بدأ محمد على بإنشاء جيشه الجديد بعد سنة ١٨١٥ ، وكان من الضروري - اقتداء بالجيوش الأوربية التى ينقل عنها - أن يلحق عددا من الأطباء بكل فرقة من فرق الجيش ، وأن تنشأ لهذه الفرق المستشفيات الثابتة والمتنقلة .
واستعان محمد علي - أول الأمر - بطائفة من أدعياء الطب والحلاقين . لعدم وجود غيرهم ؛ يؤيد دعوانا هذه المؤرخ الفرنسي " إدوار جوان " فقد وصف الأطباء المصاحبين للحملة المصرية فى السودان بأنهم " من أفاق اليونان والطليان، كما لاحظ " مسيو هامون ، أن الأطباء الأجانب فى العهد الأول من عصر محمد على كان من بينهم " ندل فى مقهي وصانع أحذية فى مرسيليا وعامل تلغراف " وأن ثلثى هؤلاء الأطباء كانوا بلا " ديبلومات "
وفى سنة ١٨٢٥ استدعى محمد على الدكتور "كلوت بك" ليكون طبيبا ورئيسا لجراحي الجيش المصرى ، وقد سعى هذا الرجل سعيا متواصلا - منذ التحق بخدمة محمد على - للقضاء على نفوذ الإيطاليين ، وإحلال الفرنسيين محلهم ، وما زال بمحمد على يحرضه على إنشاء مدرسة للطب لتعليم أبناء البلد حتى وافقه على ذلك ، وأنشئت المدرسة في سنة ١٢٤٣(١٨٢٧) إلى جانب مستشفى الجيش بأبى زعبل ليسهل على الطلاب الدراسة العملية إلي جانب الدراسة العلمية .
وقد اعترضت كلوت بك صعوبات كثيرة فى أول الأمر ، أهمها : صعوبة التشريح وقد تغلب عليها ، ثم صعوبة اللغة التي يدرس بها ، وكانت هذه أخطر الصعوبات ، غير أن كلوت بك بذل كل جهده حتى استطاع التغلب عليها .
كانت هيئة التدريس عندما أنشئت المدرسة تتكون من أساتذة فرنسين وإيطاليين ، كما كان من بينهم واحد أسبانى ، وقد كانوا جميعا لا يعرفون غير الفرنسية أو الإيطالية .
والطلبة الجدد لا يعرفون غير العربية ، لذلك لجأ كلوت بك إلى تعيين عدد من المترجمين لينقلوا الدروس عن الأساتذة إلى الطلاب ، وكانت الخطة التى وضعها كلوت بك تتلخص فيما يأتى :
١ - كان المترجمون ينقلون الدروس إلى اللغة العربية فى حضرة الأستاذ ، وكان الأستاذ يمد المترجم بالشروح والتفسيرات اللازمة ليسهل عليه مهمته ، لأن هؤلاء المترجمين لم يكونوا على علم المواد التي يترجمونها فى أول الأمر
٢ - وليتيقن الأستاذ من حسن فهم الترجم لما قال كان يطلب إليه أن يعيد ما ترجم باللغة الفرنسية أو الإيطالية .
٣ - كانت هذه الدروس المترجمة تملى على الطلاب بعد ذلك فيسجلونها فى دفاترهم الخاصة .
٤ - كان المدرس يقوم بعد ذلك بشرح الدرس الذى أملى على الطلاب ، ويجيب علي اسئلتهم إذا أشكل عليهم فهم بعض عناصر الدرس ، وذلك عن طريق المترجم أيضا .
٥ - كان الطلبة يمتحنون آخر كل شهر فيما درسوه ، وكان الاختيار لرياسة الأقسام على أساس التفوق فى الإمتحانات .
كانت هذه هى الطريقة الوحيدة الممكنة للتدريس فى مدرسة الطب أول إنشائها ، وطبيعي أن تظهر لهذه الطريقة عيوب ، وان يوجه إليها النقد المر ؟ وقد احست هذه العيوب هيئة التدريس قبل غيرها ، فاعترفت فى خطابها إلى ديوان المدارس بأن " الدروس التي يدرسها المدرسون الأجانب الذين لا يلمون باللغة العربية أو اللغة التركية كان ينقلها الطلبة مترجمون لا يعلمون شيئا عن معناها ، كما انه لا يمكن شرحها لهم لعدم إلمامهم بهذا العلم ، وهذا هو السبب الوحيد فى تأخر الطلبة وكان ذلك فى مجال التعليل لسوء النتيجة فى مدرسة الطب .
هذا ما اعترفت به هيئة المدرسة فى خطاب خاص لديوان المدارس ، ولكن هذه الهيئة نفسها لم تكن لتقبل أى نقد علنى يوجه لطريقتها هذه فى التدريس ؛ فقد حدث أن كتبت جريدة " أزمير " فى أحد أعدادها سنة ١٨٢٨ نقدا لاذعا لمدرسة الطب ولطريقة التدريس بها بوساطة المترجمين فانبرت لها هيئة التدريس فى المدرسة ، وأرسلت لها ردا مطولا على هذا النقد ، جاء فيه خاصا بطريقة النقد ما يلى :
" نحن لا نشارككم فيما ذهبتم إليه من ضرورة تمكن الشخص المنوط به أمر الوساطة بين الأستاذ والتلاميذ من العلم الذى يلقيه الأستاذ ويقوم هو بنقله إلى اللغة العربية ، فإنه يكفي - فيما نراه - أن يكون هذا الناقل حسن الإلمام باللغتين ، ومن الكفاءة بحيث يفهم الدروس التى يفسرها الأستاذ له ، ومن الميسور للأستاذ متى تم النقل على الصفة المتقدمة ، أى بطريق الرواية عن الأستاذ ، أن يراقب صحة ما ألقاه الوسيط فى حضرته بتكليفه إياه أن يترجم إلى الفرنسية ما كان قد عربه عنها ؛ ومثل هذا التمرين المضاعف ينتهى بالمترجم إلى الإطلاع بنصوص الدرس والإحاطة بأطرافه ، فيكون مما لاشك فيه أن الدرس الذى حضر على هذا المثال قد نقل نقلا دقيقا ، وروعيت فيه الآمانة التامة " .
ومهما يكن من شئ فقد أحس " كلوت بك " نفسه ما يشوب هذه الطريقة من فساد ، واتخذ وسائل مختلفة لعلاج هذا الفساد والقضاء عليه ، منها :
أولا - بدأ يكلف هيئة المترجمين فى المدرسة بترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية ، واشترك المترجمون فى هذا العمل ، وكان أول كتاب طبى ترجم فى هذه المدرسة هو كتاب " القول الصريح فى علم التشريح " وهو من تأليف " بايل Bayle " وبه زيادات للدكتور كلوت بك ، وقد ترجمه يوحنا عنحورى ، وطبع فى مطبعة المدرسة بأبي زعبل سنة ١٢٤٨(١٨٣٢) - وإذا كان هؤلاء المترجمون لا يتقنون اللغة العربية ، فقد عينت فى مدرسة الطب طائفة من المحررين والمصححين من شيوخ الأزهر ؛ وقد استطاع هؤلاء المشايخ بما لهم من معرفة بكتب الطب العربية القديمة أن يمدوا المترجمين بالمصطلحات الطبية الصحيحة ، كما كان لهم فضل كبير فى تقويم أسلوب الترجمة العربي وتصحيحه
والبعد به - على قدر استطاعتهم وعلمهم - فما يشوبه من لكنة ومجمة وركاكة ؛ أما المصطلحات الطبية الجديدة فقد اجتهدت الهيئتان معا فى ترجمتها أو وضع مصطلحات جديدة تؤدى معناها ، " ومن هؤلاء الرجال مجتمعين تكون " أكاديمية" تكمل أمانة الترجمة وصحتها ، وأصبح للطب في خمس سنين قاموس "vocabulaire” تزيد كلماته على ستة آلاف كلمة " .
ثانيا : الحق المترجمين تلاميذ بالمدرسة ليتلقوا العلوم الطبية ، فيسهل عليهم بعد ذلك معرفة المصطلحات وتفهم المواد التى يتقاوتها عن الآسانذ للتلاميذ ، والكتب التى يترجمونها ، وقد أثنى كلوت بك فى تقاريره عليهم وعلى نشاطهم ثناء جما
ثالثا : ورأى كلوت بك أن يشجع تلاميذ المدرسة على تعلم اللغة الفرنسية . فأنشأ لهم مدرسة لتعليمهم هذه اللغة ، وأحقها بمدرسة الطب ، " وقد عمل الشيخ رفاعة رافع في هذه المدرسة مدرسا للترجمة لعشرين تلميذا بعد عودته من فرنسا " .
رابعا : ومن الوسائل التى اتبعت للإقلال من عيوب طريقة الترجمة أن عهد لتلاميذ الفرق المتقدمة بتدريس بعض علوم الطب للتلاميذ المبتدئين . وان يشرحوا لهم ما صعب عليهم فهمه .
خامسا : اختار كلوت بك بعد مضى خمس سنوات على إنشاء المدرسة باثني عشر تلميذا من أوائل الخريجين ونوابغهم ، وسعى حتى أرسلوا فى أول بعثة طبية إلى فرنسا (سنة ١٨٣٢) . وسيكون لأعضاء هذه البعثة بعد عودتهم شأن خطير فى التدريس بمدرسة الطب وإدارة شئونها ، وفى الترجمة والتأليف ؛ فقد أصدر مجلس إدارة المدرسة - بعد عودة هؤلاء البعوثين - لائحة تعين الأعمال التى يناط بهم القيام بها ، كان منها - إلي جانب اشتغالهم كمعيدين ومساعدين للأساتذة الأجانب - أن يقوموا بترجمة الكتب التى يختارها لهم أعضاء مجلس المدرسة . وأن تعرض هذه الكتب قبل ترجمتها على شورى المدارس ، ثم تدفع إليهم ، وبعد الفراغ من ترجمتها ، ومنعا للشك فى صحتها " يجب أن لا يطبع كتاب ما بعد الانتهاء من
( البقية على صفحة ١١ )
(بقية المنشور على صفحة ٩) ترجمته قبل أن يعرض على مترجمى المدرسة ومصححها أجمعين " .
كذلك نص فى لوائح سنة ١٨٣٦ التى أصدرها ديوان المدارس لتنظيم التعليم فى مصر على أن يجتمع ، مدرسو مدرسة الطب المصريون فى غرفة الترجمة بالمدرسة ليشتغلوا بالترجمة ساعتين قبل الظهر وساعتين بعد الظهر .
وقد ظلت إدارة المدرسة يتولاها الأجانب منذ أنشئت حتى سنة ١٢٦١(1845) ، أى حتى أواخر عصر محمد على تقريبا ؛ فقد تولى إدارتها بالتتابع : الدكتور كلوت بك ، ثم الدكتور دڤينو ، ثم الدكتور برون ؛ وأخيرا عهد بإدارتها إلي أحد أعضاء البعثة المصريين ، وهو الدكتور إبراهيم النبراوي ، ثم تولاها من بعده عضو آخر هو الدكتور محمد الشافعي .

