الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 698 الرجوع إلى "الثقافة"

مدح, طبيب رغم أنفه!!

Share

كان (سجاناريل ) حطابا جافى الطباع غليظ القلب يقضى نهاره فى قطع الأخشاب من الغابات حتى إذا جن عليه المساء عاد إلى كوخه ليقضي ليله فى مشاكسة زوجته ( مارتين ) وضربها ضربا مبرحا على ردفيها . وكثيرا ما كان الجيران بضيقون بهما ويهرعون إليهما كلما ارتفعت أصواتهما ، لكن هذا لم يكن يزيده إلا قسوة عليها وإمعانا فى إيذائها .

وذات يوم رأت رجلين من أتباع ( السيد جيرونت)  بميران بجانب الكوخ وقد بدت عليهما أمارات الارتباك والحيرة فاسترقت السمع فعلمت من تحاورهما أنهما يبحثان عن طبيب ماهر يستطيع شفاء (لوسند ) بنت سيدهما ، إذ انعقد لسانها ولم تعد تقوى على الكلام ، وحار نطر الأطباء فى هذا الداء العضال عندئذ هداها تفكيرها إلي انتهاز هذه الفرصة للانتقام من زوجها ، فما أيسر ما تدلهما عليه كطبيب خير بهذه الأدواء ولن يغنم من وراء ذلك إلا الضرب على ردفية ، وبهذا تذيقه بعض ما يذيقها من أذى . وشاء لها مكرها أن تتحرز من شتى النواحى وأن تتعجل الإيقاع به فى نفس الوقت ، فأنبأت الرجلين بأنها تعرف طيبا كبيرا يدعي " سجاناريل " ولكنه يتظاهر دائما بجهله بالطب ولا يعترف ببراعته فيه إلا إذا ضرب ضربا مبرحا ، وبغير ذلك لا يباشر معالجة مرضاه ولو تقاضى مال قاررون . ويدهش الرجلان ولكنهما وقد يئسا من كل الأطباء لا يجدان مفرا من انتظار هذا الطبيب الكبير حتى إذا لاح لهما بدآ يستعطفانه بالحسنى ليقبل معالجة المريضة ، لكنه يرفض وبممن فى الرفض ثم يحاول إقناعهما بأنه حطاب يحتطب الأخشاب ولا يدرى عن حرفة الطب شيئا ، لكن جهوده تذهب سدى إذ أنهما ينهالان عليه ضربا حتى يضطر - درءا للأذى - إلى الإذعان والاستسلام لهما .

وفى قصر (السيد جيرونت ) وبين إعجاب الحاضرين

بمهارته وإشادتهم بمقدرته وتوقعهم الخير على يديه يبدأ شخص المريضة فيجس يدها تارة ورأسها تارة أخرى وهو حائر لا يدرى ماذا يفعل وماذا يدع ، ويتمنى الفرار لولا خشية الضرب والأذى ، غير أنه وقد بهرته مفاتنها ينساق إلى التأمل فى جمالها فينشرح صدرها ولا تلبث أن ترد بإيجاز على بعض أسئلته فيضج النصر كله فرحا ببداية شفائها وثناء على هذا الطبيب العبقرى الذى حل عقدة لسانها ! فماذا يمنعه إذا - وقد أفلح عن غير قصد - من أن يتمادى فى ادعائه ودخله ما دام الأمر كله موقوفا على جهل الناس أولا وأخيرا ، فليس من الصعب أن يغازل كل مريضة بل أن يتهم بالمرض كل حسناء يريد مغازاتها . . وليس من الصعب أن يهذى بعبارات يزعم أنها لاتيفية ما دام كل ما يملكه الأطباء ان يلهجوا باللاتينية . . وليس من الصعب أن يغرر بمرضاه فيرفض لقاءهم أولا ويساومهم ثانيا ثم يتولى بعد ذلك معالجة من يغلى له الثمن منهم طالما أن هذه الحيلة تضفى عليه مظهرا خادعا وطالما أن الناس لا يفترون ولا يغررون إلا بالمظاهر الخادعة . .

بمثل هذه الأساليب ذاع صيته فى الآفاق ونوافذ المرضى إليه من كل صوب ، غير أنه ظل مع هذا متوجسا خيفة أن يتضح أمر ، إذا لم يفلح فى إتمام شفاء ( لوسند ) لولا أن شابا وسيم الطلعة يطرق بابه فيحسبه مريضا ويتأهب لملاقاته على نحو ما يطفى مرضاء ، لكنه يفاجئه بأنه لا يشكو مرضا كما أن ( لوسند ) لا تشكو مرضا وإنما تتظاهر بذلك لأنها تريد الزواج منه وهو كذلك يريد الزواج منها . ولقد استقر رأيه على الالتجاء إليه ليدبر معه خطة تمكنه من دخول القصر كى بتسنى له الاتصال بها والفرار معها من وجه أبيها الذى يحول دون تحقيق رغبتهما .

وكأنما هبط ( لياندر ) من السماء على ( سجاناريل )

ليخلصه من ورطته التى لا يعلم نتائجها ، ومن ثم يصحبه معه إلى القصر زاعما انه "الصيدلى" الذى سيتولى تحضير دواء (لوسند ) . . وهكذا تنطلى الحيلة على السيد  (جيرونت)  ويهرب العاشقان .

هذا هو موجز الكوميديا الرائعة " طبيب رغم أنفه " التى كتبها " موليير " وأخرجها الأستاذ حمدي غيث وقدمتها فرقة المسرح الحديث فى موسمها الأخير بدار الأوبرا الملكية ، ولست أدرى ماذا أقول وقد سمعت بأذنى تعليقات بعض المتفرجين - والنقاد أيضا على هذه الكوميديا وكلها تفصح عن تعجبهم من أن يكون هذا الموضوع " الناقه" - حسما وصفوه - من إنتاج موليير العظيم . وقيم إذا - كما قالوا - هذا التهافت على التراث الكلاسيكى إذا كان على هذه الوتيرة ؛ وفى الإنتاج الحديث ما هو أ كثر منه امتيازا ، كما ان فى الإنتاج المحلى غناء عنه وهو بعد أحرى بالتشجيع ؟

ويخيل إلى أيضا أنى أرى الآن علامات استفهام كبيرة وكثيرة تحيط بى من كل جانب متسائلة عما فى ذلك الموضوع من دلائل الروعة . . لأنه موليير وكفى ؟ أم لأننا تخشى أن تتهم بالعجز عن إدراك مراميه فنمعن فى الإشادة به ؟ ! الواقع أن الموجز الذى أسلفنه لا يمكن أن يفى بالتنويه أو الإشارة إلى مواطن الامتياز فى هذه الكوميديا لأنها - كسائر كوميدياته - من طراز يستعصى على الإيجاز والتلخيص من جهة ، ولأنه أحد القلائل الأفذاذ الذين نهض منهم على الممارسة العملية نهوضا رئيسيا من جهة أخرى فعلى الرغم من أنه وجد فى عصر يعتمد كتابه على القواعد والمصطلحات ويحتلون التراث الإغريقى والرومانى على الأخص - لهذا السبب - احتذاء آليا ، وعلى الرغم كذلك من أنه استفاد كثيرا من هذا التراث وشارك فى إحيائه فترجم الملحمة الفلسفية للشاعر الرومانى " لوكريتبوس " وامتدت جذوره العقلية إلى أرسطو وأبيقور وتأثر بهذا كله . . إلا أنه ضاق بئزمت نقاد عصره الذين كانوا يحبذون التزام القواعد التزاما حرفيا ويقدسون القوالب الرومانية تقديمسا شديدا ، واختلف بذلك عن معظم معاصريه وسابقيه من كتاب الكوميديا الفرنسية الذين اثروا محاكاة كوميديا بلوتس وتيرنس بالذات ، وحاولوا إنتاج كوميديا مشابهة لها وقصروا جهدهم على إحكام البناء المسرحى ، بينما اثر هو تطوير روايات

(الفارس - المسخرة - Farce) وكذا الكوميديا المرتجلة فأنتج طراز خاصا من الكوميديا يمتاز بمرونة الإطار وبساطة الحوادث وسهولة التناول ، ولا يعنى بالعقدة والحبكة عناية متكلفة . من أجل ذلك يقول جورج ميريديث : " أعتقد أن تلخيص كوميديات موليير أو قراءتها لا يكفى لإظهار قيمتها ، ولا بد من سماع أصوات الممثلين ورؤية إشاراتهم وحركاتهم ليمكن الحكم عليها " .

ولئن كان قد بلغ بطرازه هذا ذروة شاهقة حتى ليجمع النقاد الأوربيون على اعتباره واضع أسس الكوميديا الفرنسية ، بل يذهب كثيرون منهم إلى حد اعتباره خير كتاب المسرح إطلاقا ، فإننا نجد ناقدا كبيرا مثل " ستندال" يتهمه فى كتابه ( راسين وشيكسير ) باللغو والبهرجة والتظرف السخيف وإفراغ المعاني فى قوالب جوفاء . ونجد نقادا كثيرين يتهمونه بالافتعال ويستشهدون على ذلك بنهايات رواياته التى تبدو وكأنها مفتعلة حقا . فالرواية التى نحن بصددها مثلا لا تنتهى فوق خشبة المسرح بهروب العاشقين . وإنما يقطن ( السيد جيرونت ) على أثر هروبهما إلى الخديعة التى وقع فيها فيحتجز الطبيب ( سجاناربل ) فى قصره ويتوعده بالموت ، وتأتى على أثر ذلك زوجته ( مارتين ) لتواسيه فى ساعاته الأخيرة . ولكن العاشقين يعودان فجأة وبلا مسوغ من حوادث الرواية ويعملان على استرضاء ( جيرونت ) وينجو بذلك الطبيب وتسدل الستار !!

لكننا إذا حاولنا الاستقصاء وإمعان النظر تبين لنا من ناحية ثانية أن نقد " ستندال" مشوب بدافع كراهيته - كرومانى - لكتاب القرن السابع عشر جميعا . فالرومانسيون بصفة عامة كانوا متحرفين إلى تحطيم أسلافهم فى كل ضروب النشاط الفنى لاسيما الفن المسرحى الذى امتازوا فيه وامتازوا به . وتبين لنا كذلك أن النهايات المفتعلة فى روايات موليير تعليلات عنى أهمها أنه - لقلة اعتنائه بالشكليات - ينهى روايته حينما ينتهى المعنى الذى قصد إليه ويسدل الستار فى أقرب لحظة يتحيتها بعد ذلك على أى نحو من الأنحاء .

وإذا فالحكم على مثل موليير لا ينبغى أن يلقى جزافا ، وإنما ينبغى أن يحاط بالاحتراس الشديد جدا ، وحسبنا أن نستفيد من إنتاجه ما وسعتنا الاستفادة ، وسبيلنا إلى ذلك

محاولة فهمه لا محاولة نقده بالمعنى المألف لدينا .

ففي روايتنا هذه يحسن بنا - مثلا - أن نحاول الوقوف على الدقائق الكوميدية فيها . وهذا يتطلب أولا أن تحدد خصائص الفن الكوميدى قبل كل شئ . فإن الكوميديا كما تفهمها وكما نكتبها وسيلة من وسائل الإضحاك . بينما تتجاوز هى هذا النطاق تجاوزا شاسعا . وربما كان أعم تعريف لها أنها - كما يقول رينيه ديكون - تعبير مرادف للحياة أو السعادة فيها إذا جار لنا أن نعتبر التراجيديا تعبيرا مرادفا للموت أو الشقاء به . وليس معنى هذا أنها لا تضحكنا ؛ ولكن ينقصنا على الأقل أن نعرف أن للضحك الكوميدى دلالة اجتماعية وأثرا اجتماعيا أيضا . وما الضحك فى عرف " برجسون " إلا حركة اجتماعية تلفت النظر إلى ذهول فى البشر والحوادث وتردع هذا الذهول . وإذا فالضحك الذى تبعثه الكوميديا أو بعبارة أخرى الضحك الإنسانى إنما هو ضرب من العقاب غايته معالجة النقص الفردي أو الجماعى ، ووسيلته إيراز ما فى الأفراد من طبائع وسمات " مضحكة " كالصلابة والآلية والتكرار ، وما إلى ذلك من معوقات التطور والارتقاء فى الحياة .

ونحن إذا نظرنا إلى رواية " طبيب رغم أنفه " على هذا الأساس لوجدنا أن موليير قد استوفى كل خصائصها الكوميدية استيفاء متقطع النظير . فمنذ بداية الرواية إلى نهايتها نجد الذهول والتكرار والآلية بادية فى شخصياتها وفى سلوكهم وفى حوارهم ، حتى لكان هذه الكوميديا لم تكتب إلا تفسيرا لعناصر الضحك الإنسانى .

فهذا السيد ( جبرونت ) ينطلى عليه رجل الطبيب ، فى حين أن تصرفاته مزيفة بدرجة تدعو الساذج إلى الشك فيه . فهو يجس ذراع المريضة بيده ثم يقول : إن نبضها يدل على أنها مريضة بالخرس ؟ ! وعندما يسأل عن تعليل هذا المرض يجيب : " لأنها خرساء لا تتكلم " ؟ ! . . ويستطرد فيقول : " لأن الأبحرة التى فى جوفها تمر من اليسار حيث الكبد إلى اليمين حيث القلب فتؤثر عليه وتصيب اللسان . . الخ " وكم كان موليير بارعا حين ارتفع بهذا المشهد عن السوقية فأنطق ( جيروت ) عقب ذلك بسؤال عجيب يستدرك به على الطبيب جهله المكشوف ، وأنطق الطبيب بإجابة أشد عجبا ، ولكن مع هذا يقتنع بها المستدرك اللبيب

جبرونت - لكننا يا سيدى نعلم أن الكبد فى ناحية اليمين وأن القلب فى ناحية الشمال .

الطبيب - كان هذا يا سيدي فيما مضى . أما اليوم فقد غيرنا كل شئ ومنهج الطب أصبح جديدا كل الجدة . وإذا كان من أغزو ينابيع الضحك أن ينساق الإنسان خطأ نتيجة تسرع أو تصلب فقد صور لنا موليير فى هذا الطبيب المزيف مثلا واضحا لذلك . إذ جعله - مع بقية بجهله هذه الحرفة التى لا تمت بصلة إلى حرفته الأصلية - ينساق وراء مظهره الجديد انسياقا بنسبه حقيقته وحرفته الأولى نسيانا تاما ، فيعجب من " جهل " جيرونت بالطب ويوحي إلى (لياندر ) أن يكون طبيبا . . وهكذا ، وصدق برجسون حيث يقول : إننا نضحك من الذهول حين تراه ولكن ضحكنا منه يكون أشد إذا نشأ وترعرع على مرأى منا فعرفنا أصله واستطعنا أن نبى تاريخه من جديد .

على هذا النحو نستطيع - لو تتبعنا كل شخصية وتعقبنا كل حادثة أن تنفس الخصائص الكوميدية التى استوفاها موليير العظيم حقا فى روايته . بل إننا نجدها حتى فى نهايتها المفتعلة التى تصور لنا أن كل الجهود التى بذلها السيد ( جيرونت ) لمعارضة ابنته فى زواجها ممن تحبه قد ذهبت هباء دون أن يدرى فذلك أيضا مصداق لقول " كنت " إن الضحك ينشأ من انتظار ينحل فجأة إلى لا شئ . وقول " هربرنت سبنسر " : إن الضحك علامة الجهد الذى يلتقى فجأة بالفراغ كأن يقطع إنسان مسافة طويلة ثم إذا به يعود من غير أن يدرى - إلى النقطة التى سار منها .

وإلا . فما أهون ما نكذب كنت وسبنسر وبرجسون وميريديث وريفية ديكون فيما ، زعموه " عن الضحك الذى هو أشبه ما يكون بالجد ، بل لعله - لا سيما عند موليير - من المأساة لفرط تغلغله فى النفس واتصاله بجوهر الحياة . . ثم تصدق نقادنا وكتابنا الذين يحسبون أن الضحك فكاهة عمادها النكيت ( والتريقة ) ووسيلتها الجناس والتورية ، وهدفها التسلية والتفريج ، ووظيفتها أقرب ما تكون إلى التخدير وإسدال الغشاوات على البصائر فلا ترى حقيقة ولا تدرك معنى .

وكفى بهذا درسا من موليير

اشترك في نشرتنا البريدية