الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 616الرجوع إلى "الثقافة"

مدرسة الطب المصرية، أول مدرسة عليا أنشأها محمد على, مدرسة الطب المصرية

Share

بدأ محمد على بإنشاء جيشه الجديد بعد سنة ١٨١٥ ، وكان من الضروري - اقتداء بالجيوش الأوربية التى ينقل عنها - أن يلحق عددا من الأطباء بكل فرقة من فرق الجيش ، وأن تنشأ لهذه الفرق المستشفيات الثابتة والمتنقلة .

واستعان محمد علي - أول الأمر - بطائفة من أدعياء  الطب والحلاقين . لعدم وجود غيرهم ؛ يؤيد دعوانا هذه المؤرخ الفرنسي " إدوار جوان " فقد وصف الأطباء المصاحبين للحملة المصرية فى السودان بأنهم " من أفاق اليونان والطليان، كما لاحظ " مسيو هامون ، أن الأطباء الأجانب فى العهد الأول من عصر محمد على كان من بينهم " ندل فى مقهي وصانع أحذية فى مرسيليا وعامل تلغراف " وأن ثلثى هؤلاء الأطباء كانوا بلا " ديبلومات "

وفى سنة ١٨٢٥ استدعى محمد على الدكتور "كلوت بك" ليكون طبيبا ورئيسا لجراحي الجيش المصرى ، وقد سعى هذا الرجل سعيا متواصلا - منذ التحق بخدمة محمد على - للقضاء على نفوذ الإيطاليين ، وإحلال الفرنسيين محلهم ، وما زال بمحمد على يحرضه على إنشاء مدرسة للطب لتعليم أبناء البلد حتى وافقه على ذلك ، وأنشئت المدرسة في سنة ١٢٤٣(١٨٢٧) إلى جانب مستشفى الجيش بأبى زعبل ليسهل على الطلاب الدراسة العملية إلي جانب الدراسة العلمية .

وقد اعترضت كلوت بك صعوبات كثيرة فى أول الأمر ، أهمها : صعوبة التشريح وقد تغلب عليها ، ثم صعوبة اللغة التي يدرس بها ، وكانت هذه أخطر الصعوبات ، غير أن كلوت بك بذل كل جهده حتى استطاع التغلب عليها .

كانت هيئة التدريس عندما أنشئت المدرسة تتكون من أساتذة فرنسين وإيطاليين ، كما كان من بينهم واحد أسبانى ، وقد كانوا جميعا لا يعرفون غير الفرنسية أو الإيطالية .

والطلبة الجدد لا يعرفون غير العربية ، لذلك لجأ كلوت بك إلى تعيين عدد من المترجمين لينقلوا الدروس عن الأساتذة إلى الطلاب ، وكانت الخطة التى وضعها كلوت بك تتلخص فيما يأتى :

١ - كان المترجمون ينقلون الدروس إلى اللغة العربية فى حضرة الأستاذ ، وكان الأستاذ يمد المترجم بالشروح والتفسيرات اللازمة ليسهل عليه مهمته ، لأن هؤلاء المترجمين لم يكونوا على علم المواد التي يترجمونها فى أول الأمر

٢ - وليتيقن الأستاذ من حسن فهم الترجم لما قال كان يطلب إليه أن يعيد ما ترجم باللغة الفرنسية أو الإيطالية .

٣ - كانت هذه الدروس المترجمة تملى على الطلاب بعد ذلك فيسجلونها فى دفاترهم الخاصة .

٤ - كان المدرس يقوم بعد ذلك بشرح الدرس الذى أملى على الطلاب ، ويجيب علي اسئلتهم إذا أشكل عليهم فهم بعض عناصر الدرس ، وذلك عن طريق المترجم أيضا .

٥ - كان الطلبة يمتحنون آخر كل شهر فيما درسوه ، وكان الاختيار لرياسة الأقسام على أساس التفوق فى الإمتحانات .

كانت هذه هى الطريقة الوحيدة الممكنة للتدريس فى مدرسة الطب أول إنشائها ، وطبيعي أن تظهر لهذه الطريقة عيوب ، وان يوجه إليها النقد المر ؟ وقد احست هذه العيوب هيئة التدريس قبل غيرها ، فاعترفت فى خطابها إلى ديوان المدارس بأن " الدروس التي يدرسها المدرسون الأجانب الذين لا يلمون باللغة العربية أو اللغة التركية كان ينقلها الطلبة مترجمون لا يعلمون شيئا عن معناها ، كما انه لا يمكن شرحها لهم لعدم إلمامهم بهذا العلم ، وهذا هو السبب الوحيد فى تأخر الطلبة وكان ذلك فى مجال التعليل لسوء النتيجة فى مدرسة الطب .

هذا ما اعترفت به هيئة المدرسة فى خطاب خاص لديوان المدارس ، ولكن هذه الهيئة نفسها لم تكن لتقبل أى نقد علنى يوجه لطريقتها هذه فى التدريس ؛ فقد حدث أن كتبت جريدة " أزمير " فى أحد أعدادها سنة ١٨٢٨ نقدا لاذعا لمدرسة الطب ولطريقة التدريس بها بوساطة المترجمين فانبرت لها هيئة التدريس فى المدرسة ، وأرسلت لها ردا مطولا على هذا النقد ، جاء فيه خاصا بطريقة النقد ما يلى :

" نحن لا نشارككم فيما ذهبتم إليه من ضرورة تمكن الشخص المنوط به أمر الوساطة بين الأستاذ والتلاميذ من العلم الذى يلقيه الأستاذ ويقوم هو بنقله إلى اللغة العربية ، فإنه يكفي - فيما نراه - أن يكون هذا الناقل حسن الإلمام باللغتين ، ومن الكفاءة بحيث يفهم الدروس التى يفسرها الأستاذ له ، ومن الميسور للأستاذ متى تم النقل على الصفة المتقدمة ، أى بطريق الرواية عن الأستاذ ، أن يراقب صحة ما ألقاه الوسيط فى حضرته بتكليفه إياه أن يترجم إلى الفرنسية ما كان قد عربه عنها ؛ ومثل هذا التمرين المضاعف ينتهى بالمترجم إلى الإطلاع بنصوص الدرس والإحاطة بأطرافه ، فيكون مما لاشك فيه أن الدرس الذى حضر على هذا المثال قد نقل نقلا دقيقا ، وروعيت فيه الآمانة التامة " .

