الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50 الرجوع إلى "الثقافة"

مدرسة الأزواج, مدرسة الأزواج

Share

أرادت وزارة الشؤون الاجتماعية أن تصلح نظام الحياة فى مصر ؛ وكان بين النظم التى ذكرتها فى أحاديثها وإعلاناتها نظام الأسرة ، لأنها لاحظت كما لاحظ الناس منذ زمن بعيد ، وكما سيلاحظون إلى زمن بعيد ، أن نظام الأسرة المصرية فى حاجة إلى الاصلاح . وقد بحثت ، وأستطيع أن أبحث دائما عن بيئة متحضرة ترضى عن نظمها الاجتماعية ، وتطمئن إليها ، ولا تبتغى لها إصلاحا فلم أجد ، ويظهر أنى لن أجد مهما أمضى فى البحث والاستقصاء .

فالسخط على الحياة الحاضرة أصل من أصول الطبيعة الانسانية ، وهو سبيل هذه الطبيعة الانسانية إلى التطور والرقى ، كما ان الرضى المطلق سبيلها إل الجود والمحمود ، ثم إلى التدهور والانحطاط ؛ فسنظل دائما فى حاجة إلى الاصلاح مهما تكن أمورنا صالحة ، وسنسخط دائما على نظام الأسرة مهما يكن هذا النظام مصدر لذة لنفوسنا وغبطة لقلوبنا ، وسعادة تعيننا على احتمال أعباء الحياة . والشر كل الشر أن نسرف فى تقدير هذا السخط الطبيعى الذى يدفع إلى العمل ، ويسمو بالناس إلى الكمال ، ويطمح بهم إلى المثل العليا . الشر كل الشر أن تغلو فى تقدير هذا السخط فتحوله إلى بأس مثبط للهمم ، مفسد للآراء ، صارف عن العمل ، باعث على القعود.

فليس نظام الأسرة فى مصر بالقياس إلى الحياة المصرية ، من الفساد والقبح بحيث يظن المتشائون ، ولكنه نظام يلائم حياتنا ، وقد أنتج لنا نتائج رضينا عنها ورغبنا فيها ؛ وهو كغيره من النظم قابل للتطور ،

مصدر لشئ من القلق ، معرض لكثير من الاضطراب ؛ فالخير فى أن نلاحظه ملاحظة دقيقة ، ونلائم بينه وبين ما يلم بحياتنا من ألوان التطور ، حتى لا يختل التوازان بين أعضاء الأسرة من جهة ، وبين الأسرة والبيئة الاجتماعية من جهة أخرى .

وكنت أظن حين أنشئت وزارة الشؤون الاجتماعية أنها ستكون وزارة ملاحظة ومراقبة وإحصاء وتسجيل ؛ تلاحظ حياتنا من جميع أنحائها ، وتراقب ما يعرض لها من العوارض ، وما يلم بها من التطور ، وما يكون لذلك من أثر فى الدقيق والجليل من أمرها ، ثم تسجل هذا كله وتحصيه وتستخلص نتائجه وتعلنها إلى الناس ، ليتعلم منهم من يريد العلم ، وليصلح منهم من يريد الاصلاح ؛ وتعلنها بنوع خاص إلى الذين إليهم تدبير الأمر في هذه البلاد ليروا فيها آراءهم ، وليطبوا لها بما تقتضيه من أعمال التشريع والتنفيذ .

كنت أظن ذلك ، وكنت أظن أن وزارة الشؤون الاجتماعية ستستقبل حياتها على طريقة ديكارت ، قد جردت نفسها من كل علم سابق ، ومن كل رأى سابق ، وأخذت تدرس شؤون مصر فى أناة ومهل ، كانها لا تعلم من هذه الشؤون شيئا ، وهيأت لهذا الدرس وسائله قبل البدء فيه ، فأنشأت إدارة الاحصاء وإدارات مختلفة لمراقبة شؤوننا الاجتماعية وملاحظتها . وكنت أظن أنها ستنفق عاما أو نحو العام فى إعداد هذه المصالح والادارات ، وإمدادها بوسائل البحث العلمى الدقيق ، وأدوات الملاحظة الصحيحة المنتجة ، ثم تأخذ بعد ذلك

فى الدرس على مهل وفى روية وتثبت . وكنت أظن أنها ستحتاج إلى عامين ، أو إلى أعوام ، قبل أن تظهر لانشائها نتائجه اليسيرة الأولى . ولكنا فى مصر نحب العجلة ونكره الأناة ، وليس لنا صبر على الروية والبحث ، ولا طاقة لنا بالحياة يوما أو أياما دون أن يقول الناس عنا شيئا ، ودون أن نرى أسماءنا فى الصحف والمجلات مقرونة إلى أعمال تضاف إلينا خطأ أو صوابا ، وتحمل علينا صدقا أو كذبا ؛ وليس المهم أن نعمل ، وإنما المهم أن يظن بنا العمل ؛ وليس المهم أن ننتج أو نصلح ، وإنما المهم أن نهم بالانتاج والاصلاح . وأنا أستعمل كلمة الاتهام عن عمد .

ومهما يكن من شئ فقد أنشئت وزارة الشؤون الاجتماعية ، فكنت أسعد الناس بإنشائها ، ثم أخذت وزارة الشؤون الاجتماعية فى النشاط ، فلا أقول إلا أنها رسمت فى نفسى وعلى وجهى ابتسامة فيها مرارة شديدة . ومهما تنكر على وزارة الشؤون الاجتماعية ، فنحن مضطرون إلى الاعتراف بأنها قد أعطتنا مادة للكلام ، وقد أعطتنا مادة للدعاية أيضا . ونحن فى مصر نحب الكلام ، ونحن فى مصر نكلف بالدعاية كلفا شديدا . فلنشكر لوزارة الشؤون الاجتماعية فضلها علينا ، ولعلها أن تتقاضانا غدا أو بعد غد شكرا آخر أقوم وأجدى من هذا الشكر .

وكان من أول ما أنشأت وزارة الشؤون الاجتماعية إدارة الدعاية . وكانت الدعاية نفسها أول ما أقبلت عليه ؛ وكان صديقنا توفيق الحكيم هو قائد هذه الحملة الهائلة ، التى وجهت فى عنف شديد إلى نظمنا الاجتماعية الفاسدة لتدكها دكا ، ولتقيم لنا مكانها نظما اجتماعية صالحة لسنا نعرف ما هى . ولم يرد القائد أن يكون أقل بلاء من جنده ، ولا أن يكتفى بتدبير الخطط ، وتوزيع الجيوش على مناطق

الخطر . وإنما كان قائدا باسلا مغامرا ، كقادة القصص القديم ؛ يسبق جنده إلى الميدان ، ويعرض نفسه للخطر ليكون أسوة حسنة ، وقدوة صالحة لأتباعه المستبسلين.

وقد افتتح الحرب بحملة عنيفة على خصمه القديم ، وصديقه القديم أيضا ؛ ذلك الخصم الذى ينغص يومه ، ويؤرق ليلة ، ذلك الصديق الذى تنقطع نفسه حسرات فى سبيله ، والذى ألهمه ما أنتج من أدبه الجميل ؛ ذلك الخصم وذلك الصديق الذى يسمى المرأة . وكانت غارة القائد المستبسل عنيفة ظريفة ، وكانت مضحكة ، وكانت مخيبة للآمال . فلم يقل فيها صديقنا الأديب شيئا لم يكن قد قيل من قبل ؛ ولكنه أعاد حديثا زهد فيه الناس ، وأعاده فى لهجة محنقة من جهة ، ومؤذية للذوق من جهة أخرى ؛ محنقة لأنها لا تلائم الحق ، ومؤذية للذوق - وأريد اللوق الأدبى - لأنها نزلت بالأستاذ إلى أن يتحدث عن أشياء لم نألف الحديث عنها فى أدبه الرفيع عن البطاطس والفرن ، وما يتصل بالبطاطس والفرن . وقد قرأت وضحكت وغضبت ، ثم انتهى بى الغضب والضحك إلى هذه الابتسامة المرة التى ترسمها على وجهى وزارة الشؤون الاجتماعية دائما كلما ذكرت . وقلت فى نفسى : هذا فن جديد من فنون الإعلان ، فلن يمضى حديث مدير الدعاية دون أن يثير السخط ، ويدعو السيدات والآنسات إلى الرد والجدال ، فيكثر القول ، وتذكر وزارة الشؤون الاجتماعية فيه ، وتتحقق الدعاية العنيفة يسيرة مهلة ، لم تكلف عناء ، ولم تحتج إلى نفقة . ولم أخطئ فى التقدير ، فقد هاج السيدات والآنسات ، وما أسرع ما يهجن ! وكان من حقهن أن يهجن فى هذه المرة ، وقد أخذن على غرة ، ولم يقدرن كما قدرت أن الأمر لا يراد به إيذاؤهن ، ولا الغض من قدرهن الرفيع فى نفوسنا جميعا ، وفى نفس الأستاذ توفيق الحكيم خاصة ؛ وإنما هو لون من ألوان الدعاية وفن من فنون الإعلان .

هاج السيدات والآنسات ، فاتصلت ردودهن فى الصحف العربية والفرنسية ، وثارت بينهن المناقشات ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ؛ ولكن الشكوى لم تلبث أن ارتفعت إلى الوزير ، والسؤال لم يلبث أن وجه إلى الوزير فى مجلس الشيوخ ؛ وإذا الوزير ينفى ، وإذا الكاتب يبرأ ، وإذا الأمور تستقر والحمد لله ، بعد عاصفة لم تكن هوجاء ، ولم تكن فاترة ، ولكنها كانت شيئا بين ذلك ، وكانت تثير فى نفوس اصحاب الجد والحزم غضبا وضحكا فى وقت واحد ؛ ولا مصدر لهذا كله إلا الإعلان . فمتى يريحنا الله من الإعلان ؟ ومتى تقتصد وزارة الشؤون الاجتماعية فى الإعلان ! ومتى يكلف الأستاذ توفيق الحكيم شيئا غير إدارة الإعلان ؟

وكذلك كنت أجيل فى نفسى هذه الأحاديث وأعبث بها مع بعض الأصدقاء ، وإذا " الثقافة " تحمل إلى ذات يوم فصلا لصديقنا أحمد أمين ، يصور هذه الآراء التى ذكرتها آنفا تصويرا دقيقا . فصديقنا أحمد أمين جاد فى هذا الفصل ، عابث فيه ايضا ؛ جاد لأنه يريد الإصلاح ويبتغى إليه الوسائل ، وعابث لأنه يساير وزارة الشؤون الاجتماعية فى هذه الطريق الغريبة التى سلكتها ، طريق التفكير السريع ، والاقتراح السريع ، والإعلان السريع ، والإقدام على السهل والعسير ، فى غير تحفظ ولا احتياط .

يريد صديقنا أحمد أمين مجاراة لوزارة الشؤون الاجتماعية ان تنشأ فى مصر مدرسة للزوجات ، ولم لا ؟ ولكل شئ فى مصر مدرسة . والزوجات شئ ، فيجب أن تكون لهن مدرسة ، ولم لا ؟ والدولة تنشئ المدارس فى فروع العلم والعمل لتخريج من تحتاج إليهم فى مرافق الحياة ، وحياة الأسرة أهم مرافق الحياة ، فما بالنا لا ننشئ مدرسة تخرج اللاتى يقمن على هذه المرافق الخطيرة ، التى هى أساس الخير والشر فى كل ما يمس حياتنا الخاصة والعامة .

وقد احتاط الأستاذ أحمد أمين فى لباقة وظرف وعبث أيضا ، لى ولأمثالى من المناكفين - الذين يثيرون الاعتراضات ، ويخلقون المشكلات ؛ فرد على الاعتراضات قبل أن تثار ، وحل المشكلات قبل ان تخلق ، وظن أن فصله هذا سيمضى دون أن أتعقبه ، كما تعقبت فصله البديع فى فن السرور .

ولكن صديقنا لم يقدر أنى مصمم على تعقبه دائما فى هذا اللون من ألوان الحديث الذى يمس شؤوننا الاجتماعية ويلتمس لها العلاج السهل اليسير القريب ، الذى يكفى أن نفكر فيه ساعة ، ونكتب فيه فصلا ، لنظن أننا قد وصلنا به إلى الغاية ، وانتهينا به إلى أبعد آماد الإصلاح .

فمدرسة الزوجات هذه فكرة ظريفة ، ذكرتنى لمجرد قرائتها بآثار أدبية رائعة لموليير وجيد وموروا ، وغيرهم من الكتاب والشعراء . ولعلها شوقتنى إلى أن أعود إلى قراءة هذه الآثار الأدبية التماسا للمتعة الفنية ، والتماسا لبعض ما أتحدث به إليكم أيها القراء الأعزاء . ثم هى ذكرتنى فى الوقت نفسه بكتاب آخر خطير ، ألفه المسيو ليون بلوم رئيس الوزراء السابق فى فرنسا ، وزعيم الاشتراكية الفرنسية منذ حين ، ألفه فى أول هذا القرن وأعاد نشره حين كان رئيسا للوزارة الفرنسية منذ عامين وهو كتاب الزواج ، وهو كتاب ضخم طويل ممتع ، ولكن الحديث عنه لا يلائم هذا الطور من أطوار حياتنا الاجتماعية ، ولا يوافق عرفنا وأخلاقنا . وحسبك أنه أثار وما زال يثير فى فرنسا سخطا عنيفا . وهذا الكتاب يمكن تقسيمه إلى قسمين : أحدهما تعريف الزواج وتصويره وتصور الأغراض التى ينبغى أن تلتمس منه وتطلب إليه ؛ والثاني تصوير الوسائل التى تمكن من تحقيق الزواج على النحو الذى يلائم ما أراد المسيو ليون بلوم من الاغراض .

والقسم الأول يمكن أن يختصر فى أسطر ، وهو

يطابق كل المطابقة رأى صديقنا أحمد أمين ؛ فليس الزواج عند مسيو ليون بلوم متعة عنيفة ، ولذة متهالكة ، وليس الزواج وسيلة إلى إرضاء طائفة من الشهوات الجامحة ، التى تضبط ولا تنظم ؛ وإنما الزواج نظام هادئ ، ينظم حياة هادئة ، ويؤدى إلى سعادة هادئة ، ويعين على احتمال أعباء الحياة فى طور من اطوار السن ، يصعب فيه احتمال أعباء الحياة . وإذا فلا بد من أن يعد الزوجان إعدادا صحيحا دقيقا لهذا الطور الهادئ المريح الخصب من حياتهما ؛ وإلى هنا يتفق مسيو ليون بلوم والأستاذ أحمد أمين .

ولكنهما يختلفان بعد ذلك فى مسائل إعداد الزوجين ؛ فأما مسيو ليون بلوم فيفرض مدرسة لا تقيمها وزارة المعارف ولا وزارة الشؤون الاجتماعية ولا أى وزارة من الوزارات ، مدرسة لا بناء لها ولا برنامج لها ولا ناظر لها ، وإنما الدنيا كملها هى بناؤها والحياة كلها هى برنامجها والطبيعة كلها هى ناظرها ، يدخل الناس فيها أحرارا ويخرجون منها أحرارا - إن كان الناس أحرارا فى هذه الحياة - ولكنهم قد يدفعون إلى الشر الذى لا حد له وإلى الفوضى التى لاضابط لها ؛ وأما مدرسة الأستاذ أحمد أمين فهى كما رأيت مدرسة ستقام فى شارع المنيرة أو فى شارع العباسية أو فى شارع من شوارع القاهرة ، سيكون لها برنامج محدود مكتوب ، يأبى الأستاذ أحمد أمين أن يرسمه ، لأنه لا يستطيع أن يرسمه ، ولأن رسمه لا سبيل إليه ؛ وستكون لها ناظرة درست بالطبع فى فرنسا أو فى انجلترا ونالت الليسانس أو الدكتوراه أو البكالوريوس أو الماجستير ؛ فى أى مادة ؟ لا أدرى ولا يدرى الأستاذ أحمد أمين . وستكون هذه المدرسة تابعة لمراقبة تعليم البنات فى وزارة المعارف أو لفرع من فروع الشؤون الاجتماعية ، لا أدرى ما هو ولا يدرى الأستاذ أحمد أمين ما هو ؛ وسيكون فى هذه المدرسة أساتذة لا أدرى أيكن من السيدات والآنسات ؟ أيتخرجن فى مصر أم فى أوربا أم يتخرجن هنا وهناك ، ولا أدرى فى أى مادة يتخرجن

ولا يدرى الأستاذ أحمد أمين أيضا . وليس يكفى أن تزعم أن ذكر البرنامج تفصيل وأنك لاتريد الدخول فى التفصيل ، فحاجتنا إلى التفصيل أشد من حاجتنا إل الإجمال ؛ فحدثنى ماذا تريد أن يدرس فى هذه المدرسة ؟ صنع البطاطس فى الفرن كما يريد توفيق الحكيم ؟ فإن بناتنا يتعلمن هذا وكن يتعلمنه قبل أن تنشأ المدارس ؛ العزف على البيانو والعود والقانون ؟ فإن هذه أشياء تدرس الآن فى المدارس والبيوت ؛ تفصيل الثياب وألوان اللباس ؟ فان هذا يدرس عند المعلمات قبل أن تنشأ المدارس . ويدرس فى هذه المدرسة بعد إنشائها ثقافة العقل والقلب والحس والشعور بالأدب والعلم وبالفن والفلسفة ؟ فان هذا يدرس فى المدارس والجامعات . الأخلاق وآداب الأسرة والاجتماع ؟ فان هذا يدرس ولا يجدى درسه والخير أن يكتسب من الحياة العملية اكتسابا . ماذا تريد إذا أن يدرس فى هذه المدرسة ؟ وأين نريد إذا أن يتخرج الأساتذة الذين يعلمون فى هذه المدرسة برنامجا لم ترسمه ، وما أرى إلا أنك ستجد إلى رسمه سبيلا ؟ وهل من الحق أن الزوجات وحدهن يحتجن إلى العناية وإلى أن ننشأ لهن مدرسة خاصة ؟ أعليهن وحدهن وزر الفساد الاجتماعى الذى تشقى به الأسرة والأمة ؟ أليس من الحق بل من الواجب أن نصارح أنفسنا فى شجاعة وحزم وبراءة من الأثرة والكبرياء ، بأن وزر الفساد إن كان هناك فساد إنما يقع على الرجال قبل أن يقع على النساء ، وأن النساء إن شاركن فيه فانما يشاركن فيه بمقدار يسير . إن المرأة لا تشكو من آثام الزوج أو لا تشكو منها إلا قليلا جدا ، وأؤكد لك أن آثام الزوج وسيئاته أعظم وأضخم وأشد هولا مما يمكن أن تؤخذ به المرأة .

إنك لتعلم كما أعلم أن أكثر الرجال يلغون المرأة إلغاء من حسابهم فى حياتهم اليوم اليومية ، فهم يهملونها إذا أقبلوا على أعمالهم لينهضوا بتكاليف الحياة ، وليس عليهم بذلك بأس ،

(البقية على صفحة ٤١)

( بقية المنشور على صفحة ٨ )

ولكنهم قد يسرفون فى تكاليف الحياة هذه فيغرقون فيها إلى آذانهم ويضحون فى سبيلها بتكاليف الحياة المنزلية ، وإذا المرأة وحيدة مهملة قد أصبحت أجيرة لتقوم لسيدها ومولاها على إعداد طعامه وتنظيم حياته المادية اليسيرة ، وتقوم على تربية أبنائها كما تستطيـع ؛ تعمل فى النهار وتعمل فى الليل ، تعمل عن علم إن علمتها ، وتعمل عن جهل إذا لم تعلمها ، وتحظى بالرضى قليلا وتشقى بالغضب كثيرا .

ثم لا ينصرف الرجال عن أزواجهم إلى تكاليف الحياة وحدها ، ولـكنهم ينصرفون إلى متاع الحياة وفضولها وسخافاتها ،يتخذون بيوتهم فنادق يؤوون إليها ليناموا ويأوون إليها ليطعموا ؛ ولعلهم يطعمون فى بيوتهم مرة فى اليوم ويأخذون حاجتهم إلى الطعام فى الأندية والمطاعم والقهوات . وإنك لتعلم كما أعلم جناية القهوات والأندية على البيوت وجناية حياة الشارع على حياة الأسرة . وإنك لتعلم أن الرجل يؤثر نفسه بما استطاع من ألوان اللذة والمتاع ، ويترك امرأته حيث هى فى بيئتها البائسة المظلمة كأنـها لم تخلق للذة ولا لمتاع ؛ فإذا سئل عن ذلك تعلل بأن امرأته لا تلائمه وبأن الزوج الصالحة لم توجد فى مصر بعد . وإنما هي معاذير لا تغنى عن الحق شيئا . والحق أن الرجل ليس خيرا من امرأته ؛ ولعل امرأته أن تكون خيرا منه وأصفى نفسا وأطهر قلبا وأقوى إرادة وأشد احتمالا وأنقى ضميرا .

شيئا من الرفق أيها السادة ؛ لا تظلموا أنفسكم بظلم النساء ولا تزعموا أنهن فى حاجة إلى الاصلاح من دونكم؛ فهن فى حاجة إلى أن يتعلمن كما أنكم فى حاجة إلى أن تتعلموا ؛ وهن فى حاجة إلا أن نلائم بين حياتهن وبين التطور الذى انتهينا إليه أو الذى تقبل عليه ؛ وأنتم فى حاجة

إلى مثل ذلك . ولكنكم فى حاجة إلى أشياء لم تظهر حاجتهن إليها بعد ؛ أنتم فى حاجة إلى ضبط أنفسـكم والقصد فى لذاتـكم وإرضاء شهواتكم والاعتدال فى إيثاركم أنفسكم بالخير واعتقادكم بأن الدنيا قد خلقت لكم ولكم وحدكم . فأصلحوا أنفسكم تصلح المرأة .

والله يعــلم. ما أزعم أن المرأة ليست فى حاجة إلى الاصلاح ؛ ولكنى أزعم أن حاجة الرجال إلى هذا الاصلاح أشد من حاجة النساء . ثم أزعم بعد ذلك أن هذا الاصلاح لا يكون بانشاء مدرسة تخرج الزوجات الصالحات أو الأزواج الصالحين ؛ وإنما يكون بالملاءمة بين حياتنا الاجتماعية وبين ما يقتضيه العصر الحديث من التطور فى النظم السياسية والاقتصادية قبل كل شئ ، وفى النظم الاجتماعية المختلفة بعد ذلك . حققوا العدل بين الناس فى الغنى والفقر وفى الاستمتاع بلذات الحياة والاحتمال لآلامها ومشقاتها وفى الاستمتاع بالحقوق والنهوض بالواجبات ، وأنشئوا للحكم وتحقيق العدل ونشر التعليم والعناية بالصحة العامة أدوات صالحة مستقيمة ، وثقوا بأن هذا كله سيصلح شؤون الرجال والنساء جميعا ، وسيكفل تخريج الزوجات الصالحات والأزواج الصالحين .

وأخيرا ، أين تـكون الشـكوى من الزوجات غير الصالحات ؟ إنا لا نسمعها فى القرى والريف ، لأن الرجال والنساء يشقون جميعا شقاء مشتركا بحياة قوامها البؤس والضنك والملل والأمراض . ولا نسمعها فى طبقات العمال التى تعيش فى المدن ، لأن هذه الطبقات يشقى رجالها ونساؤها شقاء مشتركا بعذاب مشترك ، يشبه ما يشقى به أهل الريف ؛ وإنما نسمع هذه الشكوى في بيئات ضيقة بين الشباب المتعلمين الذين ارتفعوا شيئا ما عن طبقتهم ، فارتسمت لهم مثل عليا فى الحياة ، لا يجدون من النساء

(البقية على الصفحة التالية)

أعوانا عليها ؛ وهــذه أزمة طارئة ستزول يوم يتحقق العدل بين المصريين جميعا ، وبين الرجال والنساء خاصة فى جميع مرافق الحياة .

فالعدل العدل أيها السادة ، العدل الاجتماعى وحده هو قوام الاصلاح ، وهو سبيله ، وهو غايته ، وهو كل شئ . وقد كنت أظن أن وزارة الشؤون الاجتماعية قد أنشئت لتحقيق هذا العدل الاجتماعى ، وما زلت أظن بها ذلك وأنتظره منها .

اشترك في نشرتنا البريدية