كانت مثال الداعية الممتازة فى الحركات التجديدية . فإذا عرفت أن الأدب ككل شىء محتاج إلى الفهم والتجاوب وعرفت أن الفهم والتجاوب لا يحصلان بغير الترديد المتصل والتذكير الدائم تيقنت من خطورة هذه المرأة فى تلك الفترة من فترات الأدب الفرنسى . كانت آراؤها جديدة وغريبة فى آن معا ، فلا بد من الدعاية القوية بالنسبة إليها حتى تثبت آراؤها فى الأذهان وحتى تستسيغ مشارب الناس أقوالها ومزاعمها .
ولم يكن يمكن أن يحل محل هذه المرأة إنسان آخر . فإذا كانت اليوم مطموسة الأثر ، غير بادية القيمة ، فذلك لأن خطورتها فى مجال الحديث والمشافهة أبرز من خطورتها فى مجالات التسطير والتحبير . كانت تبلغ فى مقدرتها الكلامية حد السحر ، وترتفع فى ملكة المحادثة إلى درجة الإعجاز . قالت مدام دى تسى : (( لو كنت ملكة لأمرت مدام دى ستال بأن تكلمنى دائما . )) وكانت تدرك قيمة هذه الموهبة فى نفسها من ناحية الأثر الشخصى الذى تحدثه عند من يجالسها ، فأفردت لها كثيرا من اهتمامها وعنايتها ، ووقفت عليها صفحات من التحليل الرائع . واستطاعت أن تستغل هذه القوة لإذاعة أفكارها النقدية وأصولها النظرية فى فنون الأدب . فاستفادت الحركة الرومانتيكية من هذه الموهبة أضعاف ما استفادته من شرحها واتجاهها الأدبى .
وكانت تجمع إلى هذه المقدرة روحا مزدانة بالثورة والحماس وقلبا مفعما بالمثالية والبطولة . واتصفت بنوع من الجرأة النادرة ، واستسلمت لموجة من الإيمان بالخير والحق إلى درجة كبيرة ، بحيث أمكنها أن تقف دائما فى وجه المظالم والمطامع . . . فأسبغ هذا كله على أسلوبها فى الكلام ضربا من الفدائية والجمال الذى لا يكاد يبلغ نفوس السامعين حتى يؤمنوا بما تقول ويتحمسوا له أشد الحماس .

