الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631الرجوع إلى "الثقافة"

مدح, موسم الفرق الاجنبية - مسرح حديقة الأزبكية

Share

موسم الفرق الأجنبية :

قرأت معظم ما كتبه نقادنا الأفاضل عن الفرق الأجنبية التي وفدت على دار الأوبرا الملكية هذا الموسم ، وحمدت لهم رحبهم بها وتكريمهم لها ، وحمدتهم عن أنبائها في شيء من التفصيل ، ولكني كنت أرجو أن يزيدونا من غزير علمهم بما ينفع جمهورنا ، ويخصب فنوننا ، ويثير التفكير فينا .

صحيح أنهم تفضلوا بتعريفنا أن فرقة الممثلة الفرنسية ( مدام فيرا كورين ) قد نجحت نجاحاً باهراً في تمثيل مسرحيات فيدر وانروماك لراسين ، والباريزية لهنري بك

والنزوة لألفريد دي موسيه ، وأن هذه المسرحيات من أروع ما كتبه القلم الفرنسي ، ولكنهم لم يتفضلوا بتعريفنا سر هذه الروعة ، ولا خصائص وتميزات هذه المسرحيات ومؤلفيها ، لاسيما وان لكل منهم اتجاهات معينة .

إن كلا من راسين الكلاسيكي وهنري بك الواقعى ودي موسيه الرومانسي ، يمثل - أصدق تمثيل - مذهباً من أهم المذاهب التي عرفها الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر إلي القرن التاسع عشر ؛ وخليق بنا أن نتعرف على هذه المذاهب ، وأسباب وظروف وجودها ، ثم تطورها أو تغيرها ، وان تتخذ من هذه المسرحيات تطبيقات لذلك كله في فرصة كهذه قد لا تتكرر على هذا النحو .

كذلك أنبأنا نقادنا الأفاضل أن أنواع الرقص الهندي مثلا ، هي البهاراتانا نيام والسكانا كالي والمانيورى والكاتاك ، وأنها تختلف عن أنواع الرقص عندنا ، وتسمو عليها سمواً كبيرًا ، ولكنهم لم يدلونا على الأسباب الحقيقية لهذا الاختلاف وهذا السمو ، ولا عن إمكان ابتداع أو محاكاة أو نقل أو اقتباس ما قد يلائمنا منها .

وحتي عندما شرحوا لنا هذه الأنواع الممتازة لم يزيدوا - إلا قليلاً - عما جاء في النشرات والإعلانات التي أذاعها القائمون على أمر تلك الفرق . وهذا القليل الذى زادوه لم يكن من الدقة والتحقيق بحيث يقبل بغير مراجعة . فمثلاً قالوا ما ملخصه : إن الرقص المسمى ( كتاكالي ) هو رقص " المأساة " أى قصص المآسي مترجمة إلى لغة الرقص ، وانه يقدم تراث الهند في قصص راقصة كما تقدم المسرحيات الإغريقية تراث الإغريق . وقالوا إن " الدراما " الهندية قد اقترنت منذ نشأتها بالموسيقي والغناء والرقص . فهي مسرح قائم بذاته . له ما للمسرح من قواعد تشابه الأوبرا .

وأظن أن لى العذر إن فهمت من هذا وذاك أن الهند كاليونان قد عرفت فن المسرح معرفة صحيحة . فهل لي الحق بعد ذلك في أن أسأل : وأين المسارح الهندية الآن وماذا صارت إليه وما قدرها الفني إذا قيست بالمسرح الأوربي وهو - كما نعلم - وليد أو حفيد المسرح الإغريقي ؛ وإذا كان المسرح الهندي قد اندثر أو انحرف فما السبب ؟!

إني أشك في أن الهند قد عرفت الفن المسرحي الصحيح إطلاقا ، بالرغم من أن الفنان الكبير توفيق الحكيم قد قال لى منذ نحو عامين إن الهند مسرحا وإنه بصدد استيحاء مؤلف هندي قديم على نحو ما استوحى سوفوكليس الإغريقي في ( الملك أوديب ) .

وليت نقادنا يدلون برأيهم في هذه المشكلة .

مسرح حديقة الأزبكية :

لا يكاد يعرض كاتب غربي لأسباب ازدهار أو انحطاط الفن المسرحي في عصر من العصور إلا ويتحدث عن بناء دور التمثيل كسبب من مسببات ذلك الازدهار أو الأنحطاط ؛ فمثلاً دور المسارح الانجليزية في القرن التاسع عشر كانت من مسببات انحطاط المسرحية الأنجليزية وقتئذ . كذلك من مسببات انحطاط المسرحية الرومانية دور مسارحهم التي غلب عليها طابع الأناقة والترف والتشكيل الهندسى ؛ فمثلا كان للصالونات والمقاصير التي كانت تقرأ فيها تراجيديات الشاعر اللاتينبي سنيكا Seneca أثر في تحديدها بالحدود التى جعلتها أنسب للقراءة منها للتمثيل الحي ؛ ومن ثم أطلقوا عليها : ( Closct Plays) . وقد يكون بناء دور التمثيل نتيجة لطبيعة المسرحيات ، والمهم هو التدليل على تلازم شكل البناء مع كيفية التأليف وتوازنهما حتى ليؤكد Alardyce) (Nikoll أن المسرحية الحديثة ما كانت لتزدهر لولا فهم هذه العلاقة حيث امكن تشييد المسارح  الراهنة على النحو الذي أتاح للمحدثين حرية التعبير وهيأ لهم متطلبات الأداء .

أقول هذا بمناسبة بداية موسمنا المسرحي الجديد على مسرح الأزيكية لأؤكد للمسئولين أن هذا المسرح - أو بالأحرى هذا المبنى - فقير في إمكانياته الفنية ، وانه إذا كان يصلح مثلا لفرقة ( شكوكو ) فلا يصلح مطلقا لفرقة المسرح المصري الحديث التى تلتزم منهاجاً فنياً وثقافياً معيناً .

ولست أشك في أنها تحاول تعويض هذا النقص معتمدة على عناصرها الفنية والتقدير لظروفها ؛ ولكن أليس من حقها أن تهئ لها المجال الحيوي الذي تعمل فيه !

لأن كان من المتعذر الآن تشييد دار مناسبة لها خاصة بها في يوم وليلة ، فلا أقل من أن نلاحظ ذلك مستقبلا ، ولو بتخصيص ( دار الأوبرا ) لها كخطوة أولى ، إذ أن هذه الدار أيضا ليست مستوفاة تماماً من حيث الاستعدادات الفنية . وشيء خير من لا شئ !

اشترك في نشرتنا البريدية