فرغت من الطعام . والنوم أثقل ما يكون عندي بعد الطعام . فطلبت من صاحبتي - بل زوجتي دفعا للظنون الشاردة - طلبت منها شيئا أقرؤه ، فدفعت إلي بكتاب ، فتحته ، فعلمت أنه مما يجهد به عقل المستيقظ صباحا ، فكيف بالنعسان مساء ؟ فلما استزدتها ، دفعت إلي بما زعمت انه شئ في القراءة خفيف . انه مما ينام المرء عليه ، فكان هذه القصة ؛ اقصها بمقدار ما بقي منها في راسي :
كان اسمها " دولور " ، وكانت قليلة صغيرة ، ولكن كان بين أعضائها تناسب قل أن تجده في الطوال الجسام . كانت دمية جميلة ، كأنما صغرها الصانع ليحسن صنعها ، فلما صنعها أدقها وأجلسها ، فجاءت كالتي قال فيها الشاعر : " ما كان أكثرها لنا وأقلها "
وكانت تسكن مرسيليا . وذلك عام ١٩١٥ ، والحرب الماضية قائمة
ولم يدر أحد من هي ، ولا ما هي . وكانت تتردد على حانة قرب الميناء القديم حيث يتردد الغادون من البحارة والرائحون . وظهرت يوما في هذه الحانة مع ضابط ياباني ، كان مثلها قليلا وسيما . وما أسرع ما انضم إليهما اثنان من ضباط اليابان أيضا ، نظر إليهم البحارة الفرنسيون فعرفوا هويتهم من كثرة ترددهما على بحار الشرق الاقصى . قال أحدهما لأخيه : إنهم من رجال " أينومارو " ، وهي سفينة تجارية موطنها يوكوهاما . فسأله صاحبه : ومن تكون هذه المرأة الفرنسية التي معهم ؟ فقال : إنها ليست فرنسية ، ففي لهجتها دليل على عجمتها ، وهي تقول إنها أسبانية ، لا من اسبان أوربا ، ولكن أسبان أمريكا .
إنها من شيلي .
ويغيب اليابانيون عن مرسيليا الأسابيع . فإذا حضروا ، حضروا إلى تلك الحانة دائما ابدا ، وحضر ذلك الياباني الوسيم يلقي صاحبته في اليوم مرتين .
ورحل الياباني عن صاحبته مرة ، فمر بها صبي فرنسي عابث فقال لها : ماذا تصنع مدام ميكادو بعد صاحبها الراحل ؟ فلصق بها هذا الاسم من يومذاك حتى ناداها به كل أحد .
وكانت قليلة الكلام مع رواد الدار ، ولكنها كانت كثيرته مع ربتها وأجرائها . ويحاول الرجال الفرنسيون أن يحلوا عندها مكان صاحبها الراحل ، فيلقون منها صمتا تلزمه ، وصدغا تشبحه ، دون أن يتكدر وجهها . لقد أخلصت للياباني حتى حسب الكثيرون ان هذا الذي أسموها إياه هو اسمها حقا ، وان صاحبها ليس بصاحب بل زوج.
وكانت تخرج احيانا عن جيرة الميناء ، فتذهب إلى دار من دور صحف مرسيليا مرة ، وإلى دار صحيفة كبرى أخري مرة أخري . وكانت تلقى إلي صاحب الإعلانات باعلان تريد نشره في الصحيفة في عمود الشخصيات ، وكانت أكثر ما تنشر : " فكتوريا تقوم بقضاء إجازتها يوم الخميس . انتظروها على المحطة " او " انتظروا إسكندر صباح السبت " أو " ارجع حالا " وكانت تمضي دائما باسم ريتا . وكثيرا ما تحدث إليها صاحب الإعلانات ، فكانت تقول له إن اكثر أهلها يسكنون أسبانيا ، وانهم تجار رحل ، وانها لم تجد طريقة سريعة تصلها بهم غير هذه إذا بغتها امر باغت .
قالت : " إن صحف مرسيليا تذهب إلي كل بلد في أسبانيا تقريبا ؛ فعن طريق هذه الصحف يصل إلى أهلى ما أريد ، ويصل اسرع من خطاب ارسله ، لا يبلغ البلد الذي أريد حتى يكونوا هم قد غادروه ".
كلام معقول . ولقد زاد في معقوليته عند سامعيه أنهم لم يدروا ان هذه المرأة الشابة الجميلة لم يأتها كتاب واحد جوابا عن كل هذه الرسالات التي تبعث بها . وزاد في معقوليته عن سامعيه انهم لم يدروا ان هذه المرأة الشابة الجميلة ، التي تمضي باسم " ريتا " كان لها اسم اخر في بيئتها التي تعيش فيها عند الميناء - " دولور " واطمأن إليها البحارة في الحانة ، فكان كلما ذهب عن مرسيليا منهم ذاهب قال لها مودعا : لن ترين أحدا منا غدا ، فنحن راحلون .
دولور: اترحل بعيدا ؟ . . البحار : نعم إلي الأرجنتين ، نأتي بلحوم كثيرة . ويسر إليها آخر : إلى سالونيكا ، تحمل إليها المؤن والذخيرة فترد عليهم مبتسمة : " بون فوا ياج ! " لا تنسوا مدام ميكادو! . فيجيبونها ضاحكين : لا خوف من هذا أبدا . . فتقول لهم: وافتحوا أعينكم للغواصات . إني سأدعو القديسة مارية أن تقيكم شر البحار .
ويخرجون إلي البحر فلا يكاد يرجع منهم راجع . وذات يوم اعلنت هذه الفتاة في أصدقائها انها ذاهبة عن مرسيليا لبضعة أسابيع . قالت : " إن إحدي بنات عماتي مريضة ببلنسية . وهي التي ربتني ونشأتني . وإني لأ كره ان تموت ولا أراها " . .
فانعقد رأي أصحابها على أن دولور لها قلب عطوف حقا . ولم يودعها احد عند المحطة ؛ لهذا غاب عنهم ان دولور ، لكى تذهب جنوبا إلى بالنسبة ، إنما أخذت تذكرة سفر تؤدي بها شمالا بغرب إلي "بوردو " ، لتذهب من بعدها جنوبا إلى " بايون " قرب الحدود الأسبانية .
وفي " بوردو " دخلت قطار " بايون " في الدرجة الأولى ولم يكن بالصالون غير رجل واحد . وكانت تحمل متاعا كثيرا ، فأعانها على رفعه إلى الرف ؛ حتى إذا هم يحمل
آخر شئ في المتاع ، قالت له باسمة : لا . وشكرا ، فهذا سأبقية إلى جانبي .
وكان هذا الشئ الأخير علبة ، تراءت كأنها علبة مصوغات وجواهر .
وخلعت قبعتها ، فعرف الرجل من شعرها الأسود الفاحم انها اسبانية حقا . وعرف من مشطين في شعرها ترصعا بالماس أنها قطلانية
وجري القطار في سبيله . وانتحت دولور ركبتها ، وسكنت حتى كادت تنام . ثم انتبهت وأخرجت من علبتها كراسة صغيرة اخذت تقرأ فيها . ولمح الرجل الكراسة غير عامد فوجد بها اعمدة من ارقام وكان بالمصادفة رجلا من رجال البوليس السري ، فتنبه . واخذت دولور تقرأ صحيفة اليوم وتقرأ كراستها معها. ونظر صاحبنا إلى ما تقرأ فوجد انها صفحة الاخبار . فلم يدر ما علاقة كراسة امرأة بصفحة أخبار.
ولم تتكلم ، فلم يشأ الرجل أن يفاتحها بالكلام . ولولا حر المكان لبلغ كلاهما غايته دون ان ينبس احدهما بكلمة . ولكن ضاقت صاحبتنا بالحر الشديد ، فرجت من صاحبها أن يفتح النافذة ، ففتحها زاعما انه هو ايضا ضاق بالحر الشديد . وبدأ الحديث الذي وده الرجل ولم يجد إليه من سبيل .
قال الرجل : اني ذاهب إلى قريب يسكن في جبال البيرنيه ، لأقضي عنده أياما
وتحدث الرجل في شئ من إسهاب . والثقة تغري بالثقة . ففاضت الفتاة أيضا
دولور : وأنا ايضا بقيت على الساحل الجنوبي الفرنسي زمانا طويلا ، إلى جانب ابنة عم لي مريضة . ولكن طال مرضها فلم اطق صبرا ، وانا ذاهبة إلى والدي ببلنسية ، فهما في حاجة إلي وأسهبت بعض الشئ
سمع الرجل القصة ، فوجدها قصة بريئة ، لولا هناتين
صغيرتين تراءي لعقله البوليسي أنهما لا تلتئمان تماما مع سائر القصة . وساقته عادته الشريرة إلى أن يعلم فوق ما علم ، وحاول أن يعلم فلم يفز بطائل . ومضت ساعة ، فقامت الفتاة إلي حيث الماء والزينة من القطار . والتقطت كيس زينتها النقاط عادة ، فغفلت عن علبتها
وما خرجت عن الصالون ، حتى انقض الرجل على العلبة ، ففتحها ليري ما بها . فلم يجد بادي الامر شيئا ذا بال - أعدادا من صحف قد طويت وصفت في عناية زائدة . وفتح احداها فلم يجد بها من الأخبار إلا كل عادي . فلما أراد طيها وقع نظره على عمود الشخصيات ، فوجد على سطر منه علامة زرقاء . وقرأ السطر فإذا به : " انا في انتظار اسكندر في صبيحة السبت - ريتا "
ولم يستطع الرجل أن يري فوق الذي رأي ، فقد خشي عودة الفتاة . فأعاد كل شئ إلي مكانه .
وعادت الفتاة فاحتلت مكانها الأول . فسألها الرجل في التدخين ، فأذنت له باسمة . فعرض عليها سيجارة ، فترددت في قبولها برهة ، ثم عادت فقبلتها . وأشعل لها السيجارة فأخذت منها بضعة أنفاس . وسقطت حيث هي من المقعد ، وأخذت تتنفس عميقا تنفس النائم . لقد فعل المخدر فعلته ، وفعلها سريعا
ففتح الرجل العلبة وأخذ ينظر كل ما بها ، فلم يجد إلا أنها احتوت صحفا احتوت جميعها إعلانا شخصيا وضعت الفتاة أمامه علامة . وحاول أن يفهم لهذه الاعلانات معنى فلم يفلح . فلابد ان مفتاح حلها بتلك الكراسة الصغيرة والمخدر لا يبقى أثره أكثر من نصف ساعة ، والقطار لعله بالغ غايته قريبا . فأنزل على النافذة ستارها
ومن الكراسة عرف بعد شئ من الجهد معني اسكندر ، ومعنى فكتوريا ، ومعنى كثير غيرها من أسماء إنما قصد بها إلى أسماء سفن كانت تبحر من مرسيليا اتضح له الأمر اتضاحا غريبا . إن الرقيب جري بقلمه
الأحمر على كل شئ في الجريدة ، إلا خانة الشخصيات . فاستفاد من ذلك الألمان ، فأقاموا وكلاءهم في الموانئ الأسبانية يتلقون الجرائد بالذي بها من حركة السفن ، وعندئذ يرسلون بها إلى غواصاتهم
ونظر الرجل إلى ساعته . فوجد أن القطار بالغ بايون بعد خمس دقائق . فخرج إلى سلم العربة ، واستعد للنط إلي الرصيف عندما يهدأ القطار للوقوف . وكانت صاحبته بدأت تخرج من غيبوبتها ، ولكنه علم انها لن تستيقظ تماما إلا بعد حين
واستيقظت " دولور " من سباتها ، وأخذت تفرك جفونها ، وتفتحها على مرأي مزعج أي ازعاج . قال البوليس : هيا يا سيدتي أرينا ما لديك من متاع
وقعت دولور الجميلة في الفخ أخيرا - مدام ميكادو . ولم تبح باسم أحد من أعوانها وحسبوا الحسبة فوجدوا أنها تسببت في إغراق ثمانين سفينة برجالها
أما الياباني فلم يكن يعلم أن صاحبته تحيا حياتين وأما الحلفاء فقد أفادوا من جراء هذا الحادث ، حادث الحرب الماضية ، في هذه الحرب الحاضرة . فالتفتوا إلى خانة الشخصيات التفاتا خاصا . وزادوا ، فضيقوا تداول الصحف بين بلد وبلد حتى لا تتداول بينها الاخبار ، مما يجعل حركات السفن أو حركات الجيوش في خطر
قرأت هذه القصة فنمت حقا . وما هي بالشئ المقروء الذي أطلبه تعمدا والنهار في إبانه ، أو والوقت ذو قيمة . ولكنها شئ ادى غايته التي طلبت منه - النوم . ومن القراءة ما يطلب للتثقف . ومنها ما يطلب للأخبار . ومنها ما يطلب للتسلي وقتل الزمان . ومنها ما يطلب للنوم . وليس بعض منها أحقر من بعض ، ما أدى في حياة الناس غرضا