ومهما يكن من شئ فقد أحس " كلوت بك " نفسه ما يشوب هذه الطريقة من فساد ، واتخذ وسائل مختلفة لعلاج هذا الفساد والقضاء عليه ، منها :

أولا - بدأ يكلف هيئة المترجمين فى المدرسة بترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية ، واشترك المترجمون فى هذا العمل ، وكان أول كتاب طبى ترجم فى هذه المدرسة هو كتاب " القول الصريح فى علم التشريح " وهو من تأليف " بايل Bayle " وبه زيادات للدكتور كلوت بك ، وقد ترجمه يوحنا عنحورى ، وطبع فى مطبعة المدرسة بأبي زعبل سنة ١٢٤٨(١٨٣٢) - وإذا كان هؤلاء المترجمون لا يتقنون اللغة العربية ، فقد عينت فى مدرسة الطب طائفة من المحررين والمصححين من شيوخ الأزهر ؛ وقد استطاع هؤلاء المشايخ بما لهم من معرفة بكتب الطب العربية القديمة أن يمدوا المترجمين بالمصطلحات الطبية الصحيحة ، كما كان لهم فضل كبير فى تقويم أسلوب الترجمة العربي وتصحيحه

والبعد به - على قدر استطاعتهم وعلمهم - فما يشوبه من لكنة ومجمة وركاكة ؛ أما المصطلحات الطبية الجديدة فقد اجتهدت الهيئتان معا فى ترجمتها أو وضع مصطلحات جديدة تؤدى معناها ، " ومن هؤلاء الرجال مجتمعين تكون " أكاديمية" تكمل أمانة الترجمة وصحتها ، وأصبح للطب في خمس سنين قاموس "vocabulaire” تزيد كلماته على ستة آلاف كلمة " .

ثانيا : الحق المترجمين تلاميذ بالمدرسة ليتلقوا العلوم الطبية ، فيسهل عليهم بعد ذلك معرفة المصطلحات وتفهم المواد التى يتقاوتها عن الآسانذ للتلاميذ ، والكتب التى يترجمونها ، وقد أثنى كلوت بك فى تقاريره عليهم وعلى نشاطهم ثناء جما

ثالثا : ورأى كلوت بك أن يشجع تلاميذ المدرسة على تعلم اللغة الفرنسية . فأنشأ لهم مدرسة لتعليمهم هذه اللغة ، وأحقها بمدرسة الطب ، " وقد عمل الشيخ رفاعة رافع في هذه المدرسة مدرسا للترجمة لعشرين تلميذا بعد عودته من فرنسا " .

رابعا : ومن الوسائل التى اتبعت للإقلال من عيوب طريقة الترجمة أن عهد لتلاميذ الفرق المتقدمة بتدريس بعض علوم الطب للتلاميذ المبتدئين . وان يشرحوا لهم ما صعب عليهم فهمه .

خامسا : اختار كلوت بك بعد مضى خمس سنوات على إنشاء المدرسة باثني عشر تلميذا من أوائل الخريجين  ونوابغهم ، وسعى حتى أرسلوا فى أول بعثة طبية إلى فرنسا (سنة ١٨٣٢) . وسيكون لأعضاء هذه البعثة بعد عودتهم شأن خطير فى التدريس بمدرسة الطب وإدارة شئونها ، وفى الترجمة والتأليف ؛ فقد أصدر مجلس إدارة المدرسة - بعد عودة هؤلاء البعوثين - لائحة تعين الأعمال التى يناط بهم القيام بها ، كان منها - إلي جانب اشتغالهم كمعيدين ومساعدين للأساتذة الأجانب - أن يقوموا بترجمة الكتب التى يختارها لهم أعضاء مجلس المدرسة . وأن تعرض هذه الكتب قبل ترجمتها على شورى المدارس ، ثم تدفع إليهم ، وبعد الفراغ من ترجمتها ، ومنعا للشك فى صحتها " يجب أن لا يطبع كتاب ما بعد الانتهاء من

( البقية على صفحة ١١ )

(بقية المنشور على صفحة ٩) ترجمته قبل أن يعرض على مترجمى المدرسة ومصححها أجمعين " .

كذلك نص فى لوائح سنة ١٨٣٦ التى أصدرها ديوان المدارس لتنظيم التعليم فى مصر على أن يجتمع ، مدرسو مدرسة الطب المصريون فى غرفة الترجمة بالمدرسة ليشتغلوا بالترجمة ساعتين قبل الظهر وساعتين بعد الظهر .

وقد ظلت إدارة المدرسة يتولاها الأجانب منذ أنشئت حتى سنة ١٢٦١(1845) ، أى حتى أواخر عصر محمد على تقريبا ؛ فقد تولى إدارتها بالتتابع : الدكتور كلوت بك ، ثم الدكتور دڤينو ، ثم الدكتور برون ؛ وأخيرا عهد بإدارتها إلي أحد أعضاء البعثة المصريين ، وهو الدكتور إبراهيم النبراوي ، ثم تولاها من بعده عضو آخر هو الدكتور محمد الشافعي .

اشترك في نشرتنا البريدية